أقلام واراءزوايا

ما مصيبة الشرق الأوسط؟ لماذا دوام العنف والطائفية والعجز؟… بقلم : آرون ديفيد ميلر

images

لا يحتاج الشرق الأوسط إلى سماع مزيد من الأخبار السيئة في الحقيقة. لكن هذا الشأن الجديد رسمي، مع ذلك. لقد أصبح للمنطقة الآن مرضها الخاص: فيروس خطير يدعى “كورونا”، التهاب الشرق الأوسط الرئوي التاجي –والذي ربما يكون على صلة بفيروس “سارز”، لكنه يبدو أكثر فتكاً.

هذه الأخبار الحزينة حرضتني على التفكير (ثانية) في الحالة المحزنة التي تعيشها المنطقة. صحيح أن هناك بعض النقاط المضيئة –أو على الأقل بعض البقاع التي تقل عتمة. هناك تونس التي تبدو أنها تعيش انتقالاً مستقراً نسبياً، بدون العنف الذي يشل الحركة والحكم فاقد الأهلية. وهناك جيل صغير من العرب والمسلمين الذين يبدون عاكفين على تحرير أنفسهم من الطرائق القديمة، والذين لا يطالبون بالحرية الشخصية فقط، وإنما بالكرامة أيضاً. وتخطر لي الآن تلك العبارة المنمقة الشهيرة لهوارد بيل في موقع “نيتوورك”، حيث يقول: “إنهم غاضبون مثل جهنم، إنهم لن يتحملوا ما يجري بعد الآن”. ومع ذلك، تبدو معظم أنحاء المنطقة في حال سيئة: ثمة عنف في العراق؛ حرب أهلية في سورية وتسرب العنف إلى لبنان؛ يأس شعبي متعاظم في مصر؛ قمع في البحرين؛ افتقار إلى سلطة مركزية في ليبيا؛ وجمود في عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية. وحتى في تركيا، دولة العجائب، أصبحت الأمور خارجة عن المألوف أيضاً.

ما الذي يحدث هنا؟ لماذا، عندما يبدو الكثير من العالم منطلقاً إلى الأمام، يُترك الشرق الأوسط في الخلف ثانية؟ ولماذا يحدث أن تبدو لحظته التحويلية الكبيرة –الصحوة العربية- وأنها ضاعت وسط خليط مشوش من العنف، والطائفية، والعجز وعدم الأهلية؟ ربما تكون هناك الكثير من الأسباب الكامنة وراء هذه الحال المؤسفة. لكنني أرى خمسة أسباب عليا، أوردها تالياً:

إساءة معاملة المرأة

حالة المرأة –ما تستطيع فعله وما لا تستطيع- تتفاوت، في النظرية وفي الممارسة، بشكل كبير في أنحاء المنطقة. لكن هناك الكثير جداً من انعدام المساواة والتمييز في هذا الموضوع. ولا شك أن الدول التي تمارس التمييز المنهجي ضد نصف سكانها، عن عمد أو لأي أسباب أخرى (الثقافة والدين والتقاليد، والجمود) وتحاول إعاقة تقدم النساء، وتقوم بتحجيمهن، أو بمجرد تجاهلهن فقط، لن تكون دولاً أخلاقية، ومنتجة، وإبداعية، أو تنافسية مثل تلك الدول التي تمكّن المرأة -سواء في الشرق الأوسط أو في أي مكان آخر. ولن يكون مستقبلها مشرقاً بنفس المقدار. نقطة.

لا فصل بين الدين والدولة

أعلم أنه ليس من الصواب الإشارة إلى ذلك سياسياً. ولكن، أروني مجتمعاً واحداً ناجحاً وصحياً، يدار وفقاً لقواعد مقررة على أسس دينية مقدسة، وقائمة على فكرة أن الإله الذي يجله أفضل من أي إله آخر –أو حيث تقوم الجماعات الدينية المتطرفة بتخويف مواطنيها وشن الحرب عليهم، أحياناً باستخدام الإرهاب والعنف. وكنت أظن أن تركيا ربما تشكل استثناء. لكن سلوك رئيس الوزراء اردوغان الأخير على طريقة “إما طريقي أو الطريق السريع” يجعلني أتساءل.

إن المجتمعات التي أثبتت أنها الأكثر ديمومة ونجاحاً على مدى الزمن (وكلها خارج الوطن العربي) هي تلك التي تكون فيها مناطق الله، ومناطق الرجال/ والنساء، منفصلة، حيث المؤسسات شاملة، وحيث ثمة حرية دينية، وإنما –وربما الأكثر أهمية- حرية الضمير هي التي تسود. وفي الحقيقة، تشكل حرية التعبير عنصراً مهماً بشكل حاسم في تحقيق إمكانات الإنسان، وابتكاريته، وإبداعه. ولذلك، ينبغي أن تقوم الدولة بحمايتها وصيانتها، وأن لا تكون هي الطرف الذي يحددها ويقيدها. اذهب إلى “ميدان التايمز”، وسيمكنك -ما لم تكن تهدد النظام العام- أن تقول كل شيء تقريباً عن اليهودية، والمسيحية، والإسلام دون خوف من التعرض للاعتقال أو ما هو أسوأ. ولكن، لا تحاول تجربة ذلك في ميدان التحرير.

الكثير من نظرية المؤامرة

يرفض الكثير جداً من الناس في الشرق الأوسط النظر في المرآة. وإنما يميلون بدلاً من ذلك إلى الخروج بالأعذار والتبريرات التي تفسر كيف أن آخرين، وبالتحديد قوى من خارج أحيائهم، هي المسؤولة عن تعاساتهم. إنني أعرف كل شيء عن الكولونيالية، والصهيونية، والإمبريالية، والشيوعية، والعلمانية، والإسلاموية، وكل ما ينتمي إلى هذه المفاهيم التي يجرى تحشيدها وتجييشها للقول بكيف أن الخارجيين، وليس المحليين، هم الذين القوا باللوم على ما يحدث في العالم العربي.

ولكن، دعونا نكون واقعيين. عند نقطة ما، كما يعرف الجميع، يكون هناك تاريخ انتهاء صلاحية لإلقائك اللوم على والديك عن الطريقة التي ربياك بها. وفي حالة العالم العربي، انتهت منذ وقت طويل تلك الكفالة على لوم الموساد، السي آي إيه، أميركا، اليهود، والمهرج بوزو على غياب الديمقراطية، وقلة احترام حقوق الإنسان، واللامساواة الجندرية.

لا شك أن الخارجيين يؤثّرون على الشرق الأوسط بطرق بالغة السلبية. لكن ذلك ليس عذراً للاعتقاد بأن شعوبه لا تستطيع صناعة أقدارها الخاصة. وبعد كل شيء، هذا ما كان يفترض أن يكون جوهر الصحوة العربية وموضوع موضوعها. أتعرفون؟ إن الذي اختطف الصحوة العربية ليس الغيلان الغربيين، وإنما هي قوى في داخل المجتمع العربي نفسه، بما في ذلك المسلمون الأصوليون، والعناصر العلمانية والليبرالية التي عجزت عن تنظيم نفسها بفعالية، وبقايا الأنظمة القديمة التي تعلقت بالسلطة بعد أن ذهب الدكتاتوريون.

النرجسية

أعرف أن قول ذلك ربما يكون بمثابة الصدمة، لكن الشرق الأوسط في الحقيقة لم يعد مركز العالم بعد الآن. اليوم، أصبحت آسيا، أوروبا، أميركا، وحتى أفريقيا هي الأماكن حيث تقوم اقتصادات السوق الحرة، والتعددية، ومؤسسة الإنسان بالابتكار، والاختراع، والإنتاج، وخلق الأشياء -تاركة منطقة الشرق الأوسط وراءها لتظهر في مرآة الرؤية الخلفية. ولكم أن تقرأوا أياً من تقارير التنمية البشرية للأمم المتحدة، التي تؤرخ لهذه الحكاية الحزينة. لكن الكثيرين في الشرق الأوسط ما يزالون يعتقدون أنهم في بؤرة كل شيء –أو أنهم يستحقون أن يكونوا كذلك بطريقة ما.

ما يزال الكثيرون من العرب والكثير جداً من الإسرائيليين يعتقدون بأن العالم يجلس على حافة مقعده الجمعي 24/7، ويتساءل عما سيحدث تالياً في منطقتهم ويفكر في اجتراح طرق جديدة لإنقاذهم. لقد سئمت حقاً، أنا شخصياً، من دعاة السلام الإسرائيليين الذين ينتقدون الولايات المتحدة لعدم إنقاذها عملية السلام، ومن العرب وهم ينتظرون منا أن نعاقب إسرائيل، التي ينظر إليها الكثيرون بحماقة على أنها إما سيد أميركا أو طفلها المشاكس. ولكم أن تتحدثوا إلى أي لبناني، وستظنون أن ما يحدث في بيروت يسير وفق أهواء صانعي السياسة الأميركيين من الصباح حتى المساء. وعلى الرغم من ضياع أميركا وفقدانها الصدقية، ما يزال هناك أمل مضلل بأن الولايات المتحدة سوف تقوم بإنقاذ سورية!

إليكم خبراً جديداً: إن سلاح الفرسان ليس على الطريق. وربما إذا استوعب السكان ذلك، فإنهم سيفعلون شيئاً أفضل لأنفسهم. لكنني أشك في ذلك.

القيادة

ليس هناك في الحقيقة أي منها. ولعل من المفارقة –خاصة في ضوء خلفية النوازع الديمقراطية للصحوة العربية- ما تبين من أن القادة الذين ظهروا أكثر ديمومة هم قادة الممالك، الذين يشكلون رجال دولة حقيقيين مقارنة بمحمد مرسي في مصر، أو نوري المالكي في العراق.

لكن هناك مشكلة، حتى هنا. لقد أصبح القادة الشرق أوسطيون أساتذة في حيازة السلطة، لكنهم ليسوا مهتمين أبداً بتقاسمها. ولكم أن تقرنوا ذلك بغياب المؤسسات الشاملة والشرعية –وبالساسة الأكثر اهتماماً بتوسيع مصالح قبائلهم، عائلاتهم، أو طوائفهم الدينية أكثر من مصالح الأمة ككل- ولن يبدو لكم احتمال مستقبل يتسم بالحكم الرشيد والمسؤول في العالم العربي بكل ذلك الإشراق.

ما يزال فيروس “كورونا” لغزاً غامضاً. لكنني شديد الثقة بأن علماء الأوبئة سيفكون لغزه في نهاية المطاف. أعرف أن علينا منح هذه المنطقة جيلين آخرين لترتيب الأمور. ومع ذلك، فإنني لست واثقاً بنفس المقدار أنهم سوف يفعلون، حتى ولو أن ما يبتلي هذه المنطقة هو حقيقة واضحة مفتوحة، ولو أنها غير مريحة.

*نائب رئيس المبادرات الجديدة، وباحث بارز في مركز وودرو ويلسون الدولي للباحثين. كتابه القادم هو “هل يمكن أن تتمتع أميركا برئيس عظيم آخر: فحص للواقع”.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى