ثقافة وادبزوايا

صـفـقــة مـحـمـود درويـش الأخــيـــرة

الايام – فادي جودة احفظ هذه الأبيات ولك هذه القروش، قال لي خالي وأنا لم أبلغ الخامسة بعد في شقتنا بعمارة «المفتي» في بنغازي. حفظتها وبالقروش اشتريت العدد الجديد من مجلة العملاق المصورة من الدكان على باب العمارة. ثلاثون عاماً مرت. كنت أقلب صفحات المجلد الأول لأعمال محمود درويش، ذاك الكتاب البنفسجي، حين التقيت بهذه الأبيات، التي فور قراءتي لها أكملتها عن ظهر قلب. صدى لم يصدأ، ولم أكن واعياً أني أحفظها قبل ذاك اليوم:
هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي
هذا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب إلى الحبيب
إلا شهيداً أو شريداً
كما تخون الذاكرة تخان، لا أستطيع الجزم بأن الأبيات التي حفظتها طفلاً في بنغازي، هي هذه الأبيات، وليس غيرها من شعر درويش. لا أستطيع التأكيد أن زوجتي «هناء السهلي» لم تكن من صوّبني إلى «طوبى لشيءٍ لم يصل». العبارة التي رددتها مراراً في السنين التي سبقت زواجنا. ولكن لا غبار على أن هذه القصيدة التي صادف نشرها اغتيال الثلاثي الفلسطيني في بيروت العام 1973، كانت تعيش أصداءها في جونا العائلي، كيف لا وأبو يوسف النجار من أخوال أمي.
ثلاثون عاماً من الصمت والنسيان الضروريين، ثم خمس سنين من الانكباب على شعر درويش، فعشر سنين بعد ذلك منذ رحيله جسداً، ونسيان جديد. هل ما زال درويش فينا حقيقةً، أو عساه يعود الآن إلينا شهيداً (برصاص من؟) أو شريداً (ممن وماذا؟).
ليس هذا الصنف الوحيد من الأعراس الفلسطينية التي لا تنتهي .. نسأل أنفسنا: ما هي فلسطين، ومن هي الفلسطينية (التي تكاد تكون منسيةً ومهمشةً بيننا) التي رسمها محمود درويش؟ وكما قال أنطون شماس: «دوماً سنعرف خارطتين لفلسطين، لن يستطيع السياسيون أن يتنازلوا عنهما: الأولى يحفظها اللاجئون في ذاكرتهم، والثانية يرسمها محمود درويش في شعره».
تحولت فلسطين في شعر محمود درويش مع العقود على رسل تحوّل مفرداته، في البدء كان الصخر والرمل والأزرق، وفي الختام كان زهر اللوز وأثر الفراشة.
فلسطين الثورة والجمال والمحبة، فلسطين الاحتلال والهزيمة واليأس، فلسطين الانتصارات الصغيرة، فلسطين المرأة.. الخ. نتساهل كثيراً في الافتراض أننا ندرك كفاية أو تماماً كل هذه الأعراس الفلسطينية في شعر محمود درويش.. فلسطين الواقع وفلسطين المجاز، فلسطين الشطح والغناء والمنفى، أليس الشطح أيضاً رحيلا؟. فلسطين المتحدث الرسمي باسم حال العصر، عصر الدولة القومية الحديثة، شعاباً وشعوباً. سينقضي هذا الزمن، ويبقى من آثاره ما كتبه محمود درويش عن وهم الحدود والهوية، عن الظلم والظلام والضوء والنور: «صباح الخير يا ماجد، صباح الخير، قم اقرأ سورة العائد وحث السير». باقية هذه الكلمات سماءً وأرضاً، للفلسطيني وغير الفلسطيني، وغير العربي وغير المسلم. كم من أبيات درويش المتناثرة ستعيش على ألسنة متفرقة يرددها الزمان – المكان المستقبلي كما نردد الآن أبياتاً متفرقة لشعراء الماضي البعيد والقريب؟. يسأل درويش ويجيب: ماذا سيبقى من كلام الشاعر العربي؟
هاوية وخيط من دخان. لعله نصف مصيب هنا أو أكثر، ولعل لدى الشاعرة العربية رأياً آخر.
يسأل درويش ويجيب نفسه: «ماذا سيبقى من كلامك أنت؟ نسيان ضروري لذاكرة المكان».
إذا كان شعر درويش بحد ذاته مكاناً وزماناً، فعلينا القيام بالمهمة الصعبة: النسيان الضروري لشعره، لكي نتذكر أفضل ما ينقصنا ونلّم أكثر بما يكملنا.
خلال احدى مكالماتي مع محمود سألته عن مفرداته التي تدل إلى سبيلٍ غامض الوضوح أو واضح الغموض، سألته عن الياسمين والرمّان والغيوم والغزال والبنفسج. قال لي: لكل شاعر معجمه اللغوي الخاص، يحاوره ويطوره.
هناك كتاب لمحمد حمزة غنايم، بعنوان «معجم الموتيفات المركزية في شعر محمود درويش» يفهرس مفردات درويش الشعرية، وهذا بحث ضروري يعكس جدية مؤلفه، ولكن ما ينقصنا الآن هو ما بعد التقفي وما وراء الشرح اللغوي أو السرد الذاتي (الحكواتي) لرواية محمود درويش مع كلماته، نحتاج إلى رسم جديد لقدرة الهوية الفردية الجماعية على الترحال، والمكوث بين ذاكرة ونسيان: طفرة الذات إذ يصيغها الزمان – المكان وتصيغه، كأن الذات طير من طيور الأرخبيل، يروّض المسافات التي روضته.
مثلاً: متى ظهرت المفردات والعبارات الصوفية في شعر درويش؟ قبل قصيدة «الهدهد» أو حينها؟ وماذا حدث لها بعد ذلك وصولاً إلى «ضباب كثيف فوق الجسر»، حيث يتقلب محمود درويش كعبّاد الشمس التي قد تكون آخر المفردات التي أدخلها إلى لغته. أو مفردة «الغريب»: ما هي أبعادها غير العربية، واللاتوراتية؟ متى وصل «غريب» درويش إلى منزلة العشق أو الفلسفة العصرية الحديثة، وكيف؟
مثلاً: متى ظهر الحصان، وماذا قال لنا، فرساً أو خيلاً، أو سيارة إسعاف كما في «الجدارية»؟ ومتى اندثرت بعض المفردات أو كادت، كالبرتقال والصخر، أو حتى «الكرمل»؟
كيف تحولت أسماء المكان والزمان في شعر درويش، كسحاب يأتيه خراجه، وكيف تطور فن الحوار بداية من «جندي يحلم بالزنابق البيضاء» ورائعته المبكرة «يوميات الحزن العادي» حتى وصوله إلى مسرحيته الشعرية متعددة الأصوات، رباعية «المنفى» في ديوان «كزهر اللوز»؟ وكيف تغرّب الخبز من أمه التي عجنت بالحبق الظهيرة كلها «إلى هيلين» بائعة الخبز؟ وما هي رحلة الأب الذي «نهاه عن السفر» وعاد ليرى الأيائل والحصان الوحيد؟ والجد في سورة الرحمن؟ «وحالة حصار» شبحاً مفارقاً لـ «مديح الظل العالي»؟ أو ما يتاح لنا من تأويلات ورؤى بعيدة عن تأريخات لا يستطيع أحد إثباتها بشهادات منفردة كان درويش حريصاً على احتكارها.
يقول البعض إن مفردات درويش التي ترسم شعره وتزيّن إيقاعه هي انعكاس ملحوظ لتطورات ومحدودية القصيدة الحديثة في إطار التفعيلة. ويستطرد هؤلاء أن مفرداته تنقصها مثلاً خصوصية اليومي الجديدة في عصر التكنولوجيا والانغماس الذاتي في وعي هو نتاج حياة رأس المال وطواحين هوائها وحروبها. كأن مفردات هؤلاء، إن كان لهم لغة تخصهم، تشمل القاموس كله.
هذا الانكماش الفكري والكسل المعرفي عن الفن والشعر، يتجاهلان سؤالاً بسيطاً: ماذا يعني كل هذا الانتفاض الأوديبي حين تتغير لغة الشعر بعد نصف قرن أو قرنين إلى تفاصيل ومصطلحات وعبارات تتمرئى وواقع الزمن الجديد؟
النثر من أمامك والبحر من ورائك، فأين المفر؟ الشعر أكثر من تدوين تاريخي لزمن ما ولسان ما، والشاعر لا يجبّ ما قبله، بل يلخص ما سبقه بلسان حاله، فيكون اللسان خادماً في بلاط التاريخ، أما الجسد فهو الذي يبقى نسياناً ضرورياً للذاكرة.
عشر سنوات على رحيل درويش، تكفي لتتضح الهاوية وتتسع الفجوة. كيف تحول درويش إلى مؤسسة تبعده في استحواذها عليه عن الأجيال الفلسطينية الجديدة؟ وكأن من يخلده ضريحاً ومتحفاً يئِده نوعاً ما، يدفنه حياً، وينفّر الزمن الجديد من الاقتراب منه. «يحبونني ميتاً» قالها درويش في «ورد أقل» 1986، ليقولوا: لقد كان منا، وكان لنا، وراحوا يغنون للشعب. قلت: متى تبدؤون اغتيالي؟ فقالوا: ابتدأنا.
وبعد بضع قصائد في نفس الديوان، كتب درويش: «رأيت الوداع الأخير»: «سأُرزم في علم» «ثم يشتمني الشعراء» و»لكنني لا أرى القبر بعد. ألا قبر لي بعد هذا التعب؟»
من الصعب إقناعي أن القبر الذي يريده درويش هنا هو ضريح فخم أو حتى تراب في الجليل.
بل هو قبر من النسيان، يصونه الصمت حتى تعود الذاكرة من رميم، كشقائق النعمان أو «مثل نون الأنا في المثنّى».
«إنها المسافة تأتيه مختبلة لتتقوض في جمالها». سليم بركات.
هذه المسافة المختبلة هي ما دلني على الفراشة في شعر محمود درويش، وبالتحديد على «عبء الفراشة»: «لا أعود من الشام حيّاً أو ميّتاً، بل سحاباً يخفف عبء الفراشة عن روحي الشاردة»، كتب درويش في قصيدة «طوق الحمامة الدمشقي» في «سرير الغريبة»، الديوان الأول له بعد قدومه إلى رام الله وانتهاء مرحلة من مراحل المنفى، ولكن في عام 1977، في ديوان «أعراس» أعلن محمود درويش عن حضور الفراشة في عنوان قصيدته «وتحمل عبء الفراشة «دون أن يذكرها في المتن: «ستقول لا وتمزق الألفاظ والنهر البطيء. لا للمسرح اللغوي. لا لحدود هذا الحلم، لا للمستحيل. تأتي إلى مدن وتذهب، والقصيدة خلف هذا البحر والماضي، ستشرح هاجساً فيجيء حراس الفراغ العاجزون الساقطون من البلاغة والطبول، سيجيئك الشهداء، سوف تطردهم فلا يمضون، ويجيئك الفقراء، لا خبز لديك. لنشيدك اتسعت عيون العاشقات، ستقول طالبة: ما نفع القصيدة». فأقول شيئاً ما وأخطئ.
وها هو عبء الفراشة يعود بعد عشرين عاماً ملتصقاً بمفردة أخرى تعيدني إلى ذاكرتي الأولى، روحي الطفل الشاردة، حيث لا يعود الحبيب، ولا أعود حيّاً أو ميّتاً بل سحاباً شهيداً أو شريداً، وها هو الشرود يسافر كالسحاب ويعود من الشكل إلى اللاشكل وعكسه، «ترسمنا الغيوم على وتيرتها».
في ديوان حصان درويش الوحيد، هناك قصيدة، بيان، تعكس أغلب ما أراد درويش أن يقوله عن الفراشة: «من سماء إلى أختها يعبر الحالمون»: «وتركنا طفولتنا للفراشة»، «كان حبر الظهيرة أبيض، لولا كتاب الفراشة من حولنا» «يا فراشة! يا أخت نفسك، كوني، كما شئت، قبل حنيني وبعد حنيني. ولكن خذيني أخاً لجناحك يبق جنوني، معي ساخناً! يا فراشة!، يا أم نفسك، لا تتركيني لما صمم الحرفيون لي من صناديق.. لا تتركيني!».
الفراشة: «نصف عنقاء. ما مسها مسنا»، «لا ليس طيشاً، ولا حكمة حبنا» و»الفراشة ما لا تقول القصيدة».
ضحك محمود درويش كالطفل أمام لعبته الحميمة حين قلت له أنني سأطلق على ترجمتي لبعض أعماله الجديدة مجموعةً في مجلد، عنوان «عبء الفراشة» كانت ضحكة من أُطلق سراحه. وقال لي «ثِقل الخفة، ثِقَل الخفة». وبعد عامين قال لي مازحاً كريماً حين سألته عن «أثر الفراشة» كتابه الأخير فوافقني أن مصطلح The Butterfly Effect ليس ما يقصده، وأضاف «ولكنك أفسدت عليّ الفراشة يا أستاذ فادي»، وكان يعني بالإنجليزية، حيث عنوان ترجمتي السابقة حال دون إعادة ذكر «الفراشة» في عنوان إنجليزي جديد.
لا أخفي أنها كانت ولا تزال من أجمل ذكرياتي، لحظة التناص العميقة هذه مع محمود درويش. شعرت وكأنني من أوحى له بلفظة الفراشة كعنوان لديوانه الجديد، ولكني لست بصدد الاحتكار الساذج هنا او مدح الذات. أريد أن أشير إلى جمالية أخرى تعيد الفراشة في شعر درويش إلى شخصٍ آخر غيري وغير درويش.
وكما زهر اللوز يذكرني بحسين البرغوثي، على سبيل المثال، أصلاً وصورة، إذا ما أعرنا اهتماماً للتوافق الزمني بين نضوج زهر اللوز في معجم درويش وبين اللوز الذي كان سيواري جسد حسين، فإن الفراشة في شعر درويش، ترجعني إلى سليم بركات وراشد حسين. الأخير كان «فقيراً كفراشة» في قصيدة محمود له بعد وفاته في ديوان «أعراس»، وقد تكون أول ذكر للفراشة، أو أول فراشة تستحق الذكر في شعر درويش.
أما فراشة سليم بركات فهي موضوع مختلف تماماً.
في صيف 1989، كتب سليم بركات قصيدته الطويلة «محمود درويش»، نصفها الأول، من مشهدين وعدة مقاطع، يكاد يكون أيقونة في الوصف. أما نصفها الثاني ومشهدها الثالث يحمل عنوان «هو في الأكيد، ذاته»، كلاعب رقيق ما بين العامية والفلسفية. فليست ذات محمود درويش يقينية أو تأكيدية بالمعنى المطلق والتقليدي، ولكنها في اليقين والأكيد تتحقق بتوترها وهشاشتها، حتى أن «المسافة» كما يقول سطر القصيدة الأخير «تأتيه مختبلة لتتقوض في جمالها».
والأهم من ذلك هو ثلاثة سطور تستبق الخاتمة: «أما الفراشات التي تسوّر الحبر بأسلاك من يقينها، فهي ﺻﻓﻗته الأخيرة».
كانت لحظة في ذروة السعادة حين التقيت بهذه الأبيات في صيف بيروتي ملتهب. ها هو آخر أدرك فراشة درويش قبل أن يدركها درويش نفسه، فلم تكن الفراشة قد تمكنت من شعر درويش حينئذ، وإن كان وقعها في «ورد أقل» جلياً متجلياً، خاصة في القصيدة الخاتمة للديوان: «ونؤرخ أيامنا بالفراش».
ها هو سليم بركات شاعر وقرين يخط لمحمود درويش ﺻﻓﻗته الأخيرة بحبر الفراش، ولا أعني هنا أنه تكهن بعنوان كتاب درويش الأخير، هناك ما هو أعمق. على من يقرأ محمود درويش ولا ينتهي، في حاله كقارئ، عند أعراس الفراش، أن يعيد التأمل والسفر كلما اتضح السبيل.
فأثر الفراشة لا يرى، ولا يزول.
أما إرثها فهو إرث الفلسطيني الجميل.
مايو 2018
هوامش:
1- الشكر للأستاذ الباحث والمترجم إبراهيم مهدي، من دلني على كتاب «معجم الموتيفات في شعر درويش.
2- قصيدة «محمود درويش» لسليم بركات من ديوانه «البازيار» في «الأعمال الشعرية» طبعة 2007، لها خاتمتان يفصل بينهما شهران. إشاراتي للسطر الأخير من القصيدة يعتمد على الخاتمة الأولى (والأساسية) في النص.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق