أقلام واراءزوايا

هل يطيح الحرس الثوري بالرئيس الإيراني روحاني ؟ بقلم: حنان عزيزي


أثارت الاحتجاجات الكبيرة التي تعم إيران في الفترة الأخيرة، بدءاً من انتفاضة السوق أو البازار في طهران مروراً بالاحتجاجات الشعبية في مناطق مختلفة منها المدن الأهوازية التي انتفضت بسبب شح المياه وتدني نوعية المياه وانتشار المياه المسممة، تساؤلات كثيرة حول أداء حكومة الرئيس روحاني ومصيره كرئيس للجمهورية.
عرف بازار طهران بأنه معقل الأصوليين المتدينين والزعيم الروحي للاقتصاد الإيراني، حيث يتمتع البازار بهيكلية معقدة ومحافظة للغاية. لم يتوقف نشاط أهل البازار من أصحاب الغرف والمحلات التجارية خلال العقود الأربعة الماضية ولم تتمكن الصراعات السياسية الداخلية البارزة على غرار تنحي بني صدر في حزيران 1981 والحركة الخضراء في حزيران 2009 من إغلاق أبواب المتاجر والغرف في بازار طهران. وأثبتت طبقة التجار في بازار طهران أنها لا تميل إلى كفة تغيير النظام أو الإطاحة به.
شهد بازار طهران خلال يومي 25 و26 جزيران الماضي بشكل خاص إضرابا واسعا ونادرا بعد ثورة 1979 ، ما يدل على أن النظام الإيراني دخل مرحلة جديدة من الاضطرابات وأن دائرة الاستياء واليأس من تحسين الظروف الاقتصادية والمعيشية اتسعت لتشمل أجزاء من الطبقة الثرية والملتزمة دينياً (التجار في البازار) في إيران.
وبالتزامن مع تزايد الأزمات الاقتصادية خاصة الهبوط الحاد لقيمة العملة الوطنية وفشل السياسات الحكومية المتتالية في احتواء هذه الأزمات تنامت الانتقادات ضد الرئيس. ولكن هذه الانتقادات أيضا موجهة إلى الأجهزة الحكومية المقربة للمرشد.
وتظهر طبيعة الشعارات التي رفعت خلال احتجاجات البازار، على غرار «اتركوا فلسطين وفكروا بإيجاد حلول لمشاكلنا» (فلسطين رو رها كن، فكري به حال ما كن)، و«إذا انخفض حجم الاختلاسات فسيقضي ذلك على مشاكنا» (يك اختلاس کم بشه، مشکل ما حل می شه)، بأنها ترى أن سياسات النظام في المنطقة أو الفساد المستشري في أجهزة الحاكم السبب الرئيسي في الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والكوارث البيئية. ومع ذلك يبقى حسن روحاني خلال هذه الأيام عرضة للانتقاد والهجوم الحاد من قبل الرأي العام أكثر من أي وقت مضى.
كما أن الأطياف المتشددة في التيار المحافظ طالبت البرلمان بسحب الثقة من حسن روحاني أو تقديم روحاني استقالته بسبب الأزمات الأخيرة التي تشهدها البلاد.
مظاهرة بالقرب من السفارة الإيرانية في باريس
هل هذه المطالبات المنادية بعزل روحاني ظاهرة جديدة؟
ترى مجموعة من المحللين والمتابعين للشأن الإيراني أن القوات المحسوبة على المتشددين، خاصة الحرس الثوري، تسعى منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالرئيس روحاني المحسوب على المعتدلين وتأتي برئيس متشدد لتصبح السلطة بالكامل بيد المتشددين. وطالبت مجلة «الصادق» المحسوبة على جامعة الإمام الصادق التابعة للمتشددين بإقالة روحاني من منصبه خلال الاحتجاجات العارمة في كانون الأول 2017. وفي آذار 2018 كتب علي أكبر جوان فكر، وهو مستشار الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، تغريدة طالب فيها بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة بسبب تصاعد أسعار الدولار. وتداول الناشطون في قنوات تيليغرام منذ فترة بعيدة أخباراً غير مؤكدة حول إمكانية «قيام الحرس الثوري بالانقلاب على حكومة روحاني».
واستمر الهجوم الحاد على شخص رئيس الجمهورية خلال احتجاجات البازار في وسائل الإعلام الرسمية التابعة للحرس والمتشددين، ما طرح تساؤلات خلال الشبكات الاجتماعية عما إذا كان يتجه جنرالات الحرس الثوري فعلا نحو عزل روحاني ليحل محله حكم عسكري.
ما يبدو واضحا أن الحرس الثوري والمتشددين يحاولون استغلال الأزمات والاحتجاجات المتكررة لصالحهم وللقضاء على روحاني. على سبيل المثال طالب أسد الله بادامجيان، وهو نائب رئيس حزب المؤتلفة، في حوار مع وكالة «إيسنا» الطلابية في 26 حزيران الرئيس الإيراني بالاعتذار من الشعب وإجراء انتخابات مبكرة. كما قال النائب البرلماني، أمير خجسته، إنه ينبغي إعطاء مهلة لـ10 أيام للحكومة لتقديم خططها بشأن مواجهة الحرب الاقتصادية التي يشنها الأعداء ضد إيران وإذا لم تتمكن الحكومة من إقناع البرلمان ببرنامجها سنبحث عزل رئيس الجمهورية من منصبه. ووصلت سهام الهجوم العلني على روحاني إلى جنرالات الحرس والحلقة المقربة للمرشد؛ حيث صرح اللواء يحيى رحيم صفوي مستشار المرشد في الشؤون العسكرية في 24 حزيران بأنه «يبدو أنه يمكن إدارة البلاد بشكل أفضل في غياب الحكومة».
ولكن ما مدى احتمالية عزل الرئيس روحاني في الظروف الراهنة؟
شن مرشد الثورة، علي خامنئي، هجوما قاسيا لأكثر من مرة على الحكومة ورئيسها حسن روحاني خلال الفترة الماضية حيث تصاعدت حدة الهجوم العلني من قبل رأس الهرم السياسي على رئيس السلطة التنفيذية منذ أواخر 2015 حتى تموز 2017. ولكن مستوى الهجوم والانتقادات الموجهة من قبل المرشد وكبار مسؤولي النظام على روحاني انخفض بشكل نسبي بعد ذلك. وبالمقابل امتنع حسن روحاني عن توجيه انتقاداته الحادة والعلنية إلى السلطة الحاكمة.
الصراع بين روحاني والجنرالات
مع ذلك فإن هذا الهدوء الشكلي بين الرئيس والتيار المتشدد الموالي لخامنئي والحرس الثوري لا يعني نهاية الخلافات بين الطرفين.
يعود الصراع بين الحرس الثوري والرئيس روحاني إلى نظرتين مختلفتين حول القضايا الحاسمة في إيران حيث يتبنى الحرس الثوري السياسة العسكرية بينما تميل حكومة روحاني إلى الدبلوماسية كأولوية. وهذا هو محور الخلاف بين الطرفين بحسب المحللين الإيرانيين.
تصاعدت الخلافات بين الطرفين بعد التوقيع على الاتفاق النووي الذي أبرم بين إيران والقوى الكبرى في تموز 2015 حيث ترى حكومة روحاني أن بلادها لا تستطيع مواجهة التحديات من خلال الاعتماد على إمكانيات البلاد فقط، حيث يكون الحل في دخول الاستثمارات الأجنبية إلى البلاد وبالتالي يجب فتح المجال وتمهيد الأرضية للانفتاح مع العالم واللجوء إلى الدبلوماسية بدلا من السياسة الهجومية والمثيرة للأزمات.
بالمقابل، يرى الحرس الثوري أن سياسة احتواء التوتر ستؤدي إلى انخفاض التوتر مع الولايات المتحدة مما يجعل الحرس الثوري يفقد الأسباب التي أدت إلى تأسيسه وهي الحرب والسياسة العسكرية والثورية. يرى قادة الحرس الثوري أن المصالحة مع الغرب وتطبيع العلاقات بين الطرفين يضعان نهاية للثورة الإسلامية، وتنتفي بذلك أسباب وجود المؤسسات الثورية في البلاد برعاية الحرس الثوري الذي يعتبر المهيمن على القطاع الاقتصادي في إيران. وبالتالي يشكل فتح أبواب البلاد على الشركات الأجنبية تهديدا خطيرا للحرس الثوري خاصة في المشاريع الضخمة ويحد من نفوذه الاقتصادي.
روحاني مصدر للتهديد أم إنقاذ النظام؟
صحيح أن هناك هدوءاً ومصالحة مؤقتة بين روحاني ورأس السلطة، ولكن هذا لا يعني أن الخلافات بين الطرفين انتهت.
هناك وجوه خلاف أساسية بين روحاني في 2017 وروحاني في 2018 حيث تجاهل الرئيس كافة وعوده المثيرة للحساسية مثل حرية الوصول إلى الشبكات الاجتماعية ورفع الإقامة الجبرية عن زعماء الحركة الخضراء وكتابة ميثاق حقوق المواطنة والحريات السياسية والاجتماعية فيما يبقى الاتفاق النووي الذي يعتبر الإنجاز العظيم التي حققته حكومة روحاني. ويبدو أن هذا الإنجاز أيضا ذهب مهب الريح بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي.
يرى المراقبون الإيرانيون أن روحاني فقد شعبيته بشكل كبير، ولكنه ما زال يتمتع بقاعدة جماهيرية في الطبقة الوسطى، وما زال يعتبر مرشح الإصلاحيين ناهيك بتجاربه ومسؤولياته السابقة في الإدارة السياسية والاقتصادية والعسكرية في النظام. فهل سيجازف رأس النظام وقادة الحرس بإقصاء روحاني من اللعبة السياسية في هذه الظروف الحساسة وموجات الاحتجاج التي تندلع باستمرار من كافة المناطق والمحافظات، ما يعزز حالة عدم الاستقرار والاضطرابات الاقتصادية في البلاد ويغرق الاقتصاد في المزيد من المتاعب والضياع والارتباك؟ إذا حصل ذلك فيمكن توقع موجات جديدة وأكثر حدة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية.
عن «المجلة»

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى