أقلام واراءزوايا

في هوامش المناورة بقلم :حسين حجازي


قال لينين ذات مرة: إن الناس زمن الحرب يتعلمون أضعاف أضعاف ما يتعلمونه زمن السلم. ولكن حين تراهم في زمن مركب يجمع بين الحرب والسلم في وقت واحد، أو زمن لا هو حربي تماماً ولا سلمي تماماً أو خالصاً، ماذا يمكن أن يتعلموا أو يعرفوا؟
وفيما يلي دروس أو نماذج بدت صارخة في سياق هذه التجربة التي شهدناها في غضون الأيام والأسابيع الماضية حول العالم، والتي يمكن أن تعد بمثابة تمارين حية وراهنة تجسد هذه القدرات اللامحدودة لما يتمتع به السياسيون والقادة من دهاء ومكر في فنون المناورة السياسية:

• أردوغان: فن المداراة العثمانية بروح عصرية.
لم يشأ الساسة الأتراك، الذين حكم أسلافهم في الماضي القريب العالم لمدة أربعة قرون، الظهور مباشرة في صدام مع المملكة العربية السعودية، رغم التوتر والمنافسة المشتركة بين الطرفين. وذلك على خلفية ما بدا واضحاً محاولة لتركيا باستغلال قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في إسطنبول.
إن ما يسمى الدهاء الشرقي القديم الذي ميّز مناورات سلاطين بني عثمان سوف يعاود الظهور مجدداً في الطريقة التي تفاجئ العالم، في غضون هذه الحملة التي أدارها الأتراك بهدف تضييق الخناق على الشخصية المركزية في العائلة السعودية الحاكمة، أي الأمير محمد بن سلمان ولي العهد. وكانت الطريقة المبتكرة تتبع أسلوب التسريبات إلى الصحافة ووسائل الإعلام بصورة ممنهجة كل مرة، فيما يشبه عرضاً درامياً مثيراً من خلال نشر التفاصيل والأجزاء أو المشاهد التي تلقى على الجمهور العالمي مرة بعد مرة، بحيث تؤدي هذه الحقن، التي تشبه التقطير جرعة وراء جرعة، إلى إذكاء وتصعيد الرأي العام العالمي للتنديد بما حدث، وبالتالي وضع السعودية أو حشرها بالزاوية في مواجهة الرأي العام العالمي وليس تركيا وحدها في الواجهة. وكل ذلك من دون أن تكشف المخابرات التركية عن مصادرها في كيفية حصولهم على أشرطة التسجيل لوقائع ما جرى خلال عملية القتل البشعة والمريعة للصحافي السعودي.
ودلالة ما جرى أن الدولتين اللتين تمثلان إلى جانب مصر المثلث الإسلامي السني الكبير والوازن، تفشلان في إحداث هذا التحالف أو التوافق الإقليمي بينهم، بينما يحدث هذا التوافق غير المباشر، العلني أو المستتر، في التحالف أو اللقاء مع الطرفين الآخرين في الإقليم الأشد عداوة بينهما أي مع إيران وإسرائيل. إسرائيل التي تحاول إدخال نفسها عنوة بوصفها حليف العرب السنة ضد إيران وتركيا على حد سواء.
• دونالد ترامب الذي حاول أن يكحّلها فعماها:
ولما بلغت الضغوط على دونالد ترامب أشدها ولم يعد أمامه مفر من تحديد موقفه بشكل قاطع، ضغوط غير مسبوقة انهالت عليه دفعة واحدة من وكالة المخابرات المركزية، التي أحرجته ومجلسي الشيوخ والتواب معاً والصحافة الأميركية ووسائل الإعلام، فقد قرر أخيراً استبدال الحديث أو الكلام الشفهي والمباشر ببيان مكتوب لئلا يكون مضطراً أمام الصحافيين لدحرجته في الكلام الذي لا يريد أن يقوله، وكانت الجملة مصاغة بعناية وهي على النحو التالي: “من المرجح جداً أو المحتمل أنه كان يعلم ولكن ربما لم يكن يعلم” والمقصود بذلك ولي العهد السعودي.
لقد أعلن بوضوح أن ما يهمه هي مصالح أميركا المادية أي المال والمال فقط أولاً، وأنه لا يمكنه التفريط تحت أي ظرف من الظروف بالعلاقة الإستراتيجية والمفيدة مع السعودية. ولكن لما هبوا عليه ثانية تنديداً لتنكره للقيم الأميركية والمبادئ، كما قالوا وبيعه لهذه القيم مقابل المال، ولم يعد يستطيع احتمال كل هذا الضغط، قرر أن يقول هذه المرة القول الذي ينطبق عليه المثل الشعبي جاء ليكحّلها فعماها، حين ألحق الأذى والضرر بسمعة السعودية أولاً حين لم يجد تبريراً لموقفه سوى أن السعودية تمثل فائدة كبرى لإسرائيل، ولولا السعودية لكانت إسرائيل في مأزق. ثم تساءل: “هل تريدون أن ترحل إسرائيل؟”. وكرر هذا السؤال الاستنكاري مرتين: “هل تريدون أن ترحل إسرائيل؟”.
وصحيح أن نتنياهو وسفيره في واشنطن تبرعوا دون أن يطلب منهم أحد للدفاع عن ولي العهد السعودي لحمايته من جانب ترامب، إزاء الحملة التي تطالب بإزاحته أو اتهامه بدم خاشقجي، بدعوى أن ذلك قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، لكن الواقع أن الملك سلمان الذي ظهر الأسبوع الماضي وألقى خطاباً أمام مجلس الشورى أكد بوضوح “أن قضية فلسطين هي القضية الأولى للسعودية والتي لا يمكن التفريط بها”.
وإذاً أي معنى أو دلالة لخطة ترامب المسماة صفقة القرن في هذا الإطار، غير أن دلالتها أو مغزاها يتجاوز فعلياً السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين وحل القضية الفلسطينية، وإنما رؤية إستراتيجية تشمل ما هو أبعد من الفلسطينيين والإسرائيليين، تهدف إلى إعادة بناء وتشكيل ما سمي مراراً الشرق الأوسط الجديد، والذي تكون إسرائيل كما طرح هذه الرؤية مبكراً شمعون بيريس، غداة عقد اتفاقية أوسلو، محور ومركز هذا الشرق الأوسط، عبر ما يسمى الآن التحالف الإسرائيلي العربي السني في مواجهة إيران.
• بنيامين نتنياهو: حرب مع غزة زائدة أم حرب لم تستكمل مع إيران؟
ليس ثمة شك أنه في غضون هذه الدراما الأخيرة التي عاشتها إسرائيل، أظهر نتنياهو موهبته السياسية البارعة كمناور حاذق يعرف كيف يخرج من مثل هذه الأزمات أو التحديات، وقد يكون الرجل ترك لنا أن نخمن ما الذي يقصده أو يدور في تفكيره، قبل أن يصبح واضحاً في اليوم التالي، حين سحب نفتالي بينيت تهديداته. وإن هذا الخطاب الذي ألقاه، مساء يوم الإثنين الماضي، كان المقصود به إحراج هذا الشريك اليميني المتطرف والهزء بمحاولته الخروج من السفينة، وهو ما اعترف به بينيت لاحقاً بأنه خسر أمام نتنياهو.
وكنا قد لاحظنا، السبت الماضي، لماذا لا توجد إسرائيل أمام قرار مثل هذا بالحرب على غزة، قبل أن يلاحظ أحد المحللين الإسرائيليين بعد ذلك أن قرار نتنياهو بتجنب الحرب يوم الأحد الماضي، إنما يضعه على نفس الخطى التي سار عليها شارون بالانفصال عام 2005 عن غزة.
وعليه فقد كان واقع الحال أن العملية المعقدة أو الواسعة التي تحدث نتنياهو عن إتمامها هي استكمال إجراءات تثبيت التهدئة. ولكن اليوم قد يكون واضحاً أكثر من أي وقت مضى أن قرار الحرب مع غزة الصغيرة والمحاصرة إنما سوف يقضي على طموحات نتنياهو السياسية على المستوى الإقليمي وتالياً الدولي، إذا كانت هذه الحرب الفاشلة سلفاً سوف تصغر إسرائيل وتعيد عزلها. كما أن هذه الحرب لا ينطبق عليها الطلب من الإسرائيليين قبول التضحية إلى حد معادلة الحياة والموت أو حتى تهديد وجود إسرائيل.
فهل هي إذاً الحرب في الشمال مع إيران المنقوص استكمالها فعلاً؟ بعد أن تفاخر نتنياهو هو نفسه بإقناع ترامب بالانسحاب من الاتفاق النووي الذي عقده أوباما معها، وإذا كانت هي الحرب الوحيدة التي تمنح إسرائيل رخصة المرور أو القبول الوحيدة للاندماج في هذا التحالف أو الشراكة الإقليمية مع ما يسمى العرب السنة، دون الاضطرار مسبقاً لدفع هذا الثمن من اللحم الحي في تقديم التنازلات الصعبة لحل القضية الفلسطينية.
وإذا كانت حرب كبرى كهذه هي ما يقوي وزن إسرائيل السياسي والمعنوي، ويمنحها القدرة لبيع هذه الحرب للعرب السنة وردّ الجميل لصديقه دونالد ترامب على حد سواء، لمساعدة هذا الأخير بعد سنتين في الانتخابات الرئاسية القادمة لتجديد انتخابه لأربع سنوات أخرى خدمة لإسرائيل.
ولكن هل هذه هي المغامرة التي يفكر بها الرجل رداً على التوازن الشمالي الجديد والتي تقع إيران في محوره ويهدد بخنق إسرائيل وأن مثل هذه المغامرة هي التي يمكن أن تكلف إسرائيل التهديد بوجودها، وفق الخطاب الذي ألقاه أمام الإسرائيليين عن القرارات الصعبة التي اتخذها والتي قد تتعلق بالحياة أو الموت؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق