أقلام واراءزوايا

حرب الذكاء الاصطناعي بقلم: الدكتور حسن أبو طالب

لم يمر سوى يومين على الاتفاق بين الرئيسين الصيني والأمريكي لتطبيق هدنة لمدة 90 يوما تتوقف فيها العقوبات المتبادلة بشأن التجارة بين بلديهما، والتفاوض وصولا إلى تسويات مرضية للطرفين، وإذا بالولايات المتحدة وبالتنسيق مع كندا، حليفها القريب جغرافيا وسياسيا، تفاجئ الصين والعالم معا، وتنجح في توقيف مسئولة كبيرة في شركة هواوي الصينية هي ابنة مؤسس الشركة، بحجة أن هناك تحقيقات أمريكية حول قيام الشركة الصينية باختراق العقوبات الأمريكية على إيران.

الخبر على هذا النحو يبدو شكلا ذا طابع قانوني، أما في العمق فالمسألة أكبر كثيرا من موضوع اختراق العقوبات رغم أهميته من المنظور الأمريكي.

يتضح الموقف أكثر في ضوء السياسة الأمريكية التي أعلن عنها عمليا بشأن هذه الشركة وغيرها من الشركات الصينية المنتجة لسلع اليكترونية واتصالية متفوقة تقنيا، وبعضها يعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي الذي اثبت تفوقا مقارنة بنظيره الأمريكي، وتستهدف السياسة الأمريكية التأثير على قدرة هذه الشركات؛ أولا على اختراق السوق الأمريكية بل ومنعها تماما، وثانياً منع الشركات الصينية من إزاحة الشركات الأمريكية المماثلة من وضعها القيادي أمريكيا وعالميا، وثالثا محاصرة هذه الشركات دوليا من خلال الطلب ممن تعتبرهم الولايات المتحدة حلفاءها بعدم التعامل مع هذه الشركات الصينية بدعوى أنها تتجسس على الأفراد والمؤسسات التي تستخدم منتجاتها الاتصالية سواء هواتف او مقاسم تليفونات أو مودمات او شبكات لتوزيع الانترنت، وهو ما تنفيه الشركة تماما.

حجة التجسس التي استخدمتها الولايات المتحدة وأكدتها أيضا فنلندا ونيوزيلندا وبريطانيا، مردود عليها، فالشركات الأمريكية سواء التي تنتج هواتف محمولة أو تدير شبكات التواصل الاجتماعي كالفيس بوك، أو التي تقدم خدمة محركات البحث كجوجل وإيدج التابعة لميكروسوفت رائدة في هذا المجال، إذ تقوم بجمع بيانات المستخدمين وتحتفظ بها وتعيد بيعها إلى شركات أخرى لاستخدامها في أغراض تجارية وغير تجارية، وفي ذلك انتهاك للخصوصية واستغلال لبيانات الأفراد عبر العالم كله، وهناك أغراض أخرى سرية إذ تقدم هذه الشركات بيانات الأفراد للحكومة الامريكية وأجهزتها الاستخباراتية بحجة مواجهة التطرف وجماعات الإرهاب وغير ذلك من المبررات.

والعديد من الشركات الصينية المنتجة للهواتف الذكية باتت تفعل الأمر ذاته، كما تفعل كبرى الشركات الكورية، والتي لم توجه إليها الولايات المتحدة اي انتقاد ولا تسعى لمحاصرة أي منها باعتبار أنها شركات تابعة لدول حليفة على عكس ما يحدث مع نظيراتها الصينية. إن اي مراجعة تقنية بسيطة لما تحمله الهواتف الذكية الحديثة والمصنعة في خلال الأعوام الثلاثة الماضية وأيا كانت الشركة الصانعة أمريكية أو كورية أو صينية، سيجد أن تطبيقاتها الآن بما فيها التطبيقات الأساسية كالاتصال أو إرسال الرسائل أو الكاميرا لا تعمل إلا بعد الحصول على إذن من المستخدم بالولوج إلى كل بياناته المحملة على هذا الهاتف، ولا توجد سوى عبارات عامة وغامضة بشأن الحفاظ على سرية هذه البيانات، ولا يوجد أي توضيح عن الطريقة التي تستفيد بها الشركة من هذه البيانات ذات الطابع الشخصي. وحين يرفض المستخدم إعطاء الإذن يتوقف التطبيق عن العمل، وغالبا ما يوافق المستخدم على سرقة بياناته فقط لأنه يريد العمل بالتطبيق وتشغيل الهاتف الذي دفع فيه عدة آلاف من الجنيهات.فالجميع يتجسس والجميع ينتهك الخصوصية والجميع يجمع البيانات والمعلومات وأصحابها لا يدركون ما وراء ذلك.

لكن الحكومات تدرك الأمر على نحو شامل، وهو ما يجعل الولايات المتحدة وحلفاءها حريصين على استبعاد شركات الدولة المنافسة لهم بقوة، في حالتنا الراهنة هي الصين، من الحصول على أي بيانات تخص الأمريكيين كأفراد أو شركات أو مؤسسات، فمثل هذه البيانات هي الأساس الذي يبنى عليها ما يعرف بالذكاء الاصطناعي، أي الأجهزة والمعدات التي تعمل كنظير لما يقوم به البشر استنادا الى برمجتها مسبقا بكم هائل من البيانات المتعلقة بالتصرف البشري وأخذ القرار في مواقف لا نهاية لها، وبسرعة أكبر من سرعة البشر، كما تقوم بمهام خطيرة لا يستطيع العامل البشري القيام بها، وباتت لها استخدامات عسكرية من شأنها أن تؤثر على مفهوم القوة العسكرية وإدارة الحروب، وفي مجالات مدنية وسلمية لا حصر لها.

وفي هذا السياق فقد اثبتت الشركات الصينية قدرة أكبر على الولوج في تطبيقات الذكاء الاصطناعي بمعدلات أسرع مما هو لدى الولايات المتحدة التي ما زالت متفوقة اجمالا، لكن معدلات السرعة في التطبيقات الصينية لا تقرب المسافات وحسب، بل قد تضع الصين في المقام الاول بحلول 2030 . وإذا عدنا إلى الشركة الصينية المستهدفة، سنجد أنها رائدة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي في هواتفها المحمولة وفي أنظمة شبكية حمائية وأنظمة مراقبة بيعت بالفعل إلى عديد من الدول، وليس للولايات المتحدة او الشركات الغربية نظير لها، وفي حال وجوده فالمنتج الصيني أكثر تفوقا.

وبمنظور المنافسة وشروط استمرار القيادة للعالم، وهو ما تعمل على هديه الولايات المتحدة ويمثل مركز السياسة الأمريكية عموما، فمن الطبيعي أن تركز جهودها على إحباط المخططات الصينية في التفوق التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، وأن تعمل بكل قوتها على تدمير وتخريب الشركات الصينية، وأن تحاصرها وأن تطردها من السوق الأمريكية، وأن تفرض عليها عقوبات مالية باهظة تؤثر على اقتصادياتها، وأن تقيد حركتها دوليا، وأن تشن عليها حربا دعائية سوداء.

وهي أمور تناهض مبادئ التجارة الحرة والمنافسة الشريفة، ولكنها من وجهة النظر الأمريكية مشروعة لأنها حرب وصراع وجود ولكن من منظور تكنولوجي بحت.

لكن في المقابل فإن الشركات الصينية أو الروسية، لاسيما في صناعة السلاح المتقدم، لن تعدم وسائل الالتفاف على هذا النهج الأمريكي غير الشريف، وسوف تظل حريصة على المزيد من تطوير قدراتها وإبداع المزيد من التقنيات والتطبيقات والمنتجات التي يقبل عليها المستهلكون في كل الأسواق العالمية بما فيها أسواق حلفاء واشنطن ذاتها.

وكلما ركز الأمريكيون على عقاب الآخرين دون التركيز على مزيد من الإبداع ومزيد من التطور التقني التقليدي وفي الذكاء الاصطناعي، فلن يتحقق الانتصار المزعوم.

… عن «الاهرام» المصرية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى