أقلام واراءزوايا

مواقع الإنفصال الإجتماعي بقلم:سعيد أبو غـــزة


غزت رسائل التواصل الإجتماعي البيوت عبر الهواتف الذكية من خلال تنوع تطبيقات الأنترنت التى جذبت كافة الشرائح و الفئات من الناس. وجد فيها الناس ملاذاً لتحقيق رغباتهم و إبراز شخصياتهم و قضاء أوقاتهم على الشبكات الإجتماعية الشهيرة.
لقد تحولت الشبكات الإجتماعية الألكترونية من وسيلة إتصال فعالة و صادقة بين الناس إلى فضاء خارجي متسع بشكل أكبر من المعقول، قلصت العلاقات الإجتماعية الحقيقية و قللت اللقاءات الحميمية الواقعية التى تجمع الأقارب و الأصدقاء “اللقاءات المباشرة”، و تم الإكتفاء بمحادثات تكنولوجية سريعة، خالية من المشاعر الإنسانية و اللقاءات الإجتماعية الموروثة.
فاللقاءات و الزيارات و التجمعات الإنسانية المباشرة بناء بشري موروث راسخ و عميق يجب أن لا تذروه أعاصير الحياة الحديثة لتقضي على حلاوته الإنسانية التى تزيد الروابط و العلاقات المباشرة.
أضحت شبكات التواصل الإجتماعي وسيلة للهروب من الواقع و مشاكله لبناء صداقات إفتراضية حقيقية و منها المزيف و المخادع في بعض الأحيان، هروب من مواجهة الواقع إلى فضاء إفتراضي يسرق الوقت لساعات طويلة لجثة هامدة لا يتحرك فيها إلا الأنامل لتقليب الصفحات و كتابة التعليقات و الرسائل.
الإبحار التام في مواقع التواصل الإلكترونية عبر الهواتف الذكية المحمولة في كل مكان حتى في مخادع النوم الخاصة أدت إلى كوارث إنسانية بشعة و خاصة ما يسمي “الحُب الإلكتروني” غير الواقعي، الممتلئ صور ملائكية عبر الكتابة الرومانسية التى تجذب الطرفين البعيدين عن المشاهدة المباشرة. يهرب المتحادثين عبر الفضاء من خلال غرف الدردشة عن واقعهم الإجتماعي و المعيشي نحو الفضفضة و العلاقات الممتلئة خديعة في بعض الأحيان مما أضعف البناء الأسري الإيجابي، و أدي إلى زعزعة عملية التفاعل الأسري، الذي أدي إلى عزلة و إنطواء البناء الأسري، فتقلصت جلسات العائلة المشتركة الإنسانية حول التلفاز و مائدة الطعام، و تقلصت جلسات الحوار و السمر الليلية التى تحمل نقاشات عدة و لا تخلو من الترفيه و الضحكات.
الهواتف الذكية قضت على جو الألفة العائلي، فقد تجتمع العائلة تحت سقف واحد، و لكن في بيئة عائلية منفصلة، فكل أفراد العائلة كباراً و صغاراً يحملون هواتفهم و كل منهم ينزوي على ذاته في عالمه الإفتراضي الذي أدمن.
تحولت لغة الخطابة بين الناس من اللسان إلى الأصابع، فتغير نمط الحياة و التعامل، بيوت أصبحت صامتة إلا من إيماءات الوجه المنكبة على شاشة الهاتف المحمول، أفرد بشريين تتحرك أناملهم لا ألسنتهم.
إدمان مواقع التواصل الإلكتروني أوجدت شرخاً أسرياً داخل المجتمع، كشفت أسرار الحياة الشخصية و العلاقات الحميمية. أصبح الهروب للعالم الإفتراضي للبوح بالمشاكل الخاصة عادة أمام العامة و الغرباء نتيجة الإنفتاح الشديد نحو وسائل التواصل، مما جعل الرذيلة أسهل و الخيانة أسرع، و أوقع الكثير من البيوت في حالات الشك و الريبة وصولاً للطلاق و تدمير بناء الأسرة.
إدمان أحد الأزواج على الأنترنت يُسهم في إهمال واجباته الأسرية، و زيادة الفجوة الرومانسية و الإنسانية مما يؤثر بالسلب على الحياة الهانئة. أصبحت الحياة الزوجية باردة حينما يحتضن كل من الزوجين هواتفهم الذكية على سريرهما و كلٍ منهم في عالمه الخاص، يحتضن هاتفه بشغف و هو يتابع مواقع التواصل بدلأ من إحتضان شريكه.
مواقع الدردشة فرصة سانحة للهروب من الواقع الممتلئ فراغاً عاطفياً و جنسياً و إقتصادياً إلي علاقات وهمية غير حقيقية، يؤدي إلى طلاق نفسي و جسدي بين الأزواج قبل أن يقع الطلاق الشرعي. الفضفضة الإلكترونية منتشرة داخل أروقة مواقع التواصل الإجتماعي بشكل لا ضوابط له، تبدأ الدردشة بتعارف، ففضفضة، و تنتهي بتنهيدة و تعلق، و من ثم غزل و رومانسية إلكترونية بلا إحساس حقيقي. الهروب من الواقع إلى العالم الإفتراضي لسد نواقص الرومانسية و إنعدام الإستقرار الإجتماعي و الإقتصادي هي وسيلة غير مجدية و غير واقعية لحل المشاكل الشخصية، فلربما الصديق الأفتراضي البعيد هو من معجبي التسلية لتحقيق الإشباع لحاجته الغريزية و النفسية المكبوتة و لذلك الأغلب يلجأون لأسماء و عنواوين وهمية.
الإفراط في التعامل مع وسائل التواصل الإجتماعي فايروس معدي للهروب من المشاكل الحياتية و الأسرية، يجب أن يجابه بالحكمة و القناعة و التربية السليمة لتجنب كوارث و مصائب إجتماعية لا حصر لها.
و برغم الجوانب السلبية لمواقع التواصل الإجتماعي غير المقننة، إلا أن ثورة الأنترنت و التواصل الإجتماعي فعلت طفرة هائلة في التواصل غير المسبوق متخطية الزمان و المكان.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق