أقلام واراءزوايا

عالم ما بعد كورونا يحتقن نحو الإنفجار !! بقلم : بكر نعالوة

يقول مؤلف رواية ” البؤساء ” فيكتور هوجو في مقدمته للكتاب : ” تَخلِق العادات والقوانين في فرنسا ظرفا اجتماعيا هو نوع من جحيم بشري ” واصفاً سُلوك المُجتمع الفرنسي وطبيعة الظلم الاجتماعي في فرنسا بين سقوط نابليون في 1815 والثورة الفاشلة ضد الملك لويس فيليب في 1832.

بعد حربين عالميتين في فترة زمنية قصيرة ، والانتقال السريع للنظام الرأسمالي لِتَحَلُل من إتفاقية بريتون وودز 1944 التي قيدت حركة النظام كون الدولار مُرتبِطاً بمعيار الذهب والذهاب نحو توقيع إتفاقية جمايكا1971 الاقتصادية التي منحت النظام الرأسمالي مُطلق السيطرة والهيمنة بتحرير الدولار من القيود وتطويع المؤسسات النقدية الدولية مثل البنك الدولي وصندوق النقد لخدمة سياسات النظام الرأسمالي في العالم .

مع وصول النظام الرأسمالي للهيمنة على مفاصل العالم ومحاصرة معارضيه كان من السهل التنبؤ بأن ذلك النظام سيخلق عالم مليء بالمشاكل والمتناقضات ولكن طبيعة السيطرة التي يفرضها النظام من خلال أدواتهِ الكثيرة واستطاعته على خلق مراوغة دائمة متبجحا بمجموعة من العناوين وعلى رأسها الديمُقراطية والقانون الدولي الذي لا يؤمن فيهما بالمطلق ، ولكنهُ يستطيع استخدامهما بشكلٍ جيد يزيد مِن عُمرهِ الافتراضي .

أقتبس نصاً من رواية البؤساء أعتقد بأنهُ حال العالم اليوم وبعد كورونا تحديدا :
” ذهب الطبيب معها وفحص جان فالجان وتحدث إليه ، وحين كان يهبط السُلم سألته زوجة البواب :حسناً أيُها الطبيب ما مرضه ..إنِهُ مريض جداًلكن مما يشكو من لا شيء .. ومن كُل شيء .. إنهُ كما أقدر قد فقد شخصاً عزيزاً جداً عليه .. وإن المرء ليموت بسبب ذلك . ”

العالم مريض ومُعتل يفتقدُ العدالة الاجتماعية ويعيش في ظروف من التناقُضات العارمة المُتعلقة بطبيعة النُظم السياسة والاقتصادية والظروف المُجتمعية لِكُل دولة في العالم ، وهذا الوضع هو المتوقع والطبيعي بعد ولادة النظام الرأسمالي الجديد الذي يتطور بحدة نحو الرأسمالية المُفترسة، فالعالم يُعاني بشكل مُستمر ويعيش انبعاث أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية بشكل متواتر ومُنفصل ، ولكن الجديد في زمن كورونا حدث انكشاف الحقيقة العالم المُزيفة ، ولهشاشة أنظمة كان من المُفترض أنها النموذج العالمي للقوة المُطلقة التي يُقتدى بها ..

هذا الانكشاف في ظلِ أزمةٍ اقتصادية خانقة شكل نقاط صراع وتحولات سياسية عبرت عن رفضها المُطلق للعيش في حقائق مُزيفة واقتصادات تطفلية تعيش على الاستثمار في حياة شعوب أخرى وبعضُها تجنح نحو القومية والتطرف في طريق البحث عن الهوية الذاتية للشعوب بشكل مُنفصل عن العالم مما يُشكل ذلك خطراً حقيقياً على المُتربصين بالديمقراطية والذين يبحثون عن فُرصة لخلق تحولات سريعة في النُظم الديمقراطية وتطويعها لتكون أنظمة شبيهة بالشرق الأوسط الذي يعيش أزمة حقيقة بين الرفض للنُظم الديمُقراطية وصعوبة الانتقال نحو تحقيق ذلك .

في علم النفس العالم تعرض لصدمةٍ كبيرة ومباغته أظهرت هشاشة العناوين الضخمة للأنظمة دونَ أن يترُك لها فُرصة لأخذ احتياطاتها لمواجهة الحدث ، فالإتحاد الأوروبي على سبيل المثال يعيش أزمة ثقة عائلية فلم يَعُد مُقنعا للمواطن الأوروبي بأن هُناك قاسم مُشترك يستحق أن يستمر الإتحاد من أجله ومن أجل ذلك يُعد الإتحاد الأوروبي خُطة إصلاحية ولكن هل ينجح !!

وفي أمريكا حيثُ تعيش أقذر الأنظمة الرأسمالية (( النيوليبرالية )) والرئيس المُستهتر (( ترامب )) الذي لا يرى شيئاً من العالم والحقيقة سوى الصراع مع الصين والتصرف بانعدام المسؤولية والاستهتار بحياة الشعب الأمريكي وتغييبُه عن الحقيقة والأزمات التي يخلقُها نِظامُه المحكوم بخلفية سرية في جميع بقاع العالم والويلات التي يتسبب فيها لشعوب كثيرة أضحت ضحية لهذا النظام الذي يُحاول بلا كلل تصوير نفسه كمثال للديمُقراطية والتقدمية والنموذج الاقتصادي الأنجع.

والحقيقة أن كورونا كشفت وجع الشعب الأمريكي من غياب العدالة الاجتماعية وخصوصاً في نظام الرعاية الصحية ووهم الاقتصاد الأمريكي الذي لم يتوقف مُنذ بداية الأزمة عن تكبُد الخسائر المُتتالية ، والتي خلقت حالة عارمة من البطالة والضياع والرفض لهذه العنجهية الضعيفة الغير مُبررة وكانت بحاجة لدافع صغير حتى يظهر الغضب والإحتقان الذي أصاب الشعب الأمريكي ، وكان شهيد العُنصرية (( جورج فلويد )) هو بداية الصراع الذي باعتقادي سيضع حداً لأطماع ترامب في خطته الغير مُعلنة لتغييب الديمقراطية وسيحرمهُ من الفوز بحُقبةٍ رئاسية ثانية ، وسيكون لهُ بالغ الأثر في الأيام القادمة على طريقة اختيار الرئيس الأمريكي وقُدرته على اتخاذ القرارات وطبيعة السياسة الأمريكية مع الشعوب إلا إذا استطاع ترامب بأن يُصدر صدمة كورونا بحربٍ عالمية ثالثة من أجل الحفاظ على استمرارية النظام الحالي وحمايته ، وكذلك استمرارا لتزييف الحقيقة التي يعيشها الشعب الأمريكي على دمِ شعوب العالم ..

في الحديث عن أمريكا والإتحاد الأوروبي أردت أن أضعكُم في إطلالةٍ على قوتين من أبرز القوى الاقتصادية والسياسية في العالم ، ولكن بالتأكيد العالم لا يقتصر عليهما فالحقيقة كورونا كشف الجميع وخلق حالة من الاحتقان البشري في ظروف اقتصادية واجتماعية صعبة عبرت فيها منظومة كبيرة من البشرية عن فقدان الأمل والثقة والانجذاب نحو السلبية المتطرفة التي يبحث الجميع من خلالها عن دائرة من العُنف تُصيب العالم أجمع وكأنهم يُريدون تفريغ المشاعر الدونية والقسوة التي تعرضوا لها بشكلٍ أشد وأكثر حدة في أزمة كورونا بذات الطريقة السريعة التي انتشر فيها كورونا ، وأصاب العالم بدون فواصل وأقواس وإستثنائات وكأن البشرية تبحث ُ عن الحرب ويظهرُ ذلك جلياً في نفسيات البشر والجرائم التي تطرقُ أبواب المُجتمعات بتفسيراتٍ عبثية ..

وباعتقادي المتواضع بأن الحرب هي حاجة مُلحة للعالم لأنها السبيل الوحيد لتهذيب سلوك العالم وإعادة ترتيب النظام العالمي بشكل إما يخلق نظام جديد مُختلف كُليا أو يُنذر النظام الموجود بضرورة إدخال تعديلات وإصلاحات حقيقة ، وقد يكون ذلك الطريق الأفضل لتجاوز أزمة الصراع الاقتصادي مع الصين بشكل أسرع لأن الحرب ستُجبر الطرفين على تجنُبها بشكل طاحن وستقودهما لطاولة المفاوضات وستقودنا للخلاص والتحرر من قيود النظام السابق ، وستُساعد الأمريكان ودولٍ أُخرى في العالم على تجنب الحرج الذي وقعت فيه إبان فشل منظومتها في التعامُل مع أزمةِ كورونا ، وبالتالي الالتفاف المُباغت على احتقان الشعوب مما يهيئ فُرصة لتهدئة الأوضاع وتهذيب السلوكيات يترتب عليها الحفاظ على نماذج ديمقراطية مُستقرة ، ورفع سقف الطموحات لدى شعوب العالم النامية في البحث عن نماذج أصلاحية تتناسب مع طبيعة حياتها وظروفها وتعميق الفجوة مع القوى المُستبدة والفاشلة التي تؤسس لترسيخ حياة الشعوب من أجل إنفاذ سياسة وبذخ الطبقة الحاكمة ، والتي ستبدأ الشعوب بمحاصرتها وعزلها رغبة في إحداث إصلاح حقيقي وحياة كريمة ، وذلك طبعا بالرهان على تجدد النظام العالمي وغياب أدوات الغطرسة والاستعباد لشعوب العالم ..

في النهاية حتى لا أكون كاذبا وخياليا ، أخشى أن تقودنا الحرب لنظام عالمي جديد أشدُ غطرسة وأنانية وبذلك نكون غيبنا الأنظمة الديمُقراطية وشجعنا الالتفاف نحو الأنظمة المُتطرفة ، وأصبح العالم أكثرُ عُزلة وشعوب العالم النامية ستعيش ُ أكبر أزماتها تحت وطأةِ أنظمة ستعمد على استغلال الفُرصة وستحول شعوبها لإسفلت تُعبد فيه الطريق لضمان إستمراريتها كما يحدثُ في كوريا الشمالية وغيرها.

..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق