أقلام واراءزوايا

إسرائيل والدين اليهودي.. عودة إلى الأصل بقلم: أنطوان شلحت

لعلّ القول إن تعمّق السياسة اليمينية المتطرفة لدولة الاحتلال الإسرائيلي خلال الأعوام القليلة الفائتة ناجم، في أحد جوانبه الأهم، عن مظاهر التدين التي يشهدها الحيّز العام، وتنسحب رويدا رويدا على الجيش، من شأنه أن يوحي بإمكان نشوء هويةٍ لهذه الدولة في منأىً عن الهوية الدينية المحض.

بناء على ذلك، قد يكون مفيدا، في هذا الخصوص تحديدا، العودة إلى محضر كُشف النقاب عنه حديثا من الأرشيف الإسرائيلي، لجلسة ما عرف باسم “مجلس الدولة المؤقت” يوم 17 حزيران 1948، أي بعد إقامة إسرائيل بشهر ويومين، وفي خضم الحرب التي كانت تخوضها آنذاك مع جيوش عربية.

يفيد هذا المحضر بأن الجلسة خُصّصت للموضوعات السياسية والأمنية التي كانت مُدرجة في جدول الأعمال، وعرضها رئيس الحكومة الأول، ديفيد بن غوريون. ومع أنه كان من المفترض أن تتركّز تعقيبات أعضاء “مجلس الدولة المؤقت” على هذه الموضوعات، فإن عضوي كنيست من حزب “أغودات يسرائيل” لليهود الحريديم المتشددين دينيا تجاهلا هذه الموضوعات، وطرحا مسألة عدم توفر خدمات دينية للجنود المتدينين الذين يخدمون في الجيش، واحتجّا بصرامة على ذلك.

ويظهر المحضر أنه على الرغم من أن الموضوعات السياسية والأمنية التي تمت مناقشتها كانت حارقة، وكانت دولة الاحتلال في خضم حرب طاحنة، بما يستلزم إخضاع أي شؤونٍ أخرى للمجهود الحربي، فإن بن غوريون اختار، عند تلخيص الاجتماع، عدم التطرّق إلى الجدل الذي دار بشأن تلك الموضوعات من سائر أعضاء المجلس المؤقت، وأن يتركّز في محور علاقة الدولة المُقامة حديثا بالدين اليهودي، ووعد بأن توفر الخدمات الدينية اللازمة للجنود المتدينين وإيجاد الميزانيات المطلوبة لذلك.

وقال حرفيا: “في نهاية المطاف، من هم قادة الجيش وجنوده؟ لم يخرج هؤلاء إلى القتال من أجل أي مطامع مادية، بل ذهبوا للتضحية بأنفسهم على مذبح تقديس الإله”.

قبل ذلك، كان بن غوريون قد تحدّث مُطوّلا عن الحرب الدائرة رحاها، وكيف أن جيش الاحتلال “يقاتل بمفرده دون مساعدة من أي جهة خارجية كانت”، مُحيلا إلى تاريخ “بني إسرائيل”، ومقتبسا من سفر إشعياء بن أموص: “مَا بَالُ لِبَاسِكَ مُحَمَّرٌ، وَثِيَابُكَ كَدَائِسِ الْمِعْصَرَةِ؟ قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي، وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ. فَدُسْتُهُمْ بِغَضَبِي، وَوَطِئْتُهُمْ بِغَيْظِي. فَرُشَّ عَصِيرُهُمْ عَلَى ثِيَابِي، فَلَطَخْتُ كُلَّ مَلاَبِسِي. لأَنَّ يَوْمَ النَّقْمَةِ فِي قَلْبِي، وَسَنَةَ مَفْدِيِّيَّ قَدْ أَتَتْ. فَنَظَرْتُ وَلَمْ يَكُنْ مُعِينٌ، وَتَحَيَّرْتُ إِذْ لَمْ يَكُنْ عَاضِدٌ، فَخَلَّصَتْ لِي ذِرَاعِي، وَغَيْظِي عَضَدَنِي”.

بمثل هذه الخلفية، لا بدّ من رؤية أن الحاجة إلى التدين تنشأ لا بسبب احتمال بروز هوية نقيضة، إنما من أجل العودة إلى أصل المشروع الذي قامت دولة الاحتلال على جناحيه.

ومعروفٌ أنه قبل عدة أعوام مُنيت بالفشل مبادرة أطلقتها إحدى عضوات الكنيست من حزب ميرتس لتشكيل “لوبي” برلماني، يعمل على الدفع بالثقافة والهوية العلمانيتين في إسرائيل.

وعزت سبب الفشل بالأساس إلى تلكؤ أحزابٍ تعتبر نفسها رافعة لواء العلمانية، على غرار “العمل” و”يوجد مستقبل” و”إسرائيل بيتنا”، عن اللحاق بركب هذه المبادرة. في ذلك الوقت أيضا أظهرت معطيات مُحدّثة أن نسبة اليهود الإسرائيليين الذي يعرّفون أنفسهم بأنهم علمانيون ضئيلة جدا.

كما أنه صعدت إلى سطح الأحداث مسألة إبراز القوى التي تتبنّى بعض أجندات الليبرالية تمسّكها بالهوية اليهودية الدينية. وكان الشغل الشاغل لرئيس حزب العمل أكثر من أي شيء آخر هو نفي تهمةٍ طوّح بها نتنياهو في وجه هذا الحزب، وفحواها أنه نسي هويته اليهودية. وفي لحظة صراحةٍ نادرة، قال الأول إن إحدى مشكلات أعضاء “العمل” تكمن في أنهم ابتعدوا عن القيم اليهودية، ما عزّز الرأي السائد في الشارع بأنهم ليبراليون فقط. وبذا أقرّ، من دون مواربة، أنه كي يكون المرء يهوديّاً ينبغي، قبل أي شيء، أن يُبعد عنه صورة الليبرالي.

عن “عرب ٤٨”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق