أقلام واراءزوايا

قتال سورية يعدي الشرق الأوسط بالشقاق الطائفي … بقلم : تيم أرانغو، آن برنارد، ودريد عدنان

200664


بغداد- أوقع القتل الطائفي المتجدد أعلى حصيلة من القتلى في العراق في خمسة أعوام. ويتطوع علماء عراقيون شباب يعملون في حوزة شيعية لقتال السنة في سورية. وبعيداً إلى الغرب، في لبنان، ازدادت حدة الاشتباكات بين الطوائف المتعارضة في مدينة طرابلس الشمالية.
وفي سورية نفسها، “أصبح الشيعة هدفاً رئيسياً” كما يقول مالك، الناشط المعارض الذي لم يرد نشر اسمه الأخير بسبب مخاوف تتعلق بالأمان. وكان مالك يزور لبنان انطلاقاً من بلدة القصير السورية التي كان يسيطر عليها الثوار، حيث قتل أخوه قبل أيام بينما كان يقاتل رجال حرب العصابات من حزب الله اللبناني الشيعي. وأضاف: “لقد فقد الناس أشقاء وأبناء، وهم غاضبون”.
تؤجج نار الحرب الأهلية السورية نيران صراع طائفي ينقل عدواه إلى ما وراء حدود البلد، معيدة قدح فتيل التوترات التي طالما استعرت بين السنة والشيعة، فيما يخشى الخبراء من أنه قد يفضي إلى هز أسس البلدين اللذين أفرزهما انهيار الإمبراطورية العثمانية السابقة.
طوال شهور، ظل القتال الدائر في سورية يتسرب عبر حدودها، حيث سقطت صواريخ في أراضي الدول المجاورة، أو تجاوزت بعض الاشتباكات حدود البلدين. لكنه يبدو الآن أن الحرب السورية التي حصدت أرواح أكثر من 80.000 شخص، أخذت تحرض السنة والشيعة على مهاجمة بعضهما بعضاً في بلدان أخرى.
تقول تريتة بارسي، المحللة الإقليمية، ورئيسة المجلس القومي الإيراني الأميركي، في إشارة إلى الرئيس السوري بشار الأسد: “لا شيء يساعد في تماسك الرواية السنية الشيعية أكثر من صور الأسد وهو يذبح السنة في سورية -بمساعدة إيرانية. إن إيران والأسد يكسبان المعركة العسكرية، وإنما فقط على حساب تكريس عقود من النزاع العرقي”.
وكانت الانتفاضة السورية قد بدأت عندما تحولت احتجاجات سلمية ضد الرئيس الأسد إلى عامين من معركة استنزاف دموية. لكن القتل لم يعد يدور حول دعم أو معارضة الحكومة، أو حتى من أجل سورية. وقد أخذ بعض الشيعة يتدفقون إلى داخل سورية مدفوعين بحس الواجب الديني. وفي العراق، استؤنفت الهجمات العشوائية على المساجد والضواحي السنية بعد أن كانت قد هدأت في الأعوام الأخيرة -حيث تعرض حفل زفاف للهجوم مؤخراً- فيما كانت الميليشيات السنية تقاتل الجيش الحكومي. ومع الدعم السني بقيادة العربية السعودية وقطر وتركيا للانتفاضة ضد الرئيس الأسد الذي يتلقى الدعم من إيران وحزب الله، تنتشر الانقسامات الطائفية التي تستعر منذ الغزو الأميركي للعراق في المناطق التي تشملها الانتفاضات العربية.
تغذي الحرب السورية، وتغذيها أيضاً، عداوات أوسع لا تتجذر بشكل أساسي في الطائفة، وإنما في تصادم المصالح الجيوسياسية والاستراتيجية: صراع النفوذ الإقليمي بين العربية السعودية وإيران؛ والتحالف بين حزب الله والحكومة السورية العلمانية للسيد الأسد ضد إسرائيل المدعومة من جانب الولايات المتحدة.
لكن الشعور الطائفي تسرب إلى الداخل. ويظل العراق هشاً أمام ذلك على نحو خاص. وبينما تقاتل الأغلبية السنية في سورية من أجل الإطاحة بحكومة تهيمن عليها الطائفة العلوية التي ينتمي إليها السيد الأسد، وهي فرع من الشيعة، تشجع البعض من الأقلية السنية في العراق بإمكنية الإطاحة بحكومتهم الشيعية.
واليوم، يشعر العديد من العراقيين بأنهم على الطريق نحو العودة إلى الأيام المظلمة للعامين 2006 و2007 اللذين شهدا أوج المجازر التي ارتكبتها الميليشيات الطائفية مع الصعود الشيعي بعد أعوام من القمع في ظل صدام حسين، والأقلية السنية التي فقدت قوتها بسبب سقوطه.
وبينما ساعدت “زيادة” عديد القوات الأميركية في العام 2007 في الحد من سفك الدماء، فإن الهجمات العشوائية ضد الشيعة لم تتوقف أبداً. لكن الذي اختلف هو أن الشيعة الذين شعروا في النهاية بأنهم سيطروا بحزم على القوات الأمنية توقفوا عن الرد. لكن ذلك يبدو وأنه يتغير الآن. فقد نهضت الميليشيات السنية لمقاتلة الجيش. ولأول مرة في سنوات، تتعرض المساجد والضواحي السنية للاستهداف بانتظام بدورها. وكان أول هجوم جدير بالملاحظة قد شن في نيسان (أبريل) على مقهى في ضاحية العامرية السنية. وكان قد بدأ في وقت متأخر من الليل فيما كان رجال شباب يلعبون البلياردو، ما أفضى إلى مقتل عشرات من الناس. وبينما لم يتضح تماماً من هو الطرف المسؤول عن العنف الجديد، يوجه العديد من السنة اللوم في ذلك إلى الحكومة أو الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانياً.
وفي لبنان، وصلت الاشتباكات المتكررة بين الميليشيات العلوية والسنية في طرابلس أسوأ مستوياتها في أعوام، حيث يتبادل الجانبان الاتهامات بالمسؤولية عن المجازر التي تُرتكب في سورية.
وفي سورية، تصر الحكومة ومعارضوها على حد سواء على أن حربهم الأهلية ليست قتالاً بين طوائف دينية. ويقول قادة الثوار إن هدفهم الوحيد يكمن في إسقاط الدكتاتور، في حين يقول السيد الأسد إنه يقاتل الإرهابيين المتطرفين، ويبدي الكثير من الحرص على أن لا يؤطر الصراع بأنه قتال ضد الأغلبية السنية في البلد، والتي يمتدحها لاعتدالها.
يبقى تحالف السيد الأسد مع حزب الله وإيران استراتيجياً في المقام الأول. ومع أن طائفته العلوية، التي تشكل نحو 12 % من المواطنين، توفر دعماً صلداً، فإن معظم العلويين علمانيون. ويشكل شيعة الاتجاه السائد في سورية، الذين يشكلون أقل من 200.000 شخص، أقلية أصغر بكثير، أقل من 1 %.
مثل العراقيين -الذين لطالما أصروا على أنهم عراقيون في الدرجة الأولى وحملوا الآخرين المسؤولية عن صعود الهوية الطائفية، ومع ذلك هبطوا إلى درك سفك الدماء- فإن السوريين في كلا الجانبين يخشون وينتصلون من الانزلاق إلى أتون النزعة الطائفية.
ولكن، بالمعاني الواقعية، نجم كل من حزب الله، وجبهة النصرة المهيمن عليها سنياً والتي تعد مجموعة راديكالية متحالفة مع القاعدة، كأقوى ميليشيات منخرطة في الحرب الأهلية السورية.
كما كان كلا الجانبين راغبين في وقف التحالفات والمشاعر الطائفية. ومع تردد الغرب في دعم المعارضة بشكل كامل، قبل الثوار المساعدة من القاعدة في العراق، وهي مجموعة متشددة سنية، وخط إمداد الأسلحة والسيولة المتدفقين من المانحين السنة المتطرفين إلى الجهاديين الذين وجدت دعواتهم لإقامة دولة إسلامية الدعم من بعض السوريين المتأثرين برجال الدين ذوي الخط المتشدد في العربية السعودية. وقبل فترة وجيزة، دعا رجل دين إسلامي سني في قطر، الشيخ يوسف القرضاوي، السنة حول العالم للذهاب إلى سورية لمقاتلة جماعة حزب الله، واصفاً إياهم بأنهم أعداء الإسلام.
وتم اتهام الميليشيات الشيعية في لبنان بأنها تذبح العائلات السنية، كما تم اتهام الثوار والعصابات السنة بأنهم يختطفون الشيعة. ويطلق المقاتلون السنة على الشيعيين وصف “القذارة” و”الكلاب”. كما شرع قادة الثوار بالإشارة إلى حزب الله باسم “حزب الشيطان”.
ومن جهتهم، يصف مؤيدو الحكومة الثوار بأنهم “جرذان” ويرسمونهم بفرشاة عريضة باعتبار أنهم بدو ووهابيون. وقال فاضل مطر، وهو عراقي شيعي، أثناء جنازة ابنه الذي قتل في سورية، إنه مات وهو يقاتل الوهابيين “أولئك المنحطين”.
أما رفيق لطف، السوري الأميركي الشيعي الذي ترك عمله في البيتزا في نيوجيرسي لمساعدة المسؤولين السوريين على تشكيل ميليشيات تعرف بقوات الدفاع الوطنية، فقال مؤخراً في دمشق إن المشاعر الدينية الشيعية ستساعد الحكومة في الاستدامة.
وقال السيد لطف: “إذا شرعنا في فقدان السيطرة، سترون آلاف الإيرانيين يأتون إلى سورية وآلافاً من اللبنانيين، ومن العراق أيضاً. إنهم سيقاتلون، وهم لن يكتفوا بالمشاهدة. ذلك جزء من عقيدتهم”.
وفي بيروت، قال كامل الوزني، مؤسس مركز الدراسات الأميركية الاستراتيجية، إن المقاتلين يستلهمون وحي المشاعر الدينية المتجذرة في معركة القرن السابع الميلادي فيما يدعى حالياً العراق، حول من كان سيخلف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. وفي أعقاب الهزيمة المرة التي أفضت إلى بزوغ الشيعة، أسر المنتصرون حفيدة الرسول محمد، زينب، وساقوها إلى دمشق حيث يعتقد الشيعة بأنها دفنت أسفل ضريح السيدة زينب ذي القبة الذهبية.
واليوم، يساعد المقاتلون الشيعة الحكومة السورية في السيطرة على المنطقة حول مقام السيدة زينب -وهو موطئ قدم يساعد في منع الثوار من فرض طوق كامل على مقر الرئيس الأسد في دمشق. ويضيف السيد الوزني: “إن دمشق لم تسقط لأن السيدة زينب هناك… وهم لن يسمحوا بأن تؤسر السيدة زينب مرتين”.
أصبح العديد من الشيعة المتدينين الورعين ينظرون إلى الحرب الأهلية السورية على أنها تحقق لنبوءة شيعية تمهد لنهاية الزمان: حيث يجمع شخص على هيئة الشيطان، سفياني، جيشاً في سورية، ويسير إلى العراق لقتل الشيعة. ويقول أبو علي، وهو طالب في النجف في العراق، إن زملاءه يعتقدون أن أمير قطر، وهو داعم رئيسي لثوار سورية السنة، هو سفياني. وأضاف أنهم يذهبون بشكل جماعي إلى سورية “لحماية الإسلام”.
بعد أيام من قتل الميليشيات الموالية للحكومة عشرات المدنيين في الشهر الماضي في قرية البيضة بالقرب من الساحل السوري، قال أحد السكان السنة في مقابلة: “اعتباراً من اليوم، أنا طائفي. إنني طائفي ولم أعد أريد السلام.” وأضاف وهو يستجمع نفسه: “أختي، سامحيني للتحدث بهذه الطريقة”.

 

  (النيويورك تايمز) ترجمة: عبد الرحمن الحسيني الغد الاردنية .

*تيم ارانغو ودريد عدنان غطيا من بغداد، وآن برنارد من دمشق سورية ومن بيروت لبنان. كما أسهم في التغطية عاملون في النيويورك تايمز من الحلة في العراق والنجف في العراق وهانية مرتضى وهويدا سعد من بيروت.
*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
As Syrians Fight, Sectarian Strife Infects Mideast

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى