أقلام واراءزوايا

إسرائيل دولة الخطيئة بقلم :عمر حلمي الغول

عندما قرأت مقابلة يعقوب شاريت المنشورة في صحيفة “هآرتس” يوم الاحد الماضي، ترجمة غانية ملحس، توقفت أمامها كثيرا لعدد من الأسباب، منها: أولا- أن الرجل ولد في إسرائيل، وعاش فيها طيلة سنوات عمره، حتى  بلغ من العمر عتيا، وأجرى المقابلة عشية عيد ميلاده ال 95، ومازال بكامل قواه العقلية، ويعي كل حرف نطق به جيدا. ثانيا- سليل عائلة صهيونية، وابن موشي شاريت، وزير خارجية إسرائيل الأول، وثاني رئيس وزرائها، والرجل الذي وقع على استقلال دولة إسرائيل، وعضو بارز سابق في الشاباك، وعضو سابق في عصابة البلماخ. ثالثا- بات منذ فترة مناهضا لدولة إسرائيل، ويدعو للهجرة منها.
النقاط الثلاث استوقفتني كونها تحمل دلالات سياسية مهمة، خاصة وان ما صرح به في المقابلة بالغ العمق والدلالة، وفيه استشراف عميق لمستقبل دولة المشروع الصهيوني الاستعمارية، الذي لا يعتبر جديدا، بيد انه جاء ليكرس القراءات السابقة المتنبئة بمآل دولة التطهير العرقي الإسرائيلية، وبحكم مكانة الصهيوني العتيد سابقا العائلية والعسكرية والأمنية.
ومن اهم ما ورد في مقابلته، وصوله لاستنتاج مفاده أن “دولة إسرائيل والمشروع الصهيوني (ولدت) في الخطيئة. هذا هو الحال”. قال هذا الرجل الذي خدم في البلماخ قبل قيام الدولة، وتطوع في اللواء اليهودي في الجيش البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية، وشارك في تأسيس كيبوتس في النقب، وخدم في جهاز الامن العام (الشين بيت) “هذه الخطيئة الاصلية تلاحقنا وستلاحقنا وتعلق بنا. نحن نبررها. وأصبحت تشكل خوفا وجوديا يعبر عن نفسه بشتى الطرق”. وخلص للنتيجة الأخطر بالقول “هناك عاصفة تحت سطح الماء”. واعتبر نفسه كان يتعامل مع دولة إجرامية”، بسبب انتمائه للمشروع الصهيوني، والتحاقه بعصابة البلماخ، وعمله مع الشين بيت، وكونه عاش وترعرع في ظل دولة إسرائيل المارقة.
وفي نهاية المقابلة، التي أجراها عوفر أديريت، التي استمرت لنحو عشر ساعات، قال “ببعض الوقاحة طرحت عليه السؤال الواضح. أردت أن أعرف ما إذا كان متأكدا من أن ما يقوله مدروس وقيل بعقل واضح.. ابتسم وأومأ برأسه، نعم”. ولم ينزعج من سؤاله، مع انه ادرك خلفية السائل السلبية، المشككة في سلامة عقله، لذا جاء جوابه هادئا جدا.
وفي تقديم عوفر له، قال عنه: “ابن الرجل الذي وقع على استقلال إسرائيل عام 1948 ينهي أيامه كمناهض للصهيونية، ويعارض الهجرة لها، ويشجع الهجرة منها، ويتنبأ بأيام مظلمة للبلاد، حتى انه يدعم البرنامج النووي الإيراني”.
في ضوء ما حملته المقابلة التي أجريت في بيت الرجل في تل ابيب من استنتاجات غاية في الأهمية، اعود لأطرح بعض الأسئلة ذات الصلة بها، هل جاءت مواقفه نتاج رد فعل على حدث ما له علاقة بشخصه، ام انها قراءة علمية؟ هل كان الرجل منفعلا ومتسرعا، او فاقدا للوعي؟ الم يؤكد يعقوب شاريت مواقف من سبقوه، بعضهم توافق في النتيجة مع استنتاجات شاريت الابن، كما ابراهام بورغ، رئيس الكنيست الأسبق، الذي رحل عن إسرائيل، وتخلى عن الصهيونية، وبعضهم رحل وهو متمسك بصهيونيته، ومنهم رئيس الوزراء الأول، ديفيد بن غوريون، الذي عبر عن فقدانه الامل بمستقبل دولة إسرائيل في حوار مع ناحوم غولدمان، رئيس الوكالة اليهودية في خمسينيات القرن الماضي، عندما سأله: هل لديك ثقة بان تدفن في دولة إسرائيل؟ كان الجواب، نعم، انا سادفن فيها، ولكن ابني لا اعرف ان كان سيدفن ام لا، اما حفيدي، فلست متأكدا من ذلك. وغير بن غوريون الكثير من القادة الصهاينة والكتاب والمبدعين وجنرالات الجيش لا يوجد لديهم يقين ببقاء إسرائيل. وتأكيدا على ذلك، بالأمس القريب عندما اجتمع نتنياهو، رئيس الوزراء السابق مع قادة اليمين المتطرف في نهاية العام 2019، خاطبهم بالقول: إذا احتفلت الدولة بعقدها الثامن، فهذا يعتبر إنجازا. والسبب ان مملكتي إسرائيل في الازمان الغابرة، لم تعمر أي منهما حتى العقد الثامن.
النتيجة العلمية وبعيدا عن اية حسابات دينية او عاطفية رغبوية، فإن مستقبل إسرائيل سيكون مظلما، وعاصفا ودمويا، لان حجم التناقضات الداخلية واسعة وعميقة وتناحرية. كما اشرت أمس في زاويتي هنا “إسرائيل ليست موحدة”، وبغض النظر عن حجم الدعم المالي والعسكري والسياسي والدبلوماسي الأميركي والاوروبي لدولة المشروع الصهيوني، فإن مآلها الانهيار والاندثار والتفكك. وبالتالي النتيجة التي خلص لها يعقوب شاريت، هي علمية بامتياز، لا سيما وان الرجل لم يفقدعقله، ولا وعيه، ولم يحكم على مستقبل دولة العنصرية والتطهير العرقي، التي ولدت في الخطيئة والظلام نتاج ردود فعل، بل جاء حكما واثقا وهادئا ويرتكز على أسس واقعية واجتماعية وسياسية وامنية وعسكرية، ومن خلال قراءته لتجربة مائة عام عاشها بطولها وعرضها في زوايا الحركة الصهيونية والدولة المارقة والخارجة على القانون، واطل بعمق على ما تعانيه من أزمات عميقة، قد لا نعرف الكثير من خفاياها، التي تمكن من الوقوف عليها، وعاش ابعادها. وعليه لننتظر وعد الأرض ولعنة التناقضات والخطيئة التي ولدت فيها الدولة، والذي لن يطول كثيرا حسبما اعتقد ايضا.
oalghoul@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى