أقلام واراءزوايا

فلسطين بين الأساطير الصهيونية والأكاذيب العربية الرسمية بقلم :محمد سيف الدولة


لم يكن من الممكن أن يستمر احتلال فلسطين كل هذه العقود، بدون هذه الترسانة الهائلة من الاساطير والخرافات والأكاذيب التى اطلقتها الحركة الصهيونية لتضليل الراى العام العالمى.
وهى اساطير زائفة لا يضاهيها فى زيفها وتهافتها وتضليلها، سوى الأكاذيب الرسمية العربية التى يتم الترويج لها منذ ما يقرب من أربعة عقود، وبالتحديد فى اعقاب حرب اكتوبر مباشرة.
***
وحتى لا أثقل على القارئ الكريم، فسأقوم بتجزئة الموضوع ونشره على ثلاث حلقات كما يلى:
الحلقة الاولى ـ الاساطير والادعاءات الصهيونية.

الحلقة الثانية ـ الاكاذيب الاسرائيلية الحديثة.

الحلقة الثالثة والاخيرة ـ فلسطين والاكاذيب العربية الرسمية.

***
الحلقة الاولى ـ الاساطير الصهيونية:
ليس للاساطير الصهيونية اى تأثير أو مصداقية لدى الشعوب العربية التى تدرك حقيقة المشروع الصهيونى. ولكنها ذو تأثير كبير على غالبية الراى العام الغربى، فيما عدا نخبة قليلة من المفكرين الغربيين الذين حملوا على اكتافهم عبء تفنيد وكشف زيف وبطلان هذه الاساطير من امثال المفكر الفرنسى الراحل روجيه جارودى فى كتابه (الاساطير المؤسسة لسياسات اسرائيل) وجون روز فى كتابه (اساطير الصهيونية) وايلان بابيه فى كتابه (التطهير العرقى لفلسطين) وآخرين.

***
أما عن أبرز هذه الاساطير فهى:
الادعاءات بالارض الموعودة؛ ففلسطين هى ارض الميعاد التى وهبها الله لابراهيم ونسله.
وأكذوبة أرض بلا شعب لشعب بلا ارض.
ونظرية الشعب اليهودى، التى حولت الديانة اليهودية الى قومية، ولم تعترف باى انتماء وطنى او قومى لاى يهودى سوى الانتماء لأرض فلسطين التى يسمونها (اسرائيل).
واكذوبة شتات اليهود (الدياسبورا) التى استمرت منذ عام 70 ميلاديا (كما يدعون) بعد ان هدم الرومان الهيكل وقاموا باخراج اليهود من فلسطين وبيعهم فى اسواق روما، ليبقوا فى الشتات 2000 عام الى ان عادوا اليها فى القرن العشرين مع بداية المشروع الصهيونى وتاسيس (اسرائيل).
والاسطورة العنصرية حول شعب الله المختار. وما بنى عليها من تحريض على التطهير العرقى للاغيار من غير اليهود، التى يطلق على اساسها الحاخامات الصهاينة المعاصرون كل فتاويهم بمشروعية قتل الفلسطينيين وتصفيتهم.
واسطورة معاداة السامية الذى اتخذوا منها حجر الاساس للدعوة الى تأسيس وطنى قومى لهم فى فلسطين، وهم انما يقصدون بها معاداة (اسرائيل).
واكذوبة العداء بين الصهيونية والنازية.
وكذلك المبالغة والتضخيم فى اعداد ضحايا اليهود فى مذابح الهولوكوست.
واخيرا وليس آخرا، ادعاءاتهم بان انشاء دولة (اسرائيل) هو الرد والحل الصحيح والواجب تعويضا عن نكبة الهولوكوست كما ورد نصا فيما يسمونه بوثيقة الاستقلال او اعلان دولة (اسرائيل).
***
وكلها ادعاءات زائفة وباطلة، تتناقض مع كل ما استقرت عليه علوم الاجتماع عن مراحل وأطوار عملية تشكل وتطور المجتمعات والقوميات والأمم (Nations) التى لم تفلت من سننها أى جماعة بشرية منذ بداية الخليقة.
ففى العصور القديمة منذ ما يقرب من 5000 الى 1500 عاما كانت كل بقاع الأرض، بما فيها الأرض التى تسمى اليوم بالأمة العربية، تعج بالاقوام والعشائر والجماعات القبلية التى اندثرت او انصهرت فيما بعد فى التكوينات القومية اللاحقة عليها، فأين اليوم الأموريون والكنعانيون والفينيقيون والفلستيين (بالتاء وهى شعوب البحر التى قدمت من جزيرة كريت واستوطنت الساحل الفلسطينى وليسوا هم اجداد العرب الفلسطينيين الحاليين كما ادعى نتنياهو مؤخرا)، واين البابليون والآشوريون والهكسوس، بل وأين الفراعنة واللغة الهيروغليفية، كلها قبائل او شعوب، لم تبلغ مرحلة التكوين القومى، فوُجِدَّت وعاشت لفترات محددة، ثم اندثرت او انصهرت فى جماعات وقوميات أكبر منها كما ذكرنا عاليه.
والعبرانيون لا يختلفون أبدا عن كل هذه الجماعات، فهم ايضا قد اندثروا او انصهروا فى بلدان وقوميات أخرى.
كما ان اليهود الاوروبيين الشرقيين الصهاينة الذين يستوطنون فلسطين اليوم غصبا، ليسوا امتدادا لاولئك الذين عاشوا فيها مع غيرهم منذ آلاف السنين، وانما هم من سلالة قبائل الخزر التى اعتنقت اليهودية فى القرنين الثامن والتاسع الميلادى وهى من اصول تركية ازدهرت من القرن السابع حتى القرن الحادى عشر وامتدت نفوذها فيما بين البحر الاسود وبحر قزوين ومن القوقاز حتى الفولجا. (انظر كتاب ـ امبراطورية الخزر وميراثها ـ القبيلة الثالثة عشر).
ولكن رغم كل هذه الحقائق الثابتة، قامت الحركة الصهيونية والاستعمار الغربى، باستدعاء اسم احدى هذه الجماعات المندثرة من التاريخ وفبركوا حولها قصص وتاريخ واساطير زائفة، ليستخدموها فى التبرير لمشروعهم الاستعمارى الاستيطانى فى اغتصاب فلسطين.
هذا بالإضافة الى ما ذهب اليه كثير من الباحثين والمؤرخين من أنه فى تلك العصور وفى العديد من من الديانات القديمة، كان لكل منها شعبا مختارا، كل حسب ديانته او تفسيراته أو روايته، وكل منها وهبته آلهته أراض لا يملكها! وبالتالى فأمثال الأساطير الصهيونية الحالية، لا تقتصر على الديانة اليهودية فقط؛ فلكل الديانات اساطيرها الزائفة، التى يتبناها ويطلقها “البعض” من أتباعها، فهى ليست سوى أساطير إخترعوها هم وآباؤهم، وفى جميع الاحوال لا يمكن ولا يعقل ان تلزم أتباع الديانات الأخرى أو باقى شعوب وأمم العالم.
ولو صحت العقيدة الصهيونية فيما ذهبت اليه من ان اليهود يمثلون شعبا وامة قائمة بذاتها، وان اليهودى فى اى بلد فى العالم لا ينتمى الى هذا البلد وانما الى ارض الميعاد، لكان علينا أن نقوم بالغاء كل الشعوب والأمم والدول ونعيد تقسيم العالم على اساس الديانات، فيكون لكل اتباع ديانة ما دولة خاصة بهم، دولة لكل يهود العالم، وأخرى لكل مسلمى العالم وثالثة لكل مسيحيى العالم، ورابعة للهندوس وخامسة لأتباع كونفوشيس وسادسة لاتباع بوذا وهكذا.
***

اما عن معادة السامية التى اممتها واحتكرتها الحركة الصهيونية لصالحها واعتبرت ان اليهود هم الجنس الوحيد المضطهد فى العالم، فانه موقف شديد العنصرية، فالاستعمار الغربى الابيض الذى كان يمارس العنصرية بالفعل ضد مواطنيه من اليهود هو ذاته الذى قتل ملايين الافارقة الذين ماتوا بعد خطفهم واثناء نقلهم على سفن تجار الرقيق الى القارة الامريكية، بالاضافة الى ما جرى من جرائم ابادة للملايين من الشعوب الأصلية مثل الهنود الحمر للاستيلاء على اوطانهم، وكذلك ملايين من شعوب العالم الثالث فى افريقيا واسيا وامريكا اللاتينية لاحتلال اوطانهم ونهب ثرواتهم.
وهى ذات العنصرية الصهيونية التى ظهرت مرة اخرى فى اسطورة الهولوكوست، فالحرب العالمية الثانية اسقطت ما يقرب من 50 مليون ضحية، ولكن الحركة الصهيونية لم تتوقف سوى امام ضحايا الحرب من اليهود، حيث قاموا بتأميم واحتكار فظائع الحرب لصالح مشروعهم.
ولم يكتفوا بذلك، بل اعتبروا ان التعويض الغربى الوحيد المقبول لديهم، هو بإعطائهم فلسطين، ليصبح المشهد كما يلى: نظام المانى عنصرى يقتل مواطنيه من اليهود الالمان، فيكون العقاب للشعب العربى فى فلسطين الذى لا ناقة له ولا جمل فى جرائم النازية.
هذا بالاضافة الى ما اصبح ثابتا اليوم بموجب العديد من الوثائق والابحاث، من تعاون مشترك بين هتلر وقادة الحركة الصهيونية، من اجل تهجير اليهود الالمان الى فلسطين، كل بحسب دوافعه؛ النازيون يكرهون اليهود ويريدونهم خارج المانيا، والمنظمات الصهيونية يريدونهم ايضا خارج المانيا وبالتحديد فى فلسطين، فلماذا لا ينسقون ويتعاونون؟
***

يتبع ـ الحلقة القادمة باذن الله ستتناول الاكاذيب الاسرائيلية الحديثة بعد قيام وتاسيس دولة الكيان المسماة باسرائيل.

*****

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق