أقلام واراءزوايا

نبيل عمرو والحلقة الرابعة من كتابه الجديد “أطول أيام الزعيم”

رام الله – “القدس” دوت كوم – تنشر “القدس” بنسختيها الورقيّة والإلكترونية الحلقة الرابعة من كتاب القيادي الفلسطيني نبيل عمرو “أطوّل أيام الزعيم” والذي يوثق فيه “الأيام الأولى بلا بيروت”، بعد خروج منظمة التحرير منها. لقراءة الحلقة الأولى (اضغط هنا)، ولقراءة الحلقة الثانية (اضغط هنا)، ولقراءة الحلقة الثالثة (اضغط هنا).

القائد العام يتصرف في حالة الصفاء ‏بمنتهى الرقة واللطف مع من يعملون ‏معه. ‏
طلب مني بلهجة متوسلة:‏
‎ -‎معلش يا خويا تسمح تنادي لي فتحي ‏من برة؟
‎ – ‎حاضر‎ ‎
نهضت، تسلقت الدرج، كان فتحي ‏واقفا على ناصية الشارع.‏
‎ – ‎فتحي الختيار عايزك.‏
عدة القاب يتداولها المتعاملون مع ‏عرفات.‏
القائد العام، غالبا ما يستخدم من قبل ‏القوات وقادتهم. والرئيس يستخدمها ‏السفراء والمدنيون والأجانب، والختيار ‏هو اللقب المفضل عند حراسه ‏والعاملين في مكاتبه، اما ابو عمار فهو ‏المفضل عند الغالبية ممن يتحدثون ‏عنه واليه‎.‎‏ اما ما يفضله هو.. فهو ‏اللقب الذي ينادى به، حسب الموقع ‏الذي يكون فيه، والرئيس هو المفضل ‏حين يكون في زيارة رسمية لبلد ‏اجنبي.‏

انشغل عن أوراقه. رأيت ان الوضع ‏صار مواتيا لإدارة حوار معه حول ‏التباطؤ في انهاء المفاوضات الجارية ‏مع فيليب حبيب والتي يؤديها عن ‏الجانب الفلسطيني العميد سعد صايل ‏أبو الوليد، من خلال ضباط المكتب ‏الثاني اللبناني، حيث كان المبعوث ‏الأمريكي اللبناني الأصل ممنوعا من ‏الاتصال المباشر مع عرفات او أي ‏أحد من طرفه، ذلك وفق قرار كان قد ‏أوصى به كسينجر واتخذه الكونجرس ‏كتشريع وصار ملزما للإدارات جميعا‎.‎
سألته‎ :‎
‎ – ‎اين وصلت جهودك في امر ‏الحصول على ثمن سياسي لقاء ‏الرحيل؟
أجاب:‏
‏-‏‎ ‎‏ ها نحن نحاول، طلبت دعما من ‏السعوديين والمصريين والفرنسيين ‏والسوفيات وغيرهم.. كلهم وعدوا ‏خيرا، ولكن حتى الان لم تصلنا اية ‏إشارة تدل على استعداد الأمريكيين ‏للاستجابة‎.‎
واستدرك قبل ان أسأل:‏
‏-‏‎ ‎‏ ماذا اطلب منهم، ليس الكثير، ‏الاعتراف بنا او فتح حوار معنا. ‏وأضاف لتعزيز عدالة ومنطقية طلبه: ‏يا سيدي مسامحين في الاعتراف ‏الرسمي المباشر على الأقل يحكو معنا ‏او يلمحوا باعتراف بحقوقنا السياسية‎.‎
سألت:‏
‎ – ‎هل ابلغ حبيب اللبنانيين الذين ‏يعملون كوسطاء بيننا، انه متفهم او ‏متعاطف، فموقفه الشخصي يساعد ‏كثيرا‎ ‎
أجاب:‏
‎ – ‎لم يقولوا شيئا عن موقفه الشخصي، ‏ويبدو انه لا يتحدث معهم في امر ‏كهذا، خلينا نستنا شوي يعني كام يوم، ‏يمكن يحصل تطور.‏
كان عرفات يفكر وربما حد الاقتراب ‏من اليقين، بأن حرب لبنان الطويلة ‏فتحت نافذة امل باحتمال تغير ‏دراماتيكي في الموقف الأمريكي ‏تجاهه، وتجاه سعيه الدؤوب للدخول ‏في نادي التسوية الذي تملك واشنطن ‏اقفاله ومفاتيحه وختم العضوية ‏المعتمدة فيه. ‏
كان يعتقد ان الشروط الموضوعية ‏لاعتماده شريكا في المعادلة السياسية ‏الشرق أوسطية قد تعززت بصموده ‏في حرب غير متكافئة مع إسرائيل، ثم ‏ان رهانه على ان كل يوم صمود هو ‏خطوة لدخول المعادلة. كانت هذه كلمة ‏السر في مناوراته وتكتيكاته لإطالة امد ‏الحرب. لم يكن رهانه هذا مضمونا، ‏ذلك أن إسرائيل لم تقم بهذه الحرب ‏الواسعة التي تكبدت فيها خسائر فادحة ‏من اجل ان تخرجه من النافذة ‏العسكرية لتدخله الى المعادلة من الباب ‏السياسي. كان يتجاهل أي تحليل يقال ‏له ويفضي الى ان شارون ما جاء الى ‏بيروت لإخراجه من تلك العاصمة ‏النوعية والفعالة في مجال السياسة ‏والاعلام والعلاقات الدولية، الا لأنه ‏شعر باقتراب الظاهرة الفلسطينية التي ‏يقودها ياسر عرفات من الحصول على ‏اعتراف دولي يجعل قيام الدولة ‏الفلسطينية مسألة وقت. ‏
لم يكن ليصغي لهذا التحليل لأنه لم ‏يكن راغبا في احباط نفسه وتقويض ‏رهاناته. ‏
في جلسة محدودة حضرها أبو اياد ‏وأبو جهاد وأبو الوليد من اجل ارسال ‏خطاب سياسي للمبعوث الأمريكي ‏فيليب حبيب اصر عرفات على ان ‏يكون الاعتراف الامريكي او الوعد به ‏هو المعادل السياسي لمغادرة بيروت. ‏حاول الثلاثة ثنيه عن استخدام كلمة ‏‏”الشرط” واستبدالها “بالمطلب”، اصر ‏على الصيغة التي طرحها وكتبت ‏بالفعل وحملها الجنرال أبو الوليد ‏ليرسلها عبر ضباط الارتباط اللبنانيين ‏الى السيد فيليب حبيب. ‏
قال أبو اياد ليلتها:‏
‏- مع انني غير متأكد من احتمال ‏استجابة الأمريكيين لهذا الشرط الا ان ‏المحاولة لا تضر.‏
كان أبو اياد أكثر براغماتية في التحليل ‏واستنتاج الخلاصات.‏
كلمة سر أخرى لإطالة امد المعركة ‏رغم الخسائر التي ازدادت في ‏منتصف الحرب هي ان عرفات كان ‏يفكر في وضع الثورة الفلسطينية ‏ومنظمة التحرير والقضية الفلسطينية ‏ووضعه السياسي والقيادي بعد ‏الخروج من القاعدة الأهم التي كانت ‏قاعدة قوته الرئيسية، أي الساحة ‏اللبنانية.‏
كان ملزما بالتفكير الجدي في هذا ‏الاتجاه، لأن خسارة الساحة اللبنانية ‏بعد خسارة الساحة الأردنية وخوفه ‏على القرار المستقل من سطوة الساحة ‏السورية وقائدها. كل هذه الخسارات ‏تستحق الخوف.‏
لقد خشي وكان محقا في ذلك، من ان ‏يتحول وجوده في جغرافية الصراع ‏المسلح مع إسرائيل، الى مجرد وجود ‏رمزي مثل مكاتب محدودة الفاعلية في ‏العاصمة عمان، وقوات محدودة العدد ‏تحمل اسم قوات بدر التابعة لجيش ‏التحرير الفلسطيني. وهي بالجملة ‏والتفصيل تحت اشراف كامل من قبل ‏جهاز الاستخبارات العسكرية الأردنية، ‏ومكتب متواضع يتولى دفع الرواتب ‏لأسر الشهداء والأسرى. وهذا لا يعني ‏شيئا يذكر بالقياس لما كانت الأمور ‏عليه قبل ذلك الـ “أيلول الحاسم”. ‏
الساحة السورية التي ستستقبل معظم ‏القوات الفلسطينية الخارجة من ‏بيروت، هي ساحة تشكل قيدا على ‏عرفات وليس ميزة له. من اجلها ابتكر ‏مصطلح القرار المستقل، ذلك ان نظام ‏حافظ الأسد لم يكن حليفا للثورة ‏الفلسطينية بل كان صاحب مشروع ‏للاستيلاء على قرارها. ‏
مصادر الأمان لعرفات كانت بعيدة ‏عنه في الجغرافيا والسياسة: مصر ‏ذهبت بعيدا في علاقاتها المستجدة مع ‏إسرائيل، كان يشعر بعطف المؤسسة ‏المصرية عليه الا انه لم يكن ليعتبر ‏الساحة المصرية مجالا حيويا لمواصلة ‏حروبه التي لا تتوقف. إذا.. ما بعد ‏بيروت هو انتقال من جغرافيا الحرب ‏مع إسرائيل التي انتهت الى جغرافيا ‏الحل السياسي معها، والذي لم يتحدد ‏وضعه فيها بعد.‏
‏-‏‎ ‎‏ فتحي، كأني اسمع دوي طائرة من ‏بعيد دقق في الجو وركز سمعك‎.‎
كانت السماء صافية فنحن في أواخر ‏آب، صفاؤها يشي بأنها تتواطأ مع ‏الطيران الإسرائيلي الذي يفضل العمل ‏في أجواء كهذه‎.‎
نظر فتحي ناحيتي. لمحت تشككا من ‏جانبه فيما قاله الزعيم ولكنه صدع ‏للأمر وغادر مسرعا‎.‎
خمس دقائق غاب فتحي عنا وحين عاد ‏قدم تقريرا أزعج القائد العام‎ ‎
‎ – ‎لا طائرات، كل ما في الامر يا ‏ختيار ان مرور السيارات من فوق ‏الشارع الرئيسي يحدث اهتزازات تبدو ‏كما لو انها صوت طائرة.‏‎ ‎
قول كهذا لم يعجبه، لقد رأى فيه ‏تشكيكا بقدراته العسكرية، وموهبته في ‏الاستنتاجات الدقيقة حتى وفق اقل ‏المؤشرات. زمجر قائلا:‏
‎ -‎يعني يا فتحي انا بتوهم… بتخيل… ‏بحلم، لما بقللك في طيران في الجو ‏يعني في‎.‎
نظر الي كأنه يطلب مني تأكيد ما ‏ذهب اليه وسأل:‏
‎ – ‎انتا سامع‎. ‎
ولكي أفلت من الحرج، حيث لم أكن ‏اسمع شيئا، قلت مخاطبا فتحي:‏
‎ – ‎يا أخي اخرج الى الشارع وتأكد.‏
وبينما كان الشاب يغادر مغلوبا على ‏امره، امطره الزعيم بوابل من كلمات ‏التوبيخ: الله يلعن اللي علمك العسكرية، ‏معقولة ما بتميزش بين صوت الطيارة ‏واهتزاز الشارع.‏
ولكي يظهر ان توبيخه ينطوي على ‏قدر من الدعابة ضحك وقال:‏
‏- الظاهر فتحي مش عايز يخوفنا.‏
‎ ‎
رئيس جهاز الاستخبارات وهو الرجل ‏المفترض ان يظل في كل الحالات ‏على مقربة من الزعيم، اقتحم جلستنا، ‏أدى التحية العسكرية، مع انه كان ‏يرتدي لباسا مدنيا، وقال بلهجة ‏متعجلة‎:‎
‎ – ‎يلا قوموا معي، الناس عرفت انك ‏هون‎.‎‏ كنا نظن اننا في مكان يستحيل ‏على أي أحد الشك بأن القائد العام ‏يتواجد فيه، كرر رئيس الاستخبارات.‏
‏- ‏‎ ‎يلا بسرعة في طيارة في الاجواء
احب طرق الحديد وهو ساخن، ورغم ‏خطورة الحالة التي نحن فيها، الا انه ‏وجد متسعا لترف اثبات سداد رأيه ‏وخطأ تقدير فتحي، نظر الي وقال:‏‎ ‎
‎ – ‎مش قلتلكم انا سامع صوت طيارة‎ ‎‏.‏
قال رئيس الاستخبارات في الحاح منه ‏لإغراء الزعيم. للاسراع في مغادرة ‏المكان‎:‎
‎ – ‎يلا معاي عندي مكان ولا الجن ‏الأزرق يمكن ان يفكر فيه.‏‎ ‎
حشرنا أنفسنا في سيارتي غير ‏المصفحة والتي لم تستبدل بعد، راح ‏رئيس الاستخبارات الجالس الى جانبي ‏يوجه فتحي، ثم أخيرا قال‎ :‎
‎ – ‎هنا توقف.‏
‏- ما هذا؟ نتحصن في بناية زجاجية؟ ‏ان مجرد تفريغ صوت الطائرة يحولها ‏الى كومة من شظايا فما بالك لو ‏انفجرت قنبلة فيها او الى جوارها‎.‎
‏-‏‎ ‎‏ ولا يهمك يا ريس مين بيخطر بباله ‏إنك في بناية زجاجية وفي شارع ‏الحمرا والى جوار السينما‎ ‎‏.‏
منذ ولوجنا البناية الزجاجية بدا لنا ان ‏رئيس الاستخبارات يعيش في زمان ‏ومكان مختلفين تماما. كل شيء يدل ‏على ان لا صلة لهذا المكان بالحرب. ‏بلاط رخامي لامع ونظيف كما لو انه ‏مرآة او انه يغسل كل ساعة، وصوت ‏مولد الكهرباء‎ ‎الذي يصم الآذان يعلن ‏ان المصعد جاهز لنقلنا الى الدور ‏الخامس.‏
انفرج باب الشقة التي تحتل الطابق ‏بكامله عن مشهد مترف يقول بجملته ‏وتفاصيله ان الحرب هي في أي مكان ‏آخر. القى الزعيم بجسده على الكنبة ‏الطرية ذات الغلاف المخملي الناعم، ‏صفّر وهذه طريقته في اظهار ‏الاستغراب مما يشاهد، وقال مداعبا ‏رئيس استخباراته:‏
‎ – ‎اش اش ايه الي انتا عاملو؟
راح يجول بناظريه على أشياء الشقة ‏المترفة، فأجاب رئيس الاستخبارات:‏
‎ – ‎كلو يا ريس من فضلة خيرك‎ ‎
رد عليه:‏
‎-= ‎خيري منين يا حسرة‎ ‎
وصمت وكأني به امتنع عن ان يقول:‏
‏- منذ ساعات لم نجلس جلسة مريحة ‏ولم يدخل جوفنا أي شيء.‏‎ ‎
كانت الساعة المثبتة على الحائط تشير ‏الى الحادية عشرة صباحا. كنا ‏مستمتعين باسترخاء نادر كما لو اننا ‏نجلس في أحد الصالونات الملحقة ‏بكازينو لبنان، او لوبي فندق السان ‏جورج. تقدم منا شاب اسمر البشرة ‏يرتدي بدلة بيضاء ونظيفة ومكوية ‏بعناية، وقميصا ثبتت تحت ياقته ‏فراشة مخملية يسميها خبراء الاناقة ‏بالبابيون. كان يحمل بيده اليمنى ‏صينية فضية شديدة الالتماع، وعليها ‏اكواب من عصير برتقال طازج، اما ‏يده اليسرى فقد وضعها خلف ظهره ‏وفق تعليمات مدربي عمال خدمات ‏الضيافة في المطاعم الفارهة ‏والصالونات. ‏
لم يكن لدينا ترف الاعتذار او حتى ‏اظهار الرصانة ونحن نختطف اكواب ‏العصير كي ندلقها في جوفنا. الزعيم ‏الذي لا يمرر حكاية كهذه مرور الكرام ‏قال‎:‎
‎ – ‎هو ده برتقال طازة ولا علب؟
أجاب المضيف:‏
‎ – ‎هو انا معقول اسقيك عصير علب، ‏صدقا طازة 100‏‎%‎‏.‏

كانت بيروت في الثلث الأخير من ‏الحرب قد خلت تماما من الفواكه ‏والخضار الطازجة، وحتى ملك البطيخ ‏الذي كان أشهر وابذخ معرض فواكه ‏وخضار ويحتل مكانا هاما في بداية ‏شارع كورنيش المزرعة، لم يعد فيه ‏سوى بعض معلبات، ما اظهر التحول ‏المأساوي لأشياء المدينة الباذخة.‏‎ ‎
سأل:‏
‎ ‎‏-‏‎ ‎من اين حصلت على البرتقال ‏الطازج؟ لم يعد في المدينة ولو حبة ‏واحدة.‏‎ ‎
ضحك رئيس الاستخبارات وقال:‏
‎ – ‎هذه هدية من اللي بيني بينك‎ !‎
سأل: ‏
‎ – ‎هو انت بتشوفو؟
أجاب رئيس الاستخبارات:‏
‎ = ‎في أوقات متباعدة ولكني على ‏اتصال يومي معه.‏
سألت موجها حديثي الى رئيس ‏الاستخبارات ومن هو الي بينك وبينو؟
اشاح الرجل بوجهه مظهرا حرصا ‏على الاحتفاظ بأسرار خطيرة، الا ان ‏الزعيم قال بلا اكتراث وبصورة ‏تلقائية‎.‎
‎ – ‎بشير الجميل، هو في غيرو بودي ‏برتقال طازة.‏
كان لدى الزعيم فصيل ضخم من ‏رجال ونساء يقيمون صلات مع قادة ‏ذوي شأن في الجانب الاخر اكثرهم ‏شهرة ولمعانا كان الشهيد أبو حسن ‏سلامة. كانت علاقاته بقائد المليشيات ‏المسيحية المحاربة للوجود الفلسطيني ‏في لبنان بشير الجميل أقرب الى ‏الصداقة. اما شقيقه امين الذي صار ‏رئيسا للجمهورية اللبنانية فيما بعد، فقد ‏كان على صلة وثيقة بالقائد الفتحاوي ‏التاريخي أبو اياد. زاره مخترقا ‏الحصار المحكم حول الجزء الغربي ‏من بيروت حيث يتجمع القادة ‏الفلسطينيون واللبنانيون المستهدفون ‏بالإبادة من قبل إسرائيل‎.‎
اما عرفات فكان يحرص على لقاء أحد ‏قادة حزب الكتائب بصورة مستمرة هو ‏السيد كريم بقرادوني، الذي أصبح فيما ‏بعد رئيسا للحزب.‏
‎ ‎وهكذا فقد كانت العلاقات مع مفاتيح ‏القوى على الجانب الاخر تشمل كل ‏المستويات من الصف الأول حتى ‏الأخير‎.‎
همست في اذنه:‏
‏- هل مضيفنا يعرف بالرسالة القادمة ‏من أمريكا؟
أجاب:‏
‎ – ‎الرسالة مغلقة لي ولكن كويس اللي ‏فكرتني‎. ‎
وابلغ رئيس الاستخبارات بفحوى ‏الرسالة التحذيرية وقال مازحا:‏
‎ ‎‏-‏‎ ‎هي انا يا سيدي بشتغل مخبر عندك ‏بدل ما تقللي انتا بقللك انا؟
مالت بنا البناية الزجاجية كما لو انها ‏آخذة بالسقوط. شاهدنا من النوافذ مطرا ‏من شظايا زجاج ينهمر بفعل قوة ‏الانفجار المكتوم الذي سمعناه وعلى ‏نحو تلقائي، نهضنا جمعيا وهرولنا ‏ركضا الى الطابق السفلي. تخلينا عن ‏ترف الهبوط في المصعد ففي حالات ‏كهذه ينطوي الامر على مجازفة. ‏وصلنا أخيرا الى مدخل البناية ‏الرخامي وتجمعنا في غرفة البواب ‏الضيقة القريبة من مولد الكهرباء، كان ‏صوت المولد يصم آذاننا حتى انه لم ‏يكن بمقدورنا ان نسمع بعضنا. امر ‏الزعيم بوقف المولد.‏
خرجنا من الغرفة الضيقة ووقفنا قرب ‏باب مدخل البناية، شاهدنا مجموعات ‏من الناس تغادر المكان متجهة ناحية ‏الشرق، قدّرنا اول الامر انهم هاربون ‏بفعل صوت الانفجار القريب، الا ان ‏أحدهم قدم لنا الحقيقة المؤلمة، اذ قال ‏صارخا ودون وجل:‏
‎ – ‎كله من تحت راسكم الله يورينا فيكم ‏يوم يا فلسطينية‎.‎
رغم قسوة الكلام الا اننا لم نفاجأ به. ‏كنا نعرف ان رأيا عاما بدأ يتشكل في ‏بعض بيروت حول جملة كهذه. لم يكن ‏كله تلقائيا بل كانت اذاعات فعالة تبث ‏على مدى أربع وعشرين ساعة ‏تحريضا من هذا النوع. ومع انهيار ‏عمارات بكاملها وبعضها على رؤوس ‏ساكنيها، ومع فقدان الامل بنجدات ‏تأتي من أي مكان، بدأ يتسع نطاق ‏السخط إلى حد المجاهرة به. تبادلنا ‏النظرات. لم يكن بوسعنا ان نقول شيئا ‏امام قسوة كهذه.‏‎ ‎
قال قولته التي تكررت كثيرا:‏
‏-‏‎ ‎‏ كان الله في عون الناس‎.‎

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى