أقلام واراءزوايا

هدير صوت الصمت بقلم: مروان المعشر


للصوت في بلادي درجات متفاوتة من النبرة والتأثير، ولا يعني ارتفاع النبرة في بلادي ازدياد حجم التأثير بالضرورة، بل إن العكس يكاد يكون صحيحا، إذ إن أكثر الأصوات تأثيرا في بلادي هو الصوت الذي لا نسمعه أو نراه، هو الصوت الذي لا يمكن مناقشته ووضع الحجة لتقارع الحجة. إنه الصوت الذي لا يجيد أو يرغب المناقشة. إنه صوت الصمت. 
لا يخفى على أحد ما تمر به البلاد من أزمة اقتصادية وسياسية، وشعور الناس بالإحباط الشديد، ليس بسبب نتائج هذه الأزمة على حياتهم اليومية الآنية فحسب، ولكن أيضا بسبب إسقاط الواقع الحالي على المستقبل والقلق من القادم.
هذه الأصوات ليست عدمية كما يحلو للبعض وصفها، فلا يعقل أن يتم اتهام المجتمع بأكمله بذلك. واقع الحال إنه ما من جلسة اجتماعية تتم اليوم إلا ويطرح موضوع القلق من الحاضر والمستقبل بقوة، ومن الجميع. 
تفوح من هذه الأصوات المتعددة والمتباينة رائحة حب حقيقي للوطن، وخوف عليه، ورغبة في المساهمة في تقويته والعمل لمستقبل أفضل، ويجمعها في نفس الوقت شعور بالإحباط أن أصوات المجتمع مهما تفاوتت نبراتها لا تكاد تسمع، أو أن سماعها لا يترجم إلى إشراكها فعليا في عمل وطني للخروج من الأزمة. 
نسمع هدير أصوات الحراكيين العالية، المحبطين من هموم اقتصادية وسياسية ومعيشية، يبحثون عن تأطير لهمومهم وينشدون أشخاصا ومؤسسات لها مصداقية للتحاور معهم فلا يجدون، فقد أتقنا تقزيم الشخصيات وشيطنة الأفراد، فيزداد إحباطهم وهم يرون أصواتهم تذهب سدى ولا يتم تحويلها لقنوات تنفس الاحتقان وتعمل بمؤسسية لحل مشاكلهم. 
نسمع نوعا آخر من الأصوات، نبرتها خافتة تتنقل في مختلف المجالس وبينها، من أطياف مختلفة في المجتمع، تلمس أن هناك خللا في طريقة إدارة الدولة لمواردها ومؤسساتها.
هذه الأصوات لا تنم ثناياها عن نميمة أو جلد للذات، بقدر ما تحمل بين طياتها قلقا على المستقبل وإحباطا من غياب قنوات تضمن التواصل مع صانعي القرار وتحمل لهم مقترحات لحل الأزمة. لا تكاد تعقد جلسة واحدة هذه الأيام لا يتم فيها طرح السؤال “لوين رايحين؟”. وبالرغم هدوء وخفوت نبرة هذه الأصوات مقارنة بأصوات الحراكيين، فهي الأخرى لا تسمع. آذان البعض لا تحتمل إلا الإطراء. 
ثم هناك صوت الصمت. لهذا الصوت تأثير كبير بالرغم من كونه مكتوما تماما.
لهذا الصوت رأي في طريقة إدارة البلاد، لكن لا أحد يسمع هذا الرأي جهرا، وبالتالي يجد الناس صعوبة في مناقشة هذا الصوت وتقديم آراء بديلة وصولا لحلول تشاركية يتم من خلالها معالجة التحديات بالمنطق والأرقام والخطط، وليس بمنطق الاستعلاء. لا يمتلك هذا الصوت عنوانا حتى نستطيع الوصول إليه، فنجهد في الحديث مع عناوين أخرى لا تملك القرار، وتضيع أصواتنا هباء منثورا. 
صوت الصمت له مفاهيمه الخاصة بالوطنية، يمنحها لمن يتفق معه في الرأي ويحجبها عن البقية من هذا الشعب. نرى المعارضة والحكومة في بلاد أخرى تتصارع فكريا وسياسيا كل يوم دون اتهامات الخيانة وعدم الولاء وتنفيذ أجندات خارجية.

حين تترسخ التعددية، وتكون حلبة النقاش واضحة وعلنية، يسهل تبادل الآراء بل يقود للأفضل، أما النقاش مع المجهول فصعب وغير متكافئ ولا يؤدي لنتيجة. 
أصوات عديدة في بلادي ما تزال تبحث عن آذان صاغية، ويبقى صوت الصمت أعلى منها جميعا. صوت الصمت لا يتفوه بكلمة، ولا يحتاج لآذان. لكن هل يملك الحل؟

…عن “الغد” الأردنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى