أقلام واراءزوايا

عنف وجريمة في المجتمع العربي في الـ48…من المسؤول؟ .. بقلم :باسم برهوم

يكاد لا يمر صباح دون أن نقرأ أو نسمع خبرا عن جريمة قتل لامرأة أو رجل، شابة، أو شاب، أو عن شجار بين عائلات في المجتمع العربي الفلسطيني داخل مناطق عام 1948. ويكفي الإشارة الى أنه ومنذ مطلع هذا العام قد قتل أكثر من 70 إنسانا، كما قتل في عام 2020 في العنف الداخلي 97 إنسانا، هذا غير الجرحى أما بشكل مباشر أو خلال اشتباكات عنيفة بين عائلات لأي سبب كان.
كل ما يجري هو تعبير عن مجتمع مأزوم يعاني من التهميش، ومن ضغوط كبيرة وإحباط متراكم، مع غياب اي أفق بمستقبل يؤمن لهم المواطنة المتساوية والحرية التامة في التعبير عن الهوية.
عندما حدثت الكارثة الكبرى، نكبة سنة 1948، وبعد تشريد أكثر من 800 الف فلسطيني، في إطار سياسة التطهير العرقي التي خطط لها بن غوريون، بقي ما يقارب ال 150 الف فلسطيني في ذلك الجزء الذي أصبح يطلق عليهم “عرب إسرائيل” وهم يمثلون اليوم أكثر من مليون ونصف المليون، أي ما يعادل خمس السكان. ومنذ البداية تعاملت السلطة الإسرائيلية مع أصحاب الارض الأصليين على اعتبار انهم ” اعداء في الداخل ” وفرضت عليهم الحكم العسكري مدة 19 عاما من 1948 وحتى عام 1967.
لقد وجد هذا الجزء العزيز الصامد من الشعب الفلسطيني نفسه في واقع لا يمكنه خلاله من التعبير عن هويته الوطنية، والثقافية بحرية. وجدوا أنفسهم في ظل نظام من التمييز العنصري وغياب المساواة، بالاضافة الى التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي. والى جانب نقص الميزانيات للمجالس المحلية، وتعمد السلطات الإسرائيلية إهمال البنى التحتية في البلدات العربية، وواصلت سياسة التهويد ومصادرة الارض ومحاصرة المدن والبلدات والقرى التي اكتظت بالسكان.
لقد نفذت السلطة الإسرائيلية سياسة ممنهجة ليأكل المجتمع نفسه من الداخل، وتركت الأسلحة تتسرب، وعصابات العالم السفلي تنمو وتترعرع. وتقدر الاوساط الأمنية الإسرائيلية أن هناك ما يقارب من نصف مليون قطعة سلاح في المجتمع العربي، كما لم يشهد هذا المجتمع أي خطة حقيقية لتنميته اقتصاديا واجتماعيا، مع إهمال التعليم والصحة، فكانت نتيجة كل ذلك تفشي العنف والجريمة.
من دون شك أن الحكومات الإسرائيلية المتتالية هي المسؤول الرئيسي عن هذا الواقع المؤلم، وهي تعمدت أن تصل الأمور الى ما وصلت اليه، ولكن هناك مسؤولية تقع على المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل، وخاصة مؤسساته السياسية والثقافية والاجتماعية، التي كان تأثيرها محدودا في تغيير بعض العادات البالية، واستمرار العائلية المتعصبة العمياء، ولم يسجل نجاح في خلق مجموعة ضغط قوية من العرب واليهود المؤمنين بالمساواة، مجموعات تعمل بشكل يومي مع المؤسسة التشريعية والتنفيذية الإسرائيلية، وتحاول أن تفرض عليها إلغاء قوانين أو سن اخرى، والتدخل عند وضع الميزانيات بهدف زيادة حصة البلديات العربية.
ويحتاج المجتمع العربي الى مجلس تخطيط مركزي يتعاون مع البلديات ومجالسها ومجالس القرى، لوضع رؤية شاملة لمستقبل البلدات العربية، فالحجة الواهية التي تختبئ خلفها السلطة الإسرائيلية أحيانا، أن المجتمع العربي لا يعرف ما يريد ويفتقر للقدرة على التخطيط بعيد المدى. ان ما يحتاجه المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل هو تمتين وحدته وتضامنه ومأسسة كل أشكال النضال من أجل إلغاء التمييز وفرض المساواة.
لدى اسرائيل رغبة كاملة ليس فقط بتفكيك المجتمع العربي وتحويله الى مجتمع فاشل، وإنما أيضآ ترحيله التدريجي، أي تنفيذ ترانسفير بطيء، وهنا يكمن الخطر الذي لن يستثني احدا.
الحكومة الإسرائيلية الحالية تقول انها مهتمة بمعالجة ظاهرة العنف والجريمة، وقد يكون بالفعل هناك أحزاب او حتى وزراء مهتمون فعلا بهذه المعالجة، ولكن حتى الان لم تخرج أية خطة جدية وحقيقية من هذه الحكومة، فالمسألة لا تقتصر على زيادة عدد مراكز الشرطة أو عدد رجال الشرطة، بالرغم من أهمية ذلك، ولكن ما يحتاجه المجتمع العربي هو قوانين وتشريعات تحقق المساواة، وأن يحصل المواطن العربي الفلسطيني، على الحصة ذاتها التي يحصل عليها اليهودي من الموازنة.
ولكن السؤال هل ستتخلى إسرائيل عن عنصريتها؟
المسألة خاظعة لنضال طويل النفس، ولكن لنبدأ بإصلاح داخلنا أولا.

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى