ثقافة وادبزوايا

تبنته “دار الناشر” في رام الله “العمل والعادات في فلسطين” للمرة الأولى للإنجليزية .. صارت تسمى فلسطين!


صبحي حديدي تبنت «دار الناشر» في رام الله مشروعاً هائلاً، بالغ الأهمية وعظيم الفائدة، هو ترجمة الكتاب الموسوعي «العمل والعادات في فلسطين»، للمستشرق واللاهوتي البروتستانتي والباحث الأنثروبولوجي الميداني غوستاف دالمان (1855ـ1941). وهذا العمل الفريد يقع في سبعة مجلدات، وهو دراسة مستفيضة معمقة ومتعددة النُظُم، تغطي تاريخ فلسطين الاجتماعي مطلع القرن العشرين، وتجمع بين علوم الأناسة والأديان المقارنة والأسطورة والألسنيات والجغرافيا والموسيقى والفولكلور والتراث السردي والنبات والحيوان والمناخ، فضلاً عن العادات والتقاليد طيّ هذه المباحث. وكانت طبعته الأولى قد صدرت سنة 1928 بالألمانية، ولكنه لم يترجم إلى الإنكليزية إلا عبر مبادرة «دار الناشر»، صاحبة السبق؛ وبترجمة السيدة نادية عبد الهادي ــ سختيان، أستاذة العلوم السياسية والأدب الإنكليزي في جامعة بون، ألمانيا.

وحتى الساعة أصدرت الدار الفلسطينية المجلد I في جزأين، وتبحث فصول الجزء الأوّل منه في موضوعات مثل معنى السنة الطبيعية (التقويم الشعبي، الشهور، بداية السنة، الفصول، تأثيرات الشمس، أطوار القمر…)؛ ومدار السنة، في الخريف (حياة الشتل، الأشجار المختلفة، الحقول، الطقس والندى، البراعم قبيل المطر، سقوط الأوراق، الريح الشرقية، الغيوم والبروق، انحباس المطر، صلوات الاستسقاء، هجرات الطيور، المراعي، النحل، الماشية…). في مدار الشتاء يناقش دالمان الأمطار الشتوية من حيث الأصناف وكثافة الهطول، كما يستعرض شروط البرد وأنواعه، وأنماط التدفئة، والخضار وأشجار الفواكه والزراعة إجمالاً؛ ولا يفوته التوقف عند الأعياد الزراعية، والاحتفالات الشعبية، وما يرتبط بها من أغانٍ وطقوس وشعائر (خاصة أعياد البربارة، المواكب، سبت النور، «سليقة» القمح، وعيد الميلاد).

الجزء الثاني من المجلد 1 يبدأ من فصل الربيع، ومباحثه تقتفي المنهج ذاته في تتبّع البشر والطبيعة والنبات والحيوان والزراعة والعادات والتقاليد؛ والحال ذاتها في دراسة فصل الصيف، مع وقفات خاصة، حافلة بثراء الرصد ودقة التوثيق، حول طقوس الحصاد وأعياده، اليهودية والمسيحية والمسلمة؛ وكذلك مدارات النهار الواحد، من الفجر والصباح وحتى مغيب الشمس وحلول الليل. وفي اقتباس منهجية دالمان عند الحديث عن الصباح، مثلاً، فإنه يشير إلى التعبير الفلسطيني «وجه الصبح» لأنّ النهار ساعتئذ يكون قد أطلّ بوجهه على الليل؛ وهذه ساعة «السَحَر»، ومنها السحور قبيل الإمساك في شهر رمضان، وإليها أيضاً تنتمي برهة «الدغشة» التي سوف تُضاء بنور الصباح؛ وعلى هديها تسير أمثال شعبية مثل «صبّح القوم ولا تماسيهم»، أو «يا ما سرينا والخــــواجة نايم، ملفلــــفْ رجليه بالعمـــايم»؛ وأشير شخصياً إلى أنّ هذا المثل الأخير شائع في حوران السورية أيضاً، لأسباب لا تخفى وذات صلة بتراث بلاد الشام عموماً.

وفي ختام الجزأين يُفرد دالمان ستة مسارد، للمفردات العبرية والآرامية، والمفردات العربية، والموضوعات، والأماكن، والاقتباسات من التوراة والعهد الجديد. كذلك يُدرج عشرات الصور التي التقطها بنفسه (وبعضها تمّ التقاطه من الجوّ!)، والتي تصوّر الأزهار والأشجار والخضار والفواكه والحقول والمراعي والسهول والوديان والجبال والينابيع والجداول والماشية. وهذه الآثار الفوتوغرافية (نحو 15.000 صورة) جزء لا يتجزأ من إسهاماته الفريدة في الإضاءة على تاريخ فلسطين الاجتماعي والبشري، والتي تشمل (حسب نجيب العقيقي في كتابه «المستشرقون») دراسات رائدة مثل «اللهجات العربية في فلسطين وسوريا»، و«جغرافية فلسطين»، و«دين البدو»، و«سلالات فلسطين»؛ إلى جانب قاموس للغة الآرامية، صدر سنة 1901، سبقه سنة 1894 كتاب في النحو الآرامي.

ولدي تفسير، شخصي تماماً في الواقع، حول أحد أسباب عدم ترجمة كتاب دالمان إلى اللغة الإنكليزية، قبل أن تبادر السيدة عبد الهادي ــ سختيان و«دار الناشر» إلى أداء هذه المهمة النبيلة؛ وذلك رغم أهمية العمل في جوانبه الموسوعية، وكشوفاته الميدانية. ذلك لأنّ الكثيرين من الباحثين الغربيين في تاريخ فلسطين، والأبحاث التوراتية عموماً، اعتبروا أنّ دالمان هو المسؤول الأوّل عن الرأي، الذي تكرّس بعدئذ بقوّة في الدراسات الغربية، القائل بأنّ لغة يسوع الناصري كانت الآرامية وليس العبرية، الأمر الذي أسقط عنه شخصيته «اليهودية» في المنبت الديني قبل المسلك المسيحي. كذلك ساجل هؤلاء بأنّ بواعث دالمان الحقيقية لم تخرج عن نطاق النزوع التبشيري الذي ساد في صفوف اللاهوتيين البروتستنت، بصدد دفع اليهود إلى الاهتداء بالديانة المسيحية. بذلك فإنّ دالمان، عند أولئك الباحثين، التقى مباشرة مع تيارات العداء للسامية!

ويبقى أنّ كتاب دالمان يحيل إلى موسوعي آخر، عربي هذه المرّة، هو الطبيب والأديب والباحث والمؤرخ والأنثروبولوجي توفيق بشارة كنعان (1882 ـ 1964)، الفلسطيني الولادة، واللبناني الأصول؛ الذي كتب عشرات المقالات حول ظواهر أنثروبولوجية وثقافية وفولكلورية فلسطينية: النور والظلام، الطفل في الخرافات العربية الفلسطينية، و«ماء الحياة» و«اللعنة» في التراث الشعبي الفلسطيني، رموز الطلاسم العربية، و«الينابيع المسكونة» و«الشياطين المائية» في فلسطين… كذلك امتدت نشاطاته البحثية لتشمل الدراسات الجغرافية والطبوغرافية والأركيولوجية والمعمارية، فتناول طرق القوافل العربية الفلسطينية، وأهمية منطقة النقب في التكوين الجغرافي والتاريخي والاقتصادي لفلسطين قديماً وحديثاً، وطبوغرافية البتراء وخصوصيتها الأركيولوجية، وعمارة البيت الفلسطيني التقليدي، والأنساق المعمارية للمزارات الإسلامية ودلالاتها الروحية.

ولعلّ الحكـــــمة الأولى الأبسط، خلف أعمال دالمان وكنعان وسواهما، هي التي ذكّرنا بها محمود درويش: هذه بلاد فريدة، «كانت تسمى فلسطين/ صارت تسمى فلسطين»!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق