أقلام واراءزوايا

لماذا ذهب نتنياهو وعباس إلى الصين؟ … بقلم : سام شستر

198690

في الأسابيع الأخيرة، قام الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة الصين. وكانت تلك هي المرة الأولى التي تستضيف بها بكين بشكل متزامن قائدي الأمتين المتخاصمتين. وعندما بحث الرئيس الصيني الجديد موضوع السلام مع عباس، هرول الإعلام الصيني إلى وصف الزيارتين المرتبطتين زمنياً بأنهما دليل على أن الصين قد نضجت في الشرق الأوسط، وصورت القوة الشرق آسيوية التي تزداد اعتماديتها على النفط العربي باطراد مع مرور كل عام، على انها مستعدة للعب دور أصيل في عملية السلام. وقال أحد المحللين البارزين إن مبادرة السلام التي قدمها الرئيس الصيني الجديد لعباس شكلت “تحولاً كبيرا في السياسة الخارجية للصين”.
بتبنيهم لهذا السرد، ابتلع المراقبون القصة التي أرادتها بكين، بينما فات عليهم السبب الرئيس لزيارة عباس. لم يكن عباس في الصين من أجل الإعلان عن فجر جديد لصنع سلام صيني. وإنما دعته بكين للزيارة لسبب أكثر أولوية: لتوفير غطاء لاجتماع نتنياهو الأكثر استراتيجية بكثير بالنسبة للقادة الجدد في الصين.
من خلال إمطار الاهتمام على الزعيم الفلسطيني وتقديم خدمة خطابية لعملية السلام، استطاعت الصين تهدئة مخاوف الحلفاء العرب التقليديين من أن أول رئيس شرق أوسطي يزور القيادة الصينية الجديدة التي تسلمت زمام السلطة في آذار (مارس) الماضي سيكون من إسرائيل. وقد سمحت المناورات الذكية التي قام بها المسؤولون الصينيون لبكين بتلميع مصداقيتها في العالم العربي من خلال إجراء كان على القصد به -عن العكس من الظاهر- أن يكون ورقة التوت التي تغطي حوارات الصين الاستراتيجية مع إسرائيل. وبالإضافة إلى تحويل انتباه العالم العربي، سعت الصين على الأرجح إلى تجاوز المخاوف الأميركية من تعمق الروابط الأمنية بين الصين وإسرائيل، في جهد يرمي إلى تجنب نوع الانهيار الذي أصاب الروابط الصينية الإسرائيلية نتيجة للضغط الأميركي قبل عقد.
سواء كانت الجماهير العربية أو الأميركية هي الهدف الرئيسي لعملية بكين السياسية، كان المدى الذي شكلت فيه زيارة عباس سحابة دخان واضحاً عندما فشل الزعيمان الشرق أوسطيان في الاجتماع في بكين. حتى إن قادة الصين لم يتطرقوا إلى زيارة عباس عندما استقبلوا نتنياهو في زيارته لبكين والتي استغرقت 24 ساعة بعد مغادرة الزعيم الفلسطيني للصين. وعلى عكس عباس الذي زار الصين برفقة عدد قليل من المسؤولين وكان لديه القليل ليعرضه نتيجة الوقت الذي قضاه وراء البحار باستثناء تصريحات جوفاء عن عملية السلام، فقد اصطحب نتنياهو معه العشرات من كبار رجال الأعمال والمسؤولين الحكوميين، في زيارة وصفها سفير الصين لدى إسرائيل بأنها يرجح أن “تحدد وجهة العلاقات التي ستقوم في الاعوام المقبلة، بحيث ترفع الروابط إلى مستوى جديد”.
في الحقيقة، جاءت زيارة نتنياهو تتويجا لسلسلة من الحوارات العسكرية الثنائية في العامين الماضيين، حيث قام أرفع جنرال صيني بزيارة إسرائيل في آب (اغسطس) من العام 2011، كما رد نظيره الإسرائيلي الزيارة إلى بكين في أيار(مايو) من العام 2012. وما تزال الروابط العسكرية المتنامية تتطور منذ العام 2011، سوية مع صعود درامي في حجم التجارة والاستثمار الثنائيين. وتقدر الصين قطاع التكنولوجيا عالية المستوى في إسرائيل والاستقرار النسبي خلال الربيع العربي، بينما أصبحت إسرائيل تفهم أن بكين تتوافر على درجة نادرة من النفوذ لدى خصوم إسرائيل في دمشق وطهران، ناهيك عن السوق العملاقة للاقتصاد الإسرائيلي. وتجعل الرحلة الأخيرة الصين أول بلد يزوره نتنياهو منذ فوزه بإعادة انتخابه في كانون الثاني (يناير) -باستثناء حضوره جنازة مارغريت تاتشر في نيسان (ابريل) الماضي. وفي الحقيقة، انطوت الزيارة على أهمية استراتيجية بالغة، إلى درجة أن وزارة خارجية إسرائيل سمحت بالزيارة بالرغم من كونها منخرطة في نزاع عمالي شديد، والذي علق كل نشاط دبلوماسي آخر.
عنى تصميم الصين على تكوين علاقات حميمة مع كل الاطراف في الشرق الأوسط أن بكين لم تستطع المخاطرة بالتخلي عن حلفائها العرب -خاصة في ضوء الغضب العربي بسبب استمرار دعم الصين لنظام الأسد في سورية- من خلال عدم منحها نتنياهو شرف زيارة بكين قبل أي زعيم دولة عربية. ولم يتم منح هذا الاحترام للفلسطينيين وحسب، بل انه غير شكل التغطية الاعلامية لزيارة نتنياهو الاستراتيجية أيضاً. فبدلا من الاطراء على الروابط الصينية الإسرائيلية المتنامية، حذا الاعلام -وخاصة في العالم العربي- حذو المثال الصيني واحتفى بدعم الصين لعملية السلام. ولتسويق هذا السرد، شدد الاعلام الصيني على أن زيارة عباس هي “زيارة دولة” في مفارقة مع زيارة نتنياهو “الرسمية”. وفي الاثناء، تم تخصيص حجم اقل بكثير من الاهتمام لحقيقة أن عباس تلقى الدعوة قبل ستة أيام وحسب قبل وصول نتنياهو إلى الصين، حيث غطت بكين تكلفة الايام القصيرة للزعيم الفسطيني لجعلها تتم. ومن جهته، لعب عباس دوره كما يجب، مشيرا في مقابلة (تم تداولها على نطاق واسع في العالم العربي) إلى أن زيارة نتنياهو ستكون في الحقيقة مفيدة للفلسطينيين.
إن الدرس المستقى من الزيارتين المتداخلتين اللتين تمتا للصين أخيراً لا يتعلق بنجوم بكين كصانع سلام في الشرق الأوسط. لا أحد يعتقد على نحو جدي بأن الصين مستعدة لان تصبح مشاركا نشطا في العملية السلمية. وكما اشار مراقبون عديدون، فان اقتراح السلام الذي قدمه الرئيس الصيني لعباس كان مجرد اعادة تأكيد على الشعارات العامة التي ما يفتأ الدبلوماسيون الصينيون يكررونها منذ عقود. وبينما كان الإعلام محقا في الاشارة إلى نمو دور الصين في المنطقة، فقد فوت القصة الحقيقية لدور الصين الآخر الآخذ في الصعود -التعاون الاستراتيجي المعمق بين بكين والقدس- عن طريق ابتلاع طعم من المسرحية السياسية التي رتبتها الصين بمساعدة عباس. وبعيدا عن ابراز الدبلوماسية الفنية للصين، اكدت هاتان الزيارتان الأخيرتان استعداد الصين لتوسيع روابطها مع إسرائيل، ولو بحذر ومن دون اجتذاب الاهتمام غير المرغوب فيه، والذي من شأنه تقويض العلاقات بين البلدين.
(تابليت) – الغد الاردنية .
*دارس منذ وقت طويل لشؤون الصين – الشرق الأوسط، وخريج حديث من كلية جون هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
Why Netanyahu and Abbas went to China

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى