ثقافة وادبزوايا

شيء يشبه الاصطدام بباب زجاجي

رام الله- سامر ابو هواش- الحياة الجديدة-كنت وحيداً، قليلاً أو تماماً، وكان العالم يحدث، كالعادة، بعد المقتلة الكبرى، وبتنا جميعاً نعرف أننا نعيش الآن في عالم مختلف، مع النباتات نفسها وقد زادت قليلاً، والحيوانات نفسها وقد نقصت قليلاً، والهواء وقد بات مستحيلاً مثلما لطالما توقعت الحيتان النبيلة وهي في طريقها إلى الانتحار على شواطئ مجهولة.
وصرنا نمشي مثلما يجدر بنا أن نفعل في هذا العالم الجديد، ومن وقت إلى آخر يحالفنا الحظّ ونعثر على كلمات ملونة كالحصى، لكنها ليست كافية لوصف أكبر الأشياء؛ كدسة قتلى أو جبل؛ ولا أصغر الأشياء؛ جثة طفل أو طائر. فلم نعد نأبه لهذه الأمور القديمة، وصرنا نقف تحت الدوش، نركب السيارات، نذهب في عطلات أو تأتي العطلات إلينا، ونجلس في الصباحات المبكرة، عراة تماماً من الكلمات، لكننا لا نقول ذلك، ولا في سرّنا حتى. وصرنا نلتقي عند تقاطعات الليل الكثيرة، بأفواه حافية أدماها الصمت، ونحاول أن نتذكر شكل اللهاث، وما الذي يعنيه حقاً الوصول من هنا إلى صباح آخر لن نسمع فيه سوى أشباح أصواتنا النافقة وهي تحاول أن تتذكر.
مجرد حلم مزعج
العالم يواصل نفسه
مثلما يتوقف قطار في محطة
مثلما يترجل رجل من القطار
مثلما تستوقفه فكرة غامضة فيظنّ أنه نسي شيئاً في القطار، ثم يواصل السير غير عابئ بما قد يكون ضاع منه
مثلما يعاود رجل فتح النافذة لتدخل الأصوات التي ظلت محبوسة طوال الليل في الخارج
مثلما تتوقف المكنسة الكهربائية ثم تنطلق مجدداً بكل قوة كأنها اكتشفت أخيراً الهدف من حياتها
مثلما تقرر امرأة ألا تفكر في حبيبها، فتراه يتضاعف أمامها في الهواء لكنها تظل مصرة على ألا تلفظ اسمه

مثلما يصمت صرّار الليل لبرهة كأنه ممثل يتذكر سطره في مسرحية ثم يعود إلى أول السطر
مثلما يصحو ميت في منتصف الليل أو النهار، ينظر حوله في العتمة الترابية، لا يرى شيئاً، فيعاود إغماض عينيه كأنه كان مجرد حلم مزعج.
أصوات ليليّة غامضة
تخطيط: حسين جمعان
تخطيط: حسين جمعان
أتخيّل امرأة مصابة بأرق مزمن، وكالأرنب في “أليس في بلاد العجائب” تتكرّر في رأسها كلمة واحدة “الوقت.. الوقت.. الوقت”، لكنها لا تعرف ذلك، لأنها لا تسمع صوت رأسها، بل صوت المكان. المطر أيضاً لا يفكّر ولا يسمع صوت رأسه. ولا الشوارع. ولا النوافذ. ولا الظلال التي تتحرك باستمرار على شاشة التلفزيون أو خلف الستارة.
لكنّ المرأة المصابة بأرق مزمن تتعب كثيراً من هذه الحال، فتقرّر أن تصبح امرأة أخرى مصابة بأرق مزمن. والمرأة الثانية بدورها تتعب، فتصير امرأة ثالثة، وهكذا دواليك حتى تصبح الغرفة مليئة بالنساء المصابات بأرق مزمن، واللواتي تتكرر في رؤوسهن كلمة واحدة “الوقت.. الوقت.. الوقت..”، لكنهن لا يعرفن ذلك.
شيئاً فشيئاً، يصبح المكان مزدحماً بالنساء المصابات بأرق مزمن و”الوقت” تصبح مطرقة تزداد ضخامة مع الوقت، ويمكن سماع دويها الهائل عندما يسقط أي شيء على الأرض، ولو كوب قهوة فارغ أو ملعقة أو ورقة بيضاء. والجميع في المباني والأحياء المحيطة يسمعون الدويّ ويشعرون بهزّة خفيفة، لكنهم لا يعرفون أن ثمة امرأة مصابة بأرق مزمن تغسل الأطباق في مكان ما وفي رأسها تتكرّر كلمة واحدة طوال الوقت “الوقت.. الوقت.. الوقت”.
شيء يشبه الاصطدام بباب زجاجي
ماذا لو أنني، في هذه اللحظات، كنتُ حزيناً دون أن أعرف؟ ماذا لو كنت حزيناً جداً. ماذا لو كنت، مثلما يقولون، “غارقاً في الحزن”، ولم أنتبه للأمر، تماماً مثلما يرتدي المرء، سهواً، جوربين بلونين مختلفين، أو يمشي  وشريط حذائه غير معقود، أو سحّابة بنطاله مفتوحة، أو مع بقعة قهوة بحجم طائر على قميصه.
أحياناً أرى الناس يحملقون بي بطريقة غريبة، أو بطريقة توحي بأنهم يرون شيئاً غريباً، فأسارع إلى تفقد حذائي، بنطالي، قميصي، شعري، أسناني، ابتسامتي.. أهرع إلى أول مرآة وأحدّق طويلاً بوجهي، وغالباً ما أرى الشخص نفسه (مع بعض الفروقات البسيطة)، وأسأله إن كان على ما يرام، ويؤكد لي أنه على ما يرام. وأخرج مجدداً إلى العالم، غير منتبه إلى أن ثمة طائراً أزرق ضخماً يقف على رأسي.
* شاعر ومترجم فلسطيني يعيش في الامارات العربية

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق