أقلام واراءزوايا

حصاد الفشل في جولة بومبيو بقلم: الدكتور محمد السعيد إدريس


كان من المفترض أن تؤدي جولة كل من جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي، ومايك بومبيو ،وزير الخارجية، إلى معالجة تداعيات قرار الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بالانسحاب من سوريا، وهو القرار الذي أثار العشرات من علامات الاستفهام حول ما يريده الرئيس الأمريكي من هذا القرار، ليس فقط خارج الولايات المتحدة وبالذات في الشرق الأوسط وبالتحديد لدى حلفاء وأعداء واشنطن، كل من منظور مصالحه، بل أثار أيضاً علامات استفهام داخل الولايات المتحدة في مؤسسات الدولة الأمريكية وبالتحديد في الكونجرس ووزارة الدفاع «البنتاجون»، لكن على العكس فاقمت هاتان الجولتان من غموض تلك الاستفسارات.

في مقدمة علامات الاستفهام تلك كان السؤال: هل قرار الرئيس الأمريكي يعبر عن «مزاجية سياسية»، أو «جنوح سياسي» من الرئيس الذي اعتاد أن يتخذ العشرات من القرارات الجانحة أم أنه وليد فكر إستراتيجي له خلفياته، أو بوضوح أكثر أن هذا القرار تعبير عن مشروع سياسي للرئيس الأمريكي وله من يؤيدونه.

السؤال الثاني الذي لا يقل أهمية كان : كيف ستحل واشنطن تناقضات المصالح بين حلفائها التي تفجرت بسبب قرار الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا؟

الاستفهام الأول وجد من يبرره بالقول إن الرئيس الأمريكي له مشروعه السياسي الذي لا ينسجم مع المؤسسة الأمريكية التقليدية الحاكمة، هذا المشروع يعبر عن كتلة جماهيرية أمريكية واسعة لم تعد ترى أولوية أو ضرورة للتورط في حروب خارجية دفاعاً عن شعوب أخرى تكلفها مئات المليارات من الدولارات يجب إنفاقها في الداخل الأمريكي والأهم من الأموال العسكريون الأمريكيون أنفسهم. فهذه الكتلة الشعبية الأمريكية باتت ترفض إرسال أبنائها ليموتوا خارج بلدهم دفاعاً عن شعوب أخرى.

لم يعد مقبولاً أمريكياً إرسال قوات أمريكية تقاتل في دول عربية أو غير عربية. من هنا كانت دعوة ترامب للدول العربية: «من يريد من أمريكا أن تدافع عنه عليه أن يدفع ثمن حمايته»، ولكن يبدو أنه تراجع عن هذا الشعار ولم يعد مستعداً لإرسال قوات أمريكية لتقاتل فى الخارج حتى ولو كانت مدفوعة الثمن مقدماً. تنفيذ هذا القرار ليس سهلاً فهو يعبر عن انسحاب إستراتيجي أمريكي وانكماش في السياسة الخارجية وتراجع عن الالتزام وهذا ما يرفضه الكونجرس وترفضه وزارة الدفاع وكبار الجنرالات فهم يعتقدون أن أثمانه فادحة على الأمن القومي والمصالح الأمريكية العليا، وربما يكون الصراع حول هذه السياسة الانكماشية الجديدة هو أبرز معارك ترامب في معركة تجديد ولايته رئيساً للولايات المتحدة عام 2020، لكن تبقى الورطة الأهم وهم الحلفاء في الشرق الأوسط، ولذلك جاء بولتون لهدفين: طمأنة إسرائيل من جدية الالتزامات الأمريكية بالدفاع عنها في ظل قرار الانسحاب العسكري الأمريكي، وحل أزمة صدام المصالح بين الحليفين التركي والكردي في شمال سوريا.

أما وزير الخارجية مايك بومبيو فجاء ليؤسس تحالفاً إستراتيجياً إقليمياً تقوده أمريكا تحت اسم «الناتو العربي «يضم الدول التي زارها فى جولته (دول مجلس التعاون الخليجي + مصر والأردن) وربما العراق مستقبلاً التي يبدو أنها ستكون أصعب بؤر المواجهة مع إيران. الهدف المعلن لهذا الملف هو مواجهة إيران. فقد صرح بومبيو أكثر من مرة أن «الولايات المتحدة تضاعف جهودها للضغط على إيران وتسعى لإقناع حلفائها في المنطقة بأنها ملتزمة بمحاربة (داعش) على الرغم من قرار ترامب سحب قواته من سوريا».

تصريحات بومبيو كانت محاولة لإقناع الدول العربية التي زارها بأن الولايات المتحدة لن تتخلى عنها، ولن تنسحب من المنطقة، ولن تتوقف عن القتال ضد «داعش» والهدف هو إقناع هذه الدول بالدخول في عضوية الحلف الذي تريده الولايات المتحدة وإسرائيل لمواجهة إيران.

بومبيو جاء إلى المنطقة وهو يدرك أن الانسحاب الأمريكي والقرار الذي يعبر اتخذه الرئيس ترامب قرار لا رجعية فيه، لأنه يعبر عن مشروع سياسي- اقتصادي داخلي، وسيكون على رأس أولويات حملة ترامب الانتخابية القادمة.

وجاء أيضاً وهو يدرك تداعى ثقة الدول العربية الصديقة فى الالتزامات الأمريكية، بالدفاع عنها وتوفير الحماية لها، وبدلاً من أن يقدم مشروعاً سياسياً يرضي الدول العربية سواء من منظور الأمن أو من منظور الحل العادل للقضية الفلسطينية، جاء ليطالب الدول العربية أن تشارك واشنطن في الدفاع عن إسرائيل ضد إيران.

تصريحات بومبيو خلال جولته في المنطقة، ووعوده لرئيس الحكومة الإسرائيلية خلال لقائهما في البرازيل ضمن حفل تنصيب الرئيس البرازيلي الجديد الذي ينوي نقل سفارة بلاده إلى القدس، وأيضاً تصريحات بنيامين نيتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية تؤكد أن اقتراح الحلف الجديد يأتي ضمن بنود «مشروع السلام الإسرائيلي»، سواء في بُعده الإقليمي من خلال تجييش الدول العربية الصديقة لمشاركة إسرائيل في المواجهة ضد إيران، أي تتولى الدول العربية مهمة الدفاع عن إسرائيل ضد إيران، كما أنه يأتي ضمن التمرير الصامت لمشروع «صفقة القرن» الأمريكية التي هدفها التصفية النهائية للقضية الفلسطينية بقبول عربي ما يعني أن مقترح الحلف سيكون أيضاً قوة داعمة لـ «خريطة الطريق» التي باتت مفروضة كأمر واقع على الأرض دون إعلان سياسي أو إعلامي من خلال الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها، ومن خلال التآمر على «حق عودة اللاجئين» ومن خلال الاعتراف ودعم سياسة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي.

بومبيو لم يكمل جولته، ولم يزر الكويت ضمن هذه الجولة، وعاد إلى بلاده تحت زعم «المشاركة في جنازة».

عاد بومبيو إلى واشنطن وهو يحمل معه الكثير من الخيبة ومؤشرات الفشل في مهمته التي جاء من أجلها فالتشكك ما زال قائماً والأولويات باتت متباعدة.

يحدث هذا في الوقت الذي ذهب فيه محمد جواد ظريف وزير الخارجية الإيراني إلى العراق ليؤكد من هناك أن طهران تستعد للمواجهة مع الأمريكيين من خلال الدفاع عن قلاعها الإقليمية الحصينة خاصة العراق، ما يعنى أن المنطقة مقبلة على مواجهات ساخنة، أسوأ ما فيها كل هذا القصور العربي عن البوح بما يجب أن يكون بدليل الإفشال العربي المتعمد للقمة الاقتصادية العربية التي عُقدت في بيروت أمس الأول الأحد، إفشال غير مقبوض الثمن، فهي وقت يتبارى فيه الآخرون على قبض الأثمان.

عن ” الأهرام ” المصرية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى