ثقافة وادبزوايا

“شوكولاته سودا” لأمل رضوان .. قصص تشبه البشر وتقلباتهم!


الايام – بديعة زيدان:في المطار، كان ثمة الكثير من الحكايات التي التقطتها القاصّة المصرية أمل رضوان في مجموعتها الأخيرة “شوكولاته سودا”، الصادرة عن دار العين للنشر في القاهرة، ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة الملتقى للقصة العربية في الكويت، وهي التي كانت حازت على جائزة ساويرس الثقافية للعام 2015 كأفضل مجموعة قصصية لكبار الأدباء عن مجموعتها القصصية الأولى “البيت الأوّلاني”، والصادرة عن الدار ذاتها.
ويبدو أن المطار ليس فقط ذريعة درامية لتبرير الكتابة عن شخصيات متعددة الجنسيات والجغرافيات، فحضرت اليابان، وتايلاند، وسويسرا، وسوريا، والمغرب، وفلسطين، وسلطنة عُمان، وآيسلندا، وتونس، وغيرها ما بين أماكن وشخوص، مع أنها لم تتجاهل الحكايات المصرية، وتحولات الأوضاع في مصر منذ العام 2011، فالمطار هنا أيضاً مساحة للأحداث في بعض القصص، ومساحة للكتابة على ما يبدو.
ولم تكن القصص منفصلة تماماً، بل هناك ليس فقط رابط درامي وموضوعي بينها، بل أيضاً عبر بعض الشخوص، وحتى الأحداث، بحيث يمكن وصفها برواية منفصلة متصلة، ففي “شوكولاته سودا”، تعود الشخصية الأنثوية المحورية في القصة من بانكوك فتجد زوجها رفقة أخرى في المنزل، فتتناول بتوازن معاناة المرأة العاملة كثيرة السفر، ومعاناة زوجها جراء غياباتها المتكررة، فهي، رغم ما شاهدته، لم تطلب الطلاق، بل إنها في عودة أخرى إلى المنزل قررت الاتصال المسبق بزوجها لـ”تخبره عن موعد حضورها”، بينما في “عرق التلج”، فإنها، وبعد اكتشاف ما شاهدته في القصة التي سبقتها، تقرر الانزواء بنفسها في المغرب، وتحديداً في الدار البيضاء، لكنها في الطائرة تلتقي بتونسي، وتتراجع عن التواصل معه، خشية تقارب ما قد يحصل بينهما، عائدة إلى القاهرة.
وفي “تلك الرائحة” لم تخرج القاصّة عن ما يمكن تسميته “الخيانة الزوجية”، وتناولت الأمر بجرأة أكبر، وكأنها تشير إلى وقائع تحدث، ويفضل كثيرون السكوت عنها.
تبدأ المجموعة بقصة “بحبك بالياباني”، وتناولت حكاية وفاء وعشق يتواصل بين تسعينيّين يابانيين، أما “الحب في المقهى” فتتحدث فيها رضوان، من جنيف، فتناولت العلاقات العابرة، وهي قصة لم تخل من جرأة تنوعت ما بين العربية البسيطة والعامية المصرية، كغالبية قصص المجموعة.
واتجهت رضوان إلى “السياسة” في قصتها “حتى لونه قمحي”، والتي تمحورت حول حادثة مقتل أيمن ابن بائعة الخضار الفقيرة، في ميدان “التحرير”، بسبب حجارة قذفها من إحدى يده الغضتين.
وطرحت القاصّة في مجموعتها سلسلة من القضايا الاجتماعية، وخاصة تلك التي تواجه الشابات في مصر، وهو ما قد ينسحب على الوطن العربي، ففي “آخر العنقود .. سكّر معقود”، طرحت موضوعي “الإجبار على الزواج”، و”الإجهاض”، الذي جاء كتبعة لعلاقة زوجية لم تدم طويلاً، أما القصة الموسومة بـ”إجهاض” فهي تتحدث عن تعثر عملية إجهاض أفرح الأم، رغم نواياها المسبقة .. أما في “ليلة الحنّة” تسلط الضوء، عبر شخصية العشرينية “ندى”، التي تنقلت ما بين علاقة وأخرى، قبل أن ترتمي في أحضان شاب ثري، اختارته زوجاً لها في نهاية المطاف، في حين أن “نعمة” تناولت آلام المخاض والوحدة، خاصة مع غياب الزوج معنوياً لا جسدياً، فهو رغم وجوده الفيزيائي، إلا أنه يتغيب عن يومياتها، بما في ذلك يوم ولادتها، دون أن تخلو من جرأة ترافق غالبية قصصها، ولا تخلو من عمق مفتوح على تأويلات عدة، ربما لا تحتاج إلى مجهودات كثيرة.
وفي قصتها “حجر خفافي” لم تخف الراوية، حنينها إلى سوريا، فبعد أن فقدت حقيبتها في المطار، وسئلت عن أثمن ما فيها حال ضياعها، كانت الإجابة السريعة دون تردد “حجر خفافي” كانت قد ابتاعته مع صديقة لها من دمشق منذ سنوات، علماً أن القيمة المادية له لا تذكر .. “حجر القدمين الأسود الذي اشترته لي صديقتي السورية من أسواق الشام القديمة .. تجولنا معاً في السوق القديم والحواري الضيّقة .. شممتُ رائحة خان الخليلي وزقاق المدّق وشارع المعز لدين الله .. أرضية مبلطة بمربّعات الزلط الملساء .. نافورات المياه التي تتوسط صحن البيوت، ويسمّونها بحرة .. كانت أول مرّة أسمع تأنيثاً للبحر .. وأحب الكلمة .. أبواب الحوانيت الخشبية التي تشهد على صنعة متقنة وذوق رفيع .. استعدت حديثه المتحمّس عن نتوءات البيوت التي تحمل ذكريات من سكنوها، واحتضنت أحاديثهم، وأفراحهم وجنونهم، وكيف أصبحت تلك النتوءات على البيوت كالتجاعيد في وجوه أصحابها”.
ومما كتبه الروائي السوداني طارق الطيب على الغلاف الخلفي: في هذه المجموعة الجديدة “شوكولاته سودا”، التي يمزج عنوانها الذكيّ حلو الحياة بمرّها وبهجتها بإخفاقاتها .. تعود إلينا رضوان بسردها الأصيل العذب الذي يضفر العامية مع الفصحى بمهارة .. لعل عملها في مجال الترجمة الفورية، وتنقلها عبر القارات أفادها في نقل الحياة العريضة للأدب بتلقائية المكاشفة والدهشة والمفارقة، فكتابتها، تشابه البشر، أينما كانوا، في مكرهم وطيبتهم وغرورهم وقلة حيلتهم، كما نجحت بفطنة في إبراز مأساة المرأة دون ادعاءات نسوية أو استدرار شفقة، وأيضاً دون تجاهل مآسي الرجل المتراكمة.
وختم الطيب: في مجموعة “شوكولاته سودا” سنطالع قصصاً مليئة بالقسوة والحنّية والأسى والفقد والفرح والأمل وخيبة الأمل والإخفاق والسخرية، تنساب كلها برفق وتمكن لتنسج شعاعاً على المتجاهل والمنسي، وهو يتسرّب نحونا وفينا ببطء، لعلنا نعيد التفكير!
بدورها قالت القاصّة أمل رضوان لـ”أيام الثقافة”: في مجموعتي الأولى “البيت الأولاني” والصادرة عن دار العين، والتي حصلت على الجائزة الأولى في مسابقة ساويرس الثقافية العام ٢٠١٦، تأتي قصص المجموعة على لسان طفلة صغيرة. ويذكر أن بعض قصص هذه المجموعة تُدرس في جامعة جورج تاون بالدوحة كنموذج فريد على الراوي الطفلة، ومن ثم فقد اتسمت لغة المجموعة بالبساطة الظاهرية والبراءة. على عكس المجموعة الثانية “شوكولاته سودا” والتي رشحت للقائمة الطويلة لجائزة الملتقى بالكويت ٢٠١٨، فهي على لسان امرأة ناضجة، لديها خبرات إنسانية وحياتية عديدة ومتنوعة، ولذا نجد أن اللغة قد اتخذت بعداً آخر أكثر نضوجاً، ويتسم بالجرأة في سرد الأحداث.
وأضافت: هناك الكثير من القضايا التي تخص المرأة والمسكوت عنها في الكثير من الأعمال الأدبية التي تكتبها المرأة، بينما نجدها تبرز بوضوح في أعمال الكتاب الرجال، ولكن من يكتب عن المرأة وقضاياها وآلامها ومعاناتها أفضل منها؟، ولذا تبرز قضايا المرأة وهمومها في هذه المجموعة، ولكن بمعالجة غير مباشرة، وإنما تكشف عن نفسها بهدوء ودون افتعال من خلال المواقف الحياتية واللقطات الإنسانية.
وأكدت رضوان: أحيانا تكون الجرأة في التناول محاولة لإحداث صدمة لدى المتلقي والقارئ، وبالتالي يبدأ في إعادة النظر في أمور كانت تعتبر من المسلمات بالنسبة له فيما مضى .. قصص المجموعة تميل لتصوير الواقع من زوايا مختلفة بصورة تلقائية ودون تعمد أو قصد، وإلا بعدت عن الصدق والمصداقية، فلا أحاول إقحام الأحداث السياسية بلا داع أدبي أو ضرورة فنية.
أحياناً يأتي تعليق لاذع على لسان إحدى الشخصيات عن الغلاء أو الأسعار، أو مقارنة تجريها شخصية عجوز بين الماضي والحاضر لتعطي للقارئ صورة عن الوضع السياسي والاقتصادي بصورة غير مباشرة، تجعل القارئ شريكاً في التفكير في المشهد السياسي بلا أي تكلف أو إقحام.
وختمت: على أي حال روايتي الأولى “في مدن الغبار” التي صدرت منذ أسبوع هي رواية عن المشهد السياسي الحالي بجدارة، وعن أحوال مخيمات اللاجئين والشتات العربي والإنساني الجديد القديم، واللجوء القسري بفعل الحروب الدامية، أو الاختياري هرباً من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي متأزم في بلدان شخصيات الرواية. ولذلك أكتب عن القضايا السياسية حين يكون هناك ضرورة، ولا أحاول أن أفرضها على العمل إذا لم يكن هناك ضرورة لذلك. أما عن اللغة، ففي المجموعتين القصصيتين “البيت الأولاني” و”شوكولاته سودا” ألجأ لاستخدام اللغة العامية في الحوار فقط. فاللغة العامية ثرية جداً، وبها بعض الألفاظ والعبارات التي تفقد الكثير من معناها إذا حاولنا صياغتها بلغة عربية فصحى. ومن ناحية ثانية أميل إلى الكتابة الواقعية، وبالتالي عندما أرسم الشخصية يصعب مثلاً أن أتخيل أن عبارة (ماذا بك يا ابنتي؟) تعطيني نفس الأثر لعبارة (مالك يا ضنايا؟)، لو تخيلنا مشهداً لسيدة بسيطة غير متعلمة تفترش الأرض أمام بيتها وتبيع بعض الخضراوات للمارة..
استخدام العامية في الحوار هو محاكاة للواقع، ومحاولة لتقريب الشخصية لحقيقتها كما لو كانت تسير بيننا ونستمع إليها ونعرفها.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى