أقلام واراءزوايا

تبادل الأدوار في بث الإشاعات لتمزيق الشعب الفلسطيني بقلم :باسم برهوم

 لم تعد إسرائيل على ما يبدو بحاجة لأكثر من غرفة صغيرة وحاسوبين وشخصين، لتعمل بالإشاعات والافتراءات من خلالها على تمزيق وحدة وتماسك داخلي، فهناك غرف إقليمية ومحلية تقوم بالمهمة ذاتها وتتبادل مع الغرفة الإسرائيلية الأدوار أحيانا. تجربة الأسبوع الماضي مع نجاح الأسرى الستة الأبطال بالهروب وتحرير أنفسهم، ومن ثم إلقاء القبض عليهم، كشفت أن نجاح الأسرى وحدنا في الفرحة ولكن اكتشفنا في الوقت ذاته كم لدينا هناك من يصدق الإشاعات ويتبادلها دون أي تدقيق، وتمرير الافتراءات وكأنها حقائق.
هناك مثالان للكيفية التي تبث فيها الإشاعات، وكيف تتبادل الدوائر المتربصة بنا الأدوار، الأول: عندما تحدثت جريدة “الأخبار” اللبنانية، نقلا عن مصدر مجهول الهوية، قالت إنه مسؤول في فتح، بأن “السلطة وافقت على التعاون مع دولة الاحتلال لإلقاء القبض على الأسرى الستة بشرط ألا تقوم إسرائيل بتصفيتهم”. على الفور صحيفة تايمز أوف إسرائيل “Times of Israel”، وهي صحيفة يمينية متطرفة ومتوحشة في عنصريتها، وكانت قد أحلت أكثر من مرة قتل الفلسطينيين، تبنت هذه الصحيفة الصهيونية للنخاع خبر جريدة الأخبار، بالرغم من أنه لا يستند إلى مصدر واضح الهوية وقامت بالترويج للإشاعة نفسها بالرغم من أنها قالت إن أي مصدر إسرائيلي لم يؤكد لها صحة المعلومات، ولكن المهم أن يصبح الخبر الملفق متداولا ويجد من يروج له.
المثل الثاني، عندما فبركت وسائل إعلام إسرائيلية قصة  قالت إنها من مصدر أمني إسرائيلي مجهول بأن عائلة فلسطينية هي من بلغ الشرطة الإسرائيلية عن مكان الأسيرين في محيط مدينة الناصرة.
في كلتا الحالتين، ومما يؤسف له أن البعض منا قد وقع في مصيدة الإشاعات والافتراءات وأخذوا بعلم أو بجهل الترويح لها، وفي كلتا الحالتين يظهر أن الفلسطيني الذي هو الضحية بأنه جلاد نفسه وليس دولة الاحتلال الإسرائيلي.. ماذا يدل ذلك؟
هل نجحت إسرائيل والمستخدمون الكثر لورقة القضية الفلسطينية إقليميا بتشويه وعينا الوطني لهذه الدرجة، بحيث باتوا بأتفه الأساليب يجعلوننا، بإشاعات واضحة وضوح الشمس أنها مفبركة، أن  نستسهل أكل لحم بعضنا بعضا. ما حدث في الأسبوع الأخير من وقوع في فخ الدوائر الصهيونية ليس صدفة أو أنه ابن لحظة عاطفية، وعلينا أن نتذكر دائما أن الاحتلال وبهدف تمرير مشروعه الاستعماري التوسعي العنصري كان لابد من أن يمزق وحدتنا ويزرع الشك فينا ويمنع أن يثق بعضنا ببعض. وفي سياق تحقيق هدف تمزيقنا، خلقت إسرائيل أجهزة رسمية وغير رسمية ومتعاونة ومتناغمة ومتواطئة معها، وفي يومنا هذا سهل التطور التكنولوجي عليها مهمتها، فهناك مئات من المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي تعمل لخدمتها، وهذه المئات لديها ما يماثلها في الإقليم والعالم من المتواطئين.
صحيح أنها مواجهة صعبة، ولكن عندما يكون الوعي الوطني محصنا بما يكفي تصبح معركتهم هم أصعب. علينا أن نسأل أنفسنا كيف يمكن لفبركات مسندة إلى أشباح، إلى مصادر مجهولة أن تعبث بنا وبوعينا. وفي مثل صحيفة الأخبار اللبنانية وتناغم تايمز أوف إسرائيل معها، انكشف زيف الفبركات بسرعة عندما أعادت أجهزة أمن الاحتلال اعتقال أربعة من الأسرى الستة داخل إسرائيل، لقد نسي البعض أننا جميعا نعيش في  سجن كبير، كلنا تحت الاحتلال وكلنا ضحايا له.. فلماذا نستسهل أكل لحم بعضنا بعضا؟
إن مهمة الفصائل الوطنية الفلسطينية، وبدل أن تمتهن لعبة المناكفات غير المجدية لها وللشعب الفلسطيني أن نعمل على تحصين الوعي الوطني الفلسطيني أن تسهم في بناء ذاكرة فلسطينية جماعية راسخة يصعب اختراقها بسهولة، أن نهتم أكثر بمناهج التعليم لتبني إنسانا فلسطينيا معرفيا يؤمن بعقله ويثق بنفسه، هذا الإنسان فقط  يصعب انجراره خلف الإشاعات، بل ويقف بقوة للتصدي لها بعلمية. إننا بحاجة لورشة عمل وطنية كبيرة تستمر سنوات من أجل أن نكون محصنين وقادرين على ممارسة مقاومة تخدم أهدافنا أكثر ما تخدم أعداءنا.. لنبدأ اليوم قبل الغد.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى