ثقافة وادبزوايا

اليد الدافئة رواية الحب الفلسطينية كتب شفيق التلولي

بين الوطن والشتات نسج يحيى يخلف روايته اليد الدافئة رواية الحب الفلسطينية التي انجبلت بتراب أرض أحمد أبو خالد الشخصية الرئيسية في الرواية الكاتب العنيد عناد زهر الحنون الملتصق بسفوح وادي الباذان والعصي عن الاقتلاع، الصامد في وجه الريح، واليد الدافئة الدالة على الحب هي يد نرمين الأربعينية التي امتدت إلى يد أحمد أبو خالد الكاتب والاعلامي المتقاعد للتو من وظيفته في السلطة الفلسطينية لتنال من قلبه وهو على مشارف الستين بعدما فقد زوجته الجميلة جميلة والتي كان وفيا لها.

وبين دفتي الرواية تتسلل ذاكرة الروائي الخصبة الممتدة إلى زمن بغال مخيم اليرموك الواقع في جنوب العاصمة السورية دمشق، البغال التي كانت تجر قمامة المخيم، ولعل نفوقها دالة أخرى على ذلك المخيم الذي كان يعتبر عاصمة الشتات الفلسطيني، وصار أثر بعد عين، ويخط أحمد أبو خالد في ثنايا روايته حكاية الحب الذي جمع صديقه الفنان سمعان الناصري وصوفي الأفريقية الأبنوسة الخلاسية أو الشوكولاتة السوداء على حد تعبير الكاتب والتي حاولت زيارة فلسطين للتضامن مع أهلها المرابطين المدافعين عن أرضهم المسلوبة لكن الاحتلال منعها ووفد حملة المقاطعة الدولية لاسرائيل، فرواية سمعان الناصري التي خطها الكاتب بمخيال الراوي العليم بمجمل تفاصيل المغترب الفلسطيني في شتات الأرض؛ ليعطي المتلقي جرعات متتابعة من التشوق بأسلوب سلس وبسيط ومدهش لكنه دسم بلغته الوازنة ومعانيه العميقة. وبين سير الرواية رواية حب أحمد ونرمين تأبى اليابانية هياترو إلا ان تلتصق بنرمين الشقيقة الكبرى حسب التقليد الياباني؛ وتقع في حب أخيها خليل وهي دلالة أخرى على دعم اليابان مؤخرا للقضية الفلسطينية.

أما أبو الخير الذي رافق المتقاعد أحمد أبو خالد قبيل تقاعده وتنقل به في عربته إبان عمله في وظيفته السامية في السلطة الفلسطينية وظل يرافقه ويتابع أرضه الواقعة في وادي الباذان حيث حماها ودافع عنها ومعه الشبيبة الفتحاوية؛ ليجسد بذلك ايمان الكاتب بضرورة إذكاء المقاومة الشعبية السلمية ودور الشبيبة في الذود عن حياض الأرض الفلسطينية التي أكلها الاستيطان الصهيوني، وأفرد له الكاتب في النصف الثاني دورا مهما أظهر فيه حكمته وقدرته على سرد الحكايا والخراريف والأساطير التي لا يتقنها غير كاتب متمرس نهل من سطور السحرية والواقعية وحكايات ألف ليلة وليلة وظل جؤذر يتنقل في ثنايا أسطورته الجنية ليطارد غلاة المستوطنين الغاصبين كما يطارد خيال الحقل الطيور وكما طارد حسن الشاطر الغولة في خرايف الجدات، ولم يغفل الكاتب عن استخدام الرمز في مواطن عدة مثل استخدامه طير القبرة كدلالة على الحرية والانبعاث والماعز المذبوحة والأخرى المسلوخة كدلالة على رفض الذل والخنوع والانسياق فهو يدعو إلى التمرد لا الهروب والقفز في الهواء من خلال محاولات النجاة الفردية حين يوغل الجزار بسكينه في الذبيحة وكأنه يريد أن يقول القول المأثور “أكلت يوم أكل الثور الأبيض”، بينما تظهر في جنبات الرواية سطوة المكان المسيطرة على الكاتب عبر اختياره لمدينة رام الله الفلسطينية العاصمة السياسية مسرح الأحداث؛ ليحلق بها في سفر الجغرافيا متجاوزا حدود وتعاريج الخريطة السياسية إلى آسيا وأوروبا وأفريقيا.

وما أجمل الإبنة ياسمين ابنة أحمد أبو خالد التي عادت من أميركا لتحط جنينها في الوطن تشبثا بالأرض ورفضا للغربة والشتات والاغتراب والأجمل من ذلك أنها اشترت خاتم الخطوبة لوالدها أحمد الكاتب وحبيبته نرمين الناشطة المجتمعية والحقوقية؛ لتجمعهما في خير وتزوجهما بعد أن أحبت نرمين وباتت تعتبرها أمها كما اعتبرتها هياترو اليابانية شقيقتها الكبرى ولا يمكن أن نقفز عن الجارة جارة أحمد أبو خالد التي تسهر الليالي وهي خلف ماكنة الخياطة وكيف أعياها انتظار فلذة كبدها الذي ظل حبيس مقبرة الأرقام وتلك قضية أثارها الكاتب أيضا ليفضح السياسة الاسرائيلية التي ترفض تسليم جثامين الشهداء لذويهم وتأسرهم في مقابر بأرقام.

فيما برع يخلف في اختيار شخصياته بدقة بالغة بما يخدم سير الرواية وخيطها المحبوك بعناية فائقة؛ فقد جاءت محدودة لكنها وظفت في أحداث كبيرة ومتشابكة أسهمت باقتدار في زمكان الرواية من خلال سرد شيق ومحكم ينقل القارئ المتلقي من لوحة إلى لوحة دون ملل أو كلل فجاء بالدكتور نادر صديق الكاتب المتقاعد أحمد أبو خالد وخال نرمين وزوجته وأبو عمر صاحب البقالة؛ ليشكل منهم جسد الرواية فتتكامل في سياقها السردي الذي يكون عالم الرواية وينطلق من خلال شخصياته المختارة إلى عوالم عدة انداح إليها الكاتب ويحلق مغردا عبر مخياله وبذلك يسافر بالقارئ بعيدا في فنتازيا الرواية الفلسطينية التي باتت صبغة الكاتب في رواياته الأخيرة كما فعل في رواية راكب الريح.

كل هذا ساقه الكاتب والأديب الروائي يحيى يخلف في رواية جميلة ورائعة جدا جمعت بين السرد والمونولوج والحوار وأسئلة الكاتب المحنك والتي تضع القارئ أمام الإجابات الذكية، فرواية اليد الدافئة رواية الحب الفلسطينة المجبول بتفاصل الوجع رواية تستحق أن تحوز على جوائز أدبية قيمة وكبيرة وتثري المكتبة الوطنية والعربية والعالمية.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى