ثقافة وادبزوايا

رحلة معرض القاهرة الدولي للكتاب عبر نصف قرن نجلاء فتحي


كانت فكرة معرض القاهرة الدولي للكتاب اقتراحاً من الفنان عبد السلام الشريف، طرحه على الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة آنذاك، الذي أرسله بدوره إلى المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر (هيئة الكتاب حالياً)، وكانت ترأسها الدكتورة سهير القلماوي، فأرسلت المؤسسة مستشارها إسلام شلبي، إلى سوق الكتاب الدولي في “ليبزج”، للتمهيد لإقامة معرض شبيه على النطاق العربي ليربطها بحركة نشر الكتاب دولياً، وأثمرت الدراسة النواة الأولى لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي أصبحت فكرته واقعاً في مستهل العام 1969، على أرض المعارض بالجزيرة، وأقيم معرض “القاهرة الدولي الأول للكتاب” في الفترة من 22 كانون الثاني (يناير) حتى الثلاثين من الشهر ذاته العام 1969، كتقليد جديد للاحتفال بالعيد الألفي لمدينة القاهرة، تحت إشراف المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، برئاسة القلماوي، التي صرحت آنذاك أن: الهدف من المعرض إتاحة الفرصة للناشرين والعاملين في أخطر ميادين الحضارة الحديثة، وأن يلتقوا ويتدارسوا أمر الكتاب وقارئه، وافتتحه الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة المصري وقتها، لذا وقع عليهما الاختيار كشخصيتي المعرض في يوبيله الذهبي (الدورة الجارية).
وشارك في المعرض الأول 462 ناشر من 30 دولة، منها، لبنان، وسورية، والكويت، ويوغسلافيا، وتونس، وليبيا، والجزائر، والجامعة العربية التي تحل ضيف شرف على الدورة الحالية، وبولندا، والاتحاد السوفييتي، وإسبانيا، وألمانيا، ورومانيا، وفرنسا، واليونان، والفاتيكان، وإيطاليا، والمجر، وكوريا، وثلاثة ناشرين من الولايات المتحدة، واثنا عشر من المملكة المتحدة.

محطات في عمر المعرض
انطلق معرض القاهرة الدولي للكتاب في العام التالي في دورته الثانية، بمزيد من الجهد والعمل، فازداد تألقاً وتوهجاً، عاماً تلو الآخر، ولم يكتف القائمون عليه بحركة البيع والشراء فقط، لكن أصبح هناك ندوات مسائية لأول مرة في المعرض الرابع، وشهد مناقشات حول قضايا الكتاب والنشر، وفي المعرض السادس العام 1974، تم تخصيص “سراي” كاملة لعرض أحدث إصدارات دور النشر المختلفة محلياً ودولياً.
وكان المعرض السابع، مقراً لمنح جائزة دولية من “اليونسكو” لأفضل ناشر، تقديراً لمكانة مصر في إثراء الفكر والثقافة، وفي المعرض السادس عشر العام 1984، وانتقل معرض القاهرة الدولي للكتاب إلى أرض المعارض بمدينة نصر، ليتحول إلى عرس ثقافي حقيقي، تقام خلاله اللقاءات الفكرية والمناظرات، مع كبار الأدباء والفنانين والمفكرين من مصر والوطن العربي والعالم كله، لإقامة صلة مباشرة بين الكاتب والقارئ، خاصة في عهد الدكتور سمير سرحان، حيث أصبحت الاحتفاليات الثقافية والفنية، جزءاً لا يتجزأ من معرض الكتاب، بحيث يستطيع زائر المعرض، قضاء يوم ثقافي متكامل، وفي العام 1986، صار هناك تقليد جديد بأن يفتتح المعرض رئيس الجمهورية، وافتتح الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك المعرض الثامن عشر، وحتى قيام ثورة يناير في العام 2011، حيث تم إلغاء المعرض في ذاك العام.
والتقى الدكتور صابر عرب رئيس هيئة الكتاب المصرية وقتها، بالوفد الصيني، حيث كان مقرراً أن تكون الصين ضيف شرف تلك الدورة “الثانية والأربعين”، قبل أن يعود معرض القاهرة الدولي للكتاب لانعقاده، في العام التالي 2012، حيث أصر الدكتور أحمد مجاهد رئيس هيئة الكتاب وقتها، على إقامته رغم الظروف الأمنية، وكانت تونس ضيف الشرف.
وفي العام 2006، كان الدكتور ناصر الأنصاري، رئيس هيئة الكتاب وقتها، أول من فكر في اختيار دولة لتكون ضيف شرف للمعرض، وكانت ألمانيا أول دولة ضيف شرف، وفي السنوات التالية حلت إيطاليا، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة المتحدة، وروسيا الاتحادية، والصين، وتونس، وليبيا، والكويت، والمملكة العربية السعودية، والبحرين، والمغرب، والجزائر، وهذا العام في اليوبيل الذهبي جامعة الدول العربية هي ضيف شرف المعرض.
وفي عهد الدكتور ناصر الأنصاري أيضًا، وفي العام 2007 اختط سُنّة جديدة، وهي اختيار شخصية المعرض، والشخصيات التي تم اختيارها على مدار السنوات هي: نجيب محفوظ، وسهير القلماوي، وطه حسين، والشيخ محمد عبده، وجمال الغيطاني، وصلاح عبد الصبور، وعبد الرحمن الشرقاوي. وفى العام 2017، مع دورة المعرض “الثامنة والأربعين”، بدأ الدكتور هيثم الحاج علي، باستقطاب الشباب للتطوع بالعمل في المعرض، ونمت الفكرة في العام الماضي، وزاد عدد المتطوعين إلى 1200 شاب وفتاة من كلية الآداب في جامعة عين شمس.

شعارات ومحاور رئيسية
وهكذا أصبح المعرض، من أهم الفعاليات الثقافية ليس في مصر وحدها، بل في الشرق الأوسط وأفريقيا، وبات لكل دورة شعارها، الذي يواكب حدثًا أو يؤصل تاريخًا، ومن تلك الشعارات والمحاور الرئيسية التي قامت عليها دورات المعرض، على سبيل المثال لا الحصر، “حوار لا صدام”، و”الثقافة والتجديد”، و”الشباب وثقافة المستقبل”، و”الثقافة والمواجهة”، و”القوى الناعمة..كيف؟”.
النشاط الثقافي بمعرض الكتاب
وانتبه القائمون على معرض القاهرة الدولي للكتاب، عبر سنواته الخمسين، إلى العوامل المساعدة كي يظهر المعرض بالصورة اللائقة، وبالطبع هذه العوامل كثيرة ومتعددة، وإن كانت الندوات الثقافية، إحدى أهم هذه العوامل، بما تقدمه من احتكاك مباشر وفعال بين جمهور المعرض والقائمين على المنتج الثقافي، أيّاً كان، فتستطيع أن تحاور كاتباً فيما كتب، أو ناشراً فيما نشر، حيث استضاف المعرض على مدار سنواته، العديد من المفكرين والوزراء والعلماء والسياسيين والفنانين والأدباء والشعراء، من مصر ودول العالم، للمشاركة بالنشاط الثقافي للمعرض، ما بين ندوات ولقاءات فكرية مع جمهور المعرض، فكان النشاط الثقافي للمعرض، يتسع عامًا بعد عام، حتى وصل إلى سبعة عشر نشاطًا في العام الماضي.
ومن عمالقة الفكر والأدب الذين شاركوا في تلك الأنشطة على مدار سنواته: يحيى حقي، وتوفيق الحكيم، وأديب نوبل نجيب محفوظ، والمفكر زكي نجيب محمود، والشاعر نزار قباني، والشاعر محمود درويش، والمفكر فرج فودة، والمخرج يوسف شاهين، والشاعر أدونيس، والأديب التركي أورهان باموق، والدكتور أحمد زويل، والمفكر الفرنسي روجيه جارودي، وأنيس منصور، والفكر المغربي محمد أركون، والدكتور هاني عازر، والعديد غيرهم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق