ثقافة وادبزوايا

هند والدبلوماسي الكاتب: السفير منجد صالح

على هامش معرض الكتاب، أسبوع إحياء ذكرى رحيل الأديب والمُفكّر الفلسطيني د. عبد اللطيف عقل، في دار الرعاة، في وسط مدينة رام الله، التقيتها صدفة.

كانت تتجول في المعرض وتتفحّص الكتب المعروضة، ربّما كانت تبحث عن عنوان ما، من يدري؟؟

توقفت أمام الطاولة التي يمتطيها كتب عدّة، من ضمنها كتابي القصصي الجديد “إيسولينا وعجّة بالفلفل الأسود”، تأمّلته، ربما جلب انتباهها عنوان الكتاب وربما غلافه الجميل البديع.

تناولته بأصابعها وقرّبته إلى عينيها وتصفّحته بسرعة.

قلت لها:

إذا أعجبك الكتاب، فالكاتب سيزيّنه لك باهداء.

أجابت والبسمة تعلو مُحيّاها النضر:

عن جد والله!!! وأين الكاتب؟؟

أجبتها وأنا أضحك:

أنا الكاتب.

فضحكت وقالت موافقة، وحصلت على الكتاب وعلى إهداء الكاتب.

وافترقنا، سار كل واحد منّا في دربه.

لكننا التقينا ثانية، بعد أن عرفت أنّها شاعرة مُبدعة، غزيرة الإنتاج، لكنها قليلة الحظ والحظوة، فبعد كل هذه الفصاحة الشعرية، وهذا السيل المتدفّق من جماليّات اللغة، لم تستطع حتى اليوم من “انتاج” ديوان شعري واحد تجد فيه ذاتها وعصارة قريحتها الشعرية المبدعة.

والحقيقة أنني بقدر ما فاجأتني ايجابا وطربا من “فحولة” شعرها، بقدر ما فاجأتني سلبا وربما حزنا لأنه لم يصدر لها ولا ديوان حتى الآن، وكأنّه حرام على النبع أن يرى ماءه الزلال في قارورة ورديّة جميلة تخطّ عليها اسمها ورسمها وتوقيع قلمها.

قالت لي بمرارة:

هل لك أن تتخيّل أنّي أحتاج لألف ديوان وديوان، لكن سقطت ذاكرتي في مقايضة المال!!!

سألتها:

لماذا لم تأت لندوة اليوم التالي حول أدب غسّان كنفاني؟؟

فأجانتني:

كنت متوعّكة بعض الشيء، وأردفت:

“خشيت أن تفنى

طرقاتي التي تراها

فتقتفي أثري

بأكمام اللهفة

ايقظت المرايا

من صمتها المُتشظّي

والقمر في العتمة المرهقة

يفيض في ظلال الطرق

الموؤدة حنينا

الاك يلوح بأكفّ انتظاري

يتدثّر بظل الرحيل”.

قلت لها:

يا ندي هذه شذرات من الندى، شعرك بديع رقيق يجب أن يرسو بين دفّتي كتابٍ أنيق يليق بجمال نظمك.

ثمّ سألتني فجأة ودون سابق إنذار:

ما هو بُرجك؟؟ وأردفت دون أن تنتظر جوابا: أنت من برج العذراء أو الثور أو الجدي؟؟!!

ضحكتب بيني وبين نفسي وتمتمت: “شو لمّ الشامي عالمغربي”، كما يقول المثل الشعبي الفلسطيني، حيث أنّها جابت لي برجا “من الشام والآخر من حلب”، إذ لا صفات مشتركة بين الثلاثة أبراج التي أوردتها، وتُريد أن “تلصقها بي عُنوة!!”.

فقلت لها:

يبدو أنّه ليس لديك فكرة كاملة عن الأبراج يا عزيزتي. أنا لست من برج العذراء ولا الثور ولا الجدي!!!

فأنشدت مغرّدة قائلة:

قلت له أأنت

من النار

أو الماء

أو الهواء

أو التراب

فقال لي

في الزوايا البيضاء

وتردّد الضوء

تبقى زهرة الياسمين

الرماد جسدا

مائل بظل قامتي

وروحي هاجعة

ترتشف الصمت

قلت له أيقظت

ذاكرة النهايات

وفاضت حكمة

تستجير البدايات

وراودتني

فكرة تسحب الحديث

من استعاراته

لكنه راوغ

حواري في مخيلة

اللغة المُرسلة

وقال بمكر المجاز

الزمن الذي غادرني

ينثر ما تبقّى في

خريفك

وحضور الاجابة.

وألحّت أنه يجب أن أكون واحدا من هذه الأبراج الثلاثة، وأنّها لا تتصوّر أن يكون برجي غير ذلك!!! وقالت:

لدي حدسٌ قوي بأنك من الأبراج المائية؟؟!!

لقد سبحت بعيدا في معرفة بُرجي، فلست من الأبراج المائيّة ولكن من الأبراج المُناقضة تماما، من الأبراج التي يُطفؤها الماء.

قالت لي:

أنت تُراوغ معي، ولا تُريد أن تفصح لي عن مكنونات بُرجك.

أجبتها:

لو لم أراوغ ربما لما تفجّر نبع شعرك بكل هذا الجمال. إذن شُكراً لمُراوغتي.

فقالت لي وهي تضحك:

صدقت. أنت دبلوماسي مُراوغ!!!

كاتب ودبلوماسي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى