ثقافة وادبزوايا

فدوى طوقان القهوة.. ترحاب! حسن حميد

يكاد المرء، وهو يطبق كتاب رحلة جبلية للشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان، يطبق على نفسه صخرة كبيرة/ ثقيلة لأنّ الكتاب سيرة ذاتية تتحدّث فيها الشاعرة عن وجوه المعاناة التي عاشتها داخل أسرتها من جهة، والمعاناة التي عاشتها في مدينة نابلس من جهة أخرى في أوائل القرن العشرين المنصرم، لأنّ العادات والتقاليد كانت صارمة، ويضاف إليها الأعراف التي آمن بها الناس حتى باتت أشبه بالقانون أو الأوامر اليومية، كما يضاف إليها التصوّرات تجاه الفتيات اللواتي يطلبن المعرفة والعلم أسوة بالذكور، وحرمانهن من معرفة ما في المدارس من أدراج سترتقي بهن إلى عوالم أخرى، أقلّها تجاوز بعض العادات والتقاليد والأعراف التي راحت تضيّق على الفتاة، وفي سنوات عمرها الأولى، فتحول بينها وبين القراءة والكتابة والتعلّم حتى في الكتاتيب التي افتتحت في البيوت، وتدرس فيها المرأة أحياناً.

ولدت الشاعرة فدوى طوقان سنة (1917) في أسرة غنية، ولكنّها محافظة جدّاً، أسوة بالأحوال الاجتماعية المعروفة في مدينة نابلس، ولم تكن لهذه الأسرة من اختراقات كبيرة للأبعاد الاجتماعية، لأنّها رضيت بما رضيت به الأسر النابلسية.

خصوصية الأسرة وغناها شجّعا الوالد على إرسال فدوى إلى المدرسة لتدرس المرحلتين الابتدائية والإعدادية، وبعض صفوف المرحلة الثانوية، ثم حرمت من مواصلة التعليم، مع أنّها احتجّت كثيراً، وبكت كثيراً، ولكن الأعراف أيامذاك هي الأعراف، فغدت فدوى طوقان حبيسة البيت، وفيه بنت فدوى طوقان طقوساً تعليمية خاصة بها داخل غرفتها التي تعيش فيها، وبمساعدة أخيها إبراهيم طوقان الذي كان نصيرها في أن تكمل دراستها، لكنّه لم يكن صاحب تأثير كبير داخل أسرته وبوجود والده، ولا سيما حين مضى ليكمل دراسته في الجامعة الأمريكية في لبنان.

درست فدوى طوقان وتعلّمت وحازت على المعرفة بجهد ذاتي ومن خلال الكتب المتوافرة في مكتبة البيت أولاً، ومن خلال الكتب التي اقتنتها ثانياً بمساعدة أخيها إبراهيم الذي كان يرفدها بأهم الكتب الصادرة في بيروت، وحين بدأت بكتابة قصائدها الأولى كان إبراهيم أستاذها الذي علّمها بحور الشعر حتى أتقنتها، وكان أستاذها أيضاً الذي يجيز نشر القصيدة حين يثني عليها.

وقصيدة إثر قصيدة راح اسم فدوى طوقان يشعّ بحضوره الشعري في صحف مصر ومجلاتها، وفي المنابر الأدبية في بيروت ودمشق والقدس وبغداد، وقد بدت صوتاً شعرياً مهمّاً يوازي صوت أخيها إبراهيم الشعري ولكن من دون الغضب والحدّة الثورية التي ميّزته.

فدوى طوقان في سيرتها الذاتية، تروي توكيداً أنّ إبراهيم طوقان لم يكن أخاً لها فحسب، بل كان الأستاذ والموجّه والأب الروحي لشعرها، وكان الجهة الأهم التي وجّهتها لتكون صاحبة ثقافة ورؤية من جهة، وصاحبة صوت شعري وطني وإنساني من جهة أخرى يعبر عما حلّ في وطنها الفلسطيني من خلال فاصلتين زمنيتين أولاهما عام 1948، وثانيتهما عام 1967، وهي تروي في سيرتها أنّ الوزير  الصهيوني (دايان) اقتحم وجنده بيتها في نابلس، وطلب منها أن تصنع القهوة، فقالت له: أنت دخلت بيتي كمحتل، وغازٍ، وصاحب قوّة، وأنا لا أستطيع منعك من الدخول، لكنني أستطيع ألّا أصنع لك القهوة لأنني أحبّ وطني، القهوة شراب ضيافة يقدّمه أهل البيت للضيف، وأنت لست ضيفاً، أنت وجه الاحتلال، وليست فدوى طوقان، شاعرة فلسطينية، هي التي تصنع لك القهوة/ الضيافة! فالقهوة ترحاب، وأنت غير مرحّب بك في بيتي، ولا في نابلس، بل وفي فلسطين كلّها!

فدوى طوقان، وبهذا الموقف كانت أهمّ ألف مرّة من غوته الألماني الذي رحّب بنابليون بونابرت في أثناء احتلاله لـ فيمار، لقد رحّب به بألف طريقة وطريقة، وتمنّى ملاقاته والحوار معه، والفارق هنا تتبدّى عائديته للتربية، فقد تربّى غوته تربية سياسية سوّغت الانحناء، في حين تربّت فدوى طوقان على المواجهة حتى لو كانت الروح هي الثمن.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى