ثقافة وادبزوايا

قراءة في مسرحية ” قلنديا رايح جاي” لمسرح الشعبي

رام الله-توفيق العيسى- الحياة الجديدة- مسرحيته ” قلنديا رايح جاي” يحاول المخرج فتحي عبد الرحمن ان يقول كل شيء مرة واحدة، دون ثرثرة وبمشاهد متقطعة قد لا يكون هناك رابط بينها تباعا دائما ولكنه عمد الى تنوعها بحيث يضيع هذا الرابط تارة واخرى نجده في مشهد بعيد  وكأن النص كتب بطريقة رأسية تجمع التشتت والاتصال بين مشاهده. وان كان هذا الاسلوب يمنح النص حرية الكلام وتعدد المواضيع الا انه حرم العمل من تصاعد عقدة الحل في كل مشهد او موضوع، بل ارتكز العمل على مجموعة عقد تؤدي الى حل أخير، ولم يتح للمثل مونولوجا تصاعديا او ما يسمى عادة ” بالمشهد الشكسبيري”  وفي هذه النقطة ايضا عمل على تكوين اداء متصاعدا جماعيا للممثلين وليس فرديا. باستثناء مشهدا واحدا في غرفة التحقيق للفنان محمود طمليه ” ابو نزيه” ، علما ان الأافكار المطروحة للعرض المسرحي تتيح هذا النوع من المشاهد بما تحويه من قلق وتسارع وخيبة وحياة شاقة،وكان يمكن لو ان ايقاع العمل كان على حاجز قلنديا ودارت الاحداث من هناك. وهذا ليس ضعفا بالعمل بقدر ما هو وجهة نظر المخرج اتفقنا او اختلفنا معه. وهذا التصاعد الجماعي يتيح لنا التعرف على قدرة الاداء للممثلين والتناسق بينهم وهي تجربة قد لا تحمد عقباها لو لم يجد المخرج هذا التنسيق.
كعادته في معظم مسرحياته يبتعد فتحي عبد الرحمن عن ” ثرثرة الديكور او الاثاث” بحسب مفهوم ” جواد الاسدي* ويذهب بنا الى مفهوم مسرح ” سعد الله ونوس” وهو ” اننا محكومون بالأمل دائما” وهي الصيغة الاقرب الى عقل وقلب عيدالرحمن في مسرحه وطرق تعبيره حتى الشخصية، فالعمل المسرحي لديه غالبا ما يبدأ بضجة تعبر عن مأساة او فعل لاحق سيقود اليها _ كمسرحية حفار القبور المستوحاة من نصي الشاعر العراقي ” حفار القبور والمومس العمياء” والتي انتجت اول مرة في الاردن عن المسرح الشعبي وفي فلسطين مرة ثانية قبل سنوات._ وهذا ما يقودنا الى الاقرار بصيغة المحكومين بالامل لدى مخرج العمل، الا ان فعل المأساة لدى عبدالرحمن غير قابل للتجميل بواقعيته واسقاطاته الفنية لكنه يعطي مساحة ضوء للمتلقي ليظل محكوما الى الامل. وهو لا يترك للصدف ان تحدد مصير العمل او الشخصية المسرحية بل يقوده دون فجاجة الى مصير يختاره الطرح الفني او يتلائم معه.
العمل الغنائي والاستعراضي احيانا قد يحسب انه ثيمة ثابتة في مسرح عبدالرحمن ” المسرح الشعبي” ولذلك لم يستسهل الحصول على لحن او أغنية او موسيقى تصويرية فاختياره لها كان دائما بعناية كما في هذا العمل بالاشتراك مع الفنان جميل السايح ممثلا ومغنيا، وكثيرا ما تكون الاغنية او الموسيقى انتاجا شخصيا للمسرح الشعبي وليس استعلرة او سرقة.
ومع ابتعاده عن ” ثرثرة الديكور والاثاث” يعمد الى اغناء العمل  بالاكسسوار الذي لا يكون زائدا عن حاجة الممثل والعمل معا، ومصمما عادة ليكون مرن الاستخدام وليس ثابت الحاجة.
ولعل من مفارقات تحربتي مع فتحي عبدالرحمن والمسرح الشعبي اعتقادي انه قريب من مسرح بريخت في التعبير والحوار الا انني دائما ما تفاجأت باعتماده على الكلمة الفصل في التعبير عن الموقف وليس تعدد الكلمات او الجمل التي تلغي ” الحقيقة الكاملة” لصالح الفكرة او تلغي واقعا في العمل يظنه المتلقي حقيقة اثناء متابعته للعرض لصالح واقع جديد يصدمه. وهنا لا نتحدث عن ضعف بل وجهة نظر ايضا. فاعتماد كلمات من عينة ” سنفاتل ” لدفع الامل في قلب العرض المسرحي احيانا تضعف الحوار لصالح التنبيه او تسليط الضوء دون مشهدية وفي ظل الحديث عن مشاكل تصل الى حد اغتراب الانسان عن طبيعته وتناقضه احيانا لصالح متطلبات الحياة والعيش، في بداية العمل نلمس تناقضا بين شخصية الاب والام في ما يخص الاصرار على الهوية المقدسية. لكن هذا التناقض لم يكن واضحا، حتى اثناء البحث عن طريقة لاصدار اقامة للأب في القدس وتحريضه على ادعاء الجنون ليحصل عليها، شخصية الام ” رسمية” القوية والطموحة هل كانت براغماتية ” كالأم شجاعة”  في مسرحية بريخت ام اصيلة في مطلبها للابقاء على الهوية وعلى البيت في رام الله. ومساومة المحامي وصاحب البيت في رام الله؟؟ صحيح ان التشبيه هنا غير صحيح بين رسمية والام شجاعة الا ان الحاجة والطموح لها تتيح لنا النظر الى رسمية بصيغة ” الام شجاعة” في مرحلة ما من النص، صحيح ان مصير الشخصيتين مختلف تماما الا ان التشابه في الظروف اعتقد انها واحدة. فنجد ان المخرج صنع منها براغماتية في موضع معين وقوية تقاوم بالحيلة في موضع اخر  في  مشهدي الاحتيال على موظف التأمين في القدس ومساومة صاحب البيت في رام الله. الحقيقة ان ” رسمية” خليط بين ” الام شجاعة” التي وصلت الى براغماتية ان لا ترى في الجندي النازي الا زبونا وقوة شرائية في قلب المأساة وبين انها اي ” رسمية” اصيلة في مطلبها بما قررته نهاية المسرحية الرافضة لمبدأ البيع في القدس على عكس ” الام شجاعة” التي شبهناها بها نسبيا. كان يمكن لرسمية ان تلعب دورا مزيجا بين البراغماتية والكوميديا لو ترك لها المجال ان تكون رأس المساومة وان يتصاعد المشهد كوميديا بينها وبين صاحب البيت والمحامي، الا ان هذه الكوميديا كانت بأداء جماعي للممثلين ” الاب والام والبنت ” وناجح دون تكلف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق