أقلام واراءزوايا

إسرائيل المهزومة ..بقلم :عبد الحليم قنديل


قد يبدو الكلام عن “إسرائيل المهزومة” غريبا، ومثيرا لعلامات تعجب بلا نهاية، فالرأي السائد أو “المسيد” له وجهة أخرى، هي أن إسرائيل تعيش أزهى عصورها، وأن انهيارات المشرق العربي في العراق وسوريا قدمت لها خدمة العمر، وأن قرار ترامب بنقل سفارة أمريكا إلى القدس هو قمة انتصارات إسرائيل، وأن صحوة التطبيع الكارثي تعني اعترافا عربيا مضافا بأفضلية وأولوية إسرائيل، وعلى طريقة وصف نتنياهو لإسرائيل بأنها في موسم الأعياد التاريخية.
وبالطبع، لا أحد ينكر وقائع خطيرة تجري، ولا ينكر هرولة عواصم عربية رسمية وراء إسرائيل كسبا لقلب أمريكا، غير أن هذه كلها ظواهر سطح متقلب، لا تعني أبدا ما يريدون إيصاله للجمهور، ولا تعني أن إسرائيل حققت أو تحقق انتصارها النهائي، فصحيح أن الهزائم تلحق بالعرب، وأن شعوبا عربية كاملة تحت سيف التقتيل بالحروب الأهلية والإقليمية، وأن دولا عربية وجيوشا رسمية تذوي وتضعف وتتآكل، وأن سلطات عربية ربطت مصائرها بمصير النفوذ الأمريكي في المنطقة، وأنها قد تجد في إسرائيل أقرب عنوان بريد للبيت الأبيض، لكن ذلك كله قد لا يعنى شيئا مفيدا لإسرائيل على نحو حاسم، اللهم إلا بصورة وقتية عابرة، فما يجري تحت السطح مختلف، ويمضى في اتجاه آخر، ولغير صالح إسرائيل المزهوة بغرورها الأخير.
وفي قلب الصراع الجاري المتصل على أرض فلسطين المقدسة، لا يبدو أن الكفة تميل لمصلحة كيان الاغتصاب الإسرائيلي، لسبب بسيط ظاهر، هو صحوة الشعب الفلسطيني، والعودة التدريجية المتزايدة لاكتساب حس المقاومة، وانقشاع الأوهام التي ضللت الشعب الفلسطيني طويلا، ولم يعد يدافع عنها أحد حتى أصحابها، فقد كان محمود عباس ـ مثلا ـ هو صانع اتفاق أوسلو في العاصمة النرويجية بالمشاركة مع شيمعون بيريز، وقاد المباحثات سرا بالاتفاق مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ومن وراء ظهر وفد فلسطيني رسمى إلى ما عرف وقتها باسم مؤتمر مدريد الدولي للسلام، وجرى الإعلان فجأة عن “اتفاق أوسلو” في سبتمبر 1993، وبدأت من وقتها سيرة ما يسمى بالسلطة الفلسطينية على مدى تواصل إلى ربع قرن، لم تكن تسمع فيها غير كلام خشبي عن عملية سلام، وعن مفاوضات تبدأ وتنقطع، وبدون شيء يضاف غير توحش الاستيطان اليهودي في القدس والضفة الغربية، وغير مراسم سلطة وهمية وقفت بالمرصاد لفصائل الكفاح الفلسطيني، ووضعت المقاومين بين مصيرين، إما التسليم لإسرائيل عبر التنسيق الأمني، أو التدجين بمكافآت نهاية خدمة المقاومة، وتوظيف ربع مليون فلسطيني في ورم بيروقراطي مترهل، يتلقى عوائده من مساعدات أجنبية، أوروبية وأمريكية، أو مما تجود به إسرائيل من جمارك وضرائب.
وكنا نحذر نحن وغيرنا من خديعة السلطة البائسة، ومن كونها تعمل في خدمة كيان إسرائيل الاستعماري الاستيطاني الإحلالي، واليوم يعترف عباس نفسه بالحقيقة المرة التي شارك في صنعها، ويقول بالنص في خطابه الأخير بمجلس الأمن الدولى ما قلنا نحن وغيرنا، فقد قال عباس بالحرف “أصبحنا سلطة بدون سلطة، وأصبح الاحتلال بدون كلفة”. ويضيف عباس واصفا نفسه وسلطته” نحن نعمل في خدمة الاحتلال”، وهكذا وفر عباس على نفسه وعلى الآخرين مؤونة كشف الحقيقة، ولم يعد خافيا أن سيرة السلطة إياها كانت خطيئة كاملة الأوصاف، ومثلت خيانة مباشرة لكفاح الشعب الفلسطيني، وبالطبع، لم يعد بوسع عباس أن يفعل شيئا سوى أن ينفض يده، بعد أن حطم حركة فتح ومنظمة التحرير، وسفّه فكرة المقاومة من ألفها إلى يائها، لكن اعترافه المتأخر جدا بالفشل، جعل القضية تعود إلى مكانها الصحيح، وأزال عن الشعب الفلسطيني حرج الأوهام، وجعله يمسك بنفسه عجلة القيادة من جديد، ولا يبالي بالسلطة المريبة ولا باعتباراتها، وينشئ من جديد معسكر المقاومة، حتى لو كانت الظروف بالغة القسوة والصعوبة، فالشعوب لا تهزم أبدا، والشعب الفلسطيني حول النقمة إلى نعمة، وأشعل انتفاضة هادئة منذ قرار ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، تتوالى مشاهدها البليغة في مظاهرات كل يوم جمعة، وتحمّل إسرائيل تكلفة الاحتلال من جديد، وتقدم صور فداء أسطوري، وبأبطال من جيل الشباب الجديد، تلاحقهم إسرائيل، وتعتقل العشرات منهم يوميا، وتقتل الذين تصل أيديها إليهم، وبدون أن يؤدي ذلك إلا إلى اشتعال جذوة المقاومة، وجعل نماذج كعهد التميمي وأحمد نصر جرار أيقونات مفضلة لعموم الشعب الفلسطيني في صحوته الجديدة، التي تتعدد صنوفها وصورها، ويبرز فيها خط المقاومة الشعبية الباسلة، اعتمادا على قوة الناس وصمودهم السلمي، وفي معارك تبدو جزئية، تحقق فيها انتصارات رمزية باهرة، تكسر أنف إسرائيل، وتمرغ عنجهيتها في التراب، وعلى طريقة النصر الأخير الذي تحقق من حول كنيسة القيامة في القدس المحتلة، وإرغام إسرائيل على ابتلاع قرارها بفرض ضرائب على أوقاف الكنائس، وتحرير مئات المنازل والمحلات التجارية في القدس من سطوة القرار الإسرائيلي، وهو انتصار بدا بوجه مسيحي فلسطيني مقاوم، أعقب بشهور انتصارا فلسطينيا مقاوما بوجه إسلامي، دارت ملاحمه العنيفة من حول المسجد الأقصى، الذي كانت إسرائيل قررت وقتها إغلاق أبوابه، والتحكم في الدخول إليه عبر جسور وكاميرات وبوابات إلكترونية، ثم كانت المواجهة الملحمية، ودفاع الشباب الفلسطيني بصدورهم العارية عن حرم المسجد المقدس، وانتصارهم الرمزى الباهر المدوي في نهاية أيام المواجهات، فالحقائق تبنى على الأرض، وليس في القرارات الدولية، ولا في قرارات الكاوبوي الأمريكي، وقد تواجهت على أرض القدس إرادتان، واحدة إسرائيلية مسلحة حتى بالقنابل الذرية، وأخرى فلسطينية عزلاء إلا من حس المقاومة حتى الشهادة، وانتصر الحس المقاوم في حالتي المسجد والكنيسة، وهو ما يجعل قوة إسرائيل وقرار ترامب حبرا على ورق، لا قيمة له، سوى أنه يمد الكفاح الفلسطيني بطاقة تحفيز، تكنس أوهام “صفقة القرن” التي يستعدون لإعلانها، وسوف تلقى مصيرها المحتوم في أقرب مقلب زبالة، فيما يدرك الشعب الفلسطيني في اطراد، أن قضيته متصلة، خصوصا مع انقشاع أوهام السلام البائس، ومع استعادة الشعب الفلسطيني تدريجيا لثقته في نفسه، وفي مقدرته على النصر، وفي جعل تكلفة الاحتلال فوق طاقة إسرائيل، فالفلسطينيون هم الباقون كما الزعتر والزيتون، وأعدادهم على الأرض المقدسة تزيد الآن على عدد اليهود المستعمرين المجلوبين من جهات الدنيا الأربع، وفي عقود قليلة مقبلة، سوف تصبح الغالبية العظمى للفلسطينيين على الأرض المقدسة، وفي انتشار عفي على أراضيهم كلها من النهر إلى البحر، فالمعركة ليست ساعة ولا سنة ولا سنوات، بل هى حرب وجود متصلة لعقود مقبلة، سوف يكون النصر فيها للأطول نفسا، والأكثر قدرة على الصبر والاحتمال والتضحية، وإسرائيل كيان مصنوع تفزعه الخسائر، ويهد حيله النزيف، بينما الفلسطينيون ورثة أرض وحضارة تحتمل الأذى إلى ما لا نهاية، وتثق في نصر الله الذي وعد به عباده المتقين الصامدين.
والشعب الفلسطيني لا يبدأ رحلة كفاحه الآن، ولا كان عاجزا في أي وقت عن تحقيق نصر مؤثر، وقد تعرض دون غيره من الشعوب العربية لاستعمار استيطاني إحلالي، ربما تواجد مثيله جزئيا في حالة الجزائر، لكن الشعب الفلسطيني ظل صامدا، وخلقته محنة الاحتلال الخاص خلقا جديدا، رغم كل الخيانات العربية والدولية التي تكاثرت عليه، لكنها لم تعقه أبدا عن مراكمة انتصارات تغير التوازنات. لا نتحدث هنا عن تاريخ قديم أو وسيط أو حتى حديث، بل عن تاريخ قريب مرئي جدا، فقد نجحت الانتفاضة الفلسطينية الثانية أوائل القرن الجاري في إجبار إسرائيل على الجلاء عن غزة، وتفكيك مستوطناتها السبع فيها، وفي سياق زمن تحول في الصراع العربي الإسرائيلي، لم تنجح إسرائيل أبدا في تحقيق نصر عسكري واحد فيه، فقد كانت آخر هزائم العرب على يد إسرائيل في حرب 1967، بعدها لم تحقق إسرائيل نصرا واحدا، لا في حرب غزو لبنان 1982، ولا في حرب الجنوب اللبناني الذي خرجت منه ذليلة سنة 2000، ولا في حرب 2006 مع حزب الله، ولا في حروب غزة أعوام 2009 و 2012 و 2014، ولا هي قادرة الآن على تحقيق نصر في أي حرب، وأكثر ما يفزعها الآن، أن تذهب إلى حرب في الشمال مع حزب الله، أو في الجنوب مع حركة حماس، وهو ما يوفر بيئة ردع استراتيجي، تنمو في ظلالها موجة المقاومة الشعبية الفلسطينية الجديدة، خاصة مع تداعي ركائز النفوذ الأمريكي الحامي لإسرائيل في المنطقة، ودخول روسيا وإيران على خط تقرير المصائر في المشرق العربي، وتفكيك معادلات العجز المتقادم، التي جعلت نظاما كالنظام السوري لا يطلق قذيفة واحدة باتجاه إسرائيل في أوج قوته، بينما يطلق في ضعفه صاروخا يسقط طائرة “إف ـ 16” أمريكية في قلب إسرائيل، فقد مضى الزمن الذي كانت فيه إسرائيل تخوف الآخرين بشن حرب، بينما تتآكل قيود معاهدة السلام مع مصر، ويزحف الجيش المصري إلى حدوده التاريخية داهسا مناطق نزع السلاح، وتتعاظم قوته متفوقا باطراد على الجيش الإسرائيلي، وتلك حقائق أصلب في أثرها من اتفاق غاز تطبيعي معلق يرفضه الشعب المصري، وسوف ينتهي كما انتهت اتفاقات مماثلة من قبله، وتبقى الحقيقة الملهمة، وهي أن أحدا لن يربح من تعاون مع “إسرائيل المهزومة” حتما بإذن الله.

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى