الاخبارشؤون عربية ودولية

أحجار شطرنج على لوحة الصراع الأميركي – الروسي !


تذكر قصة جنوب سورية بسلوك بيت الدعارة: المبدأ متفق عليه بين الجميع، والآن الخلاف فقط حول الثمن. لقد بات واضحا أن كل الثوار على أنواعهم ضد الأسد تركوا لمصيرهم، وأن الأسد يعود للسيطرة في هضبة الجولان. النقاش الجاري اليوم – والذي سيصل ذروته في اطار قمة ترامب – بوتين في هيلسنكي في 16 تموز – يعنى بمسألة: كم سيكلفنا هذا؟ أي، ما هو الثمن الذي سيدفعه الزبائن: الاميركيون، الروس، الاسرائيليون، الاردنيون والايرانيون؟
ستتأثر الأزمة «الصغيرة» في سورية بما يتفق عليه الكبار في القمة في المواضيع المهمة لهم حقا: العلاقات مع الصين، مع كوريا الشمالية، العلاقات بينهما، الناتو، الازمة بين الهند والصين. وهما سيحاولان حل هذه الخلافات في ظل استخدام الشرق الاوسط كرافعة ضغط لتحقيق انجازات عالمية. فالروس والأميركيون يستخدموننا منذ الان، يستخدمون السوريين، الاردنيين، الاكراد، وبقدر معين الايرانيين ايضا، كي يلووا أياديهم بعضهم مقابل بعض. عندما يهاجم الروس في منطقة درعا يسكت الأميركيون. وعندما تهاجم قوات التحالف، في الايام ذاتها، القوات حيث المؤيدة للأسد تقترب من معسكر الجيش الأميركي في منطقة الطنف، فان الروس يسكتون. إنها تجارة.
فحسب تقارير «قيادة التسويات السلمية» في الجيش الروسي، فانهم حتى صباح أول من امس استسلمت لقوات النظام السوري 25 بلدة في محافظة درعا. الطريقة بسيطة: قوات الفيلق الخامس في الجيش السوري تحاصر بلدة ما، والقوات الجوية، السورية والروسية، تنفذ قصفا للمنطقة. لا توجد قذائف ذكية، لا توجد اصابات موضعية، لا يوجد تقليص للضرر المحيطي.
السكان المقصوفون يضغطون على الثوار للتوصل الى تسوية مع السلطات، وجهاء البلدة يديرون مع القيادة الروسية مفاوضات على وقف القتال. الثوار يطالبون بتسليم السلاح الثقيل – وبالمقابل يتوقف القصف، الثوار يحصلون على حياتهم، وبعضهم ينتقلون الى صفوف الجيش السوري. هكذا، قطعة إثر قطعة، في قضم تدريجي ودون معارك دراماتيكية، تسقط المنطقة – باستثناء المركز المأهول في درعا، الذي لا يزال ينتظر شارة الثمن التي يبدي نظام الاسد والروس الاستعداد لدفعها مقابله للأميركيين، الأردن، واسرائيل.
جزء من المحادثات بين الثوار المعتدلين والروس يتم في عمان، حيث يوجد المكتب المشترك لروسيا، الاردن، والولايات المتحدة والذي يعنى بالتسويات في جنوب سورية، فيما تعمل اسرائيل من خلف الكواليس. هناك ايضا يوجد مكتب ديفيد سترفيلد، المبعوث الأميركي الخاص لمعالجة التسويات في سورية وفي لبنان.
الاردن قد يكون المتضرر الاساس من الهجمة السورية، في ضوء امكانية أن تغرقه موجة جديدة من اللاجئين. ومع ذلك فانه يعطي موافقته على الخطوة السورية – الروسية في محافظة درعا، قرب حدوده – وليس صدفة. فالاردنيون ينتظرون المقابل السياسي – الاقتصادي، الذي ينقذ اقتصادهم المنهار بشيء ما. وبشكل غير مفاجئ أصدرت حكومتا اسرائيل والاردن بيانين مشابهين جدا في مسألة اللاجئين السوريين: كلتاهما لن تسمحا لاي لاجئ بالدخول الى اراضيهما، ولكنهما ستبعثان بعتاد انساني للاجئين. هكذا فان اسرائيل والاردن تخففان الضغط المتوقع عليهما – من الداخل ومن الخارج – لاستيعاب اللاجئين. وبالمناسبة، حتى الان، وصل الى الجولان السوري بضعة الاف من اللاجئين، وليس عشرات ولا مئات الالاف.
ان المحافظة التي تقلق اسرائيل حقا هي القنيطرة، حيث لا يزال لم يهاجم السوريون. وبالتوازي، نجحت وزارة الدفاع الأميركية بالتشاور مع اسرائيل (رئيس الاركان آيزنكوت يوجد هذه الايام في واشنطن) في تأجيل اخراج القوات الأميركية من الطنف، محطة الحدود التي تقع على الطريق السريع المؤدي من ايران الى سورية. من ناحية اسرائيل هذا انجاز مهم على الارض، يمكن ان يسمح لها بان تتجاهل حاليا الهجوم في درعا.
لا تثق أي دولة بالاخرى، وكلها تسير على البيض. يوم الجمعة اتصل وزير الدفاع ليبرمان بوزير الدفاع الروسي شويغو، كي ينسق التوقعات. وبالتوازي يعزز الجيش الاسرائيلي قواته في هضبة الجولان. رغم الصلة الطيبة مع روسيا، من شأن الهجوم في درعا أن يخرج عن سيطرتها، ومن شأن الروس ان ينسوا المصالح الاسرائيلية بالنسبة لاعادة الوضع في الجولان الى 2011 والتعهد ألا نرى ايرانيين تحت انوفنا. في اسرائيل يفهمون بانه حتى لو مارس الروس الضغط على الاسد للتخلي عن الحلف مع الايرانيين، فان هذه ليس في ايديهم بالضرورة. وعليه فان الطلب المركزي لاسرائيل في الصفقة الاقليمية هو حرية العمل في سورية. هذا هو السبب الذي يجعل الجيش الاسرائيلي يحرك الان القوات علنا وعلى رؤوس الاشهاد كي يرى الجميع.

عن «يديعوت»

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى