الاخبارشؤون عربية ودولية

ماذا وراء قرار السعودية المفاجيء رفض مقعدها في مجلس الامن؟ الدوافع والعواقب

c4d30632_552999-01-08

لندن / لم يعد خافياً السبب المباشر الذي دفع الرياض، على نحو مفاجيء، الى رفض قبول مقعدها في مجلس الأمن الدولي. ذلك انها صدمت بتطور مفاجيء تمثل في ترحيب واشنطن بالنهج الجديد في السياسة الايرانية الذي اعلن عنه الرئيس الجديد حسن روحاني، تحديداً في ما يتعلق ببرنامج طهران النووي. ومن الواضح ان صدمة الرياض كانت لخوفها – المتحقق – من انعكاس هذا الترحيب الاميركي على موقف واشنطن من الازمة السورية بعد عدولها عن توجيه ضربات عسكرية ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد.

لقد شكل العداء السعودي المَرَضي لايران في العقود الاخيرة، وبالتأكيد منذ الثورة الثورة الايرانية في 1979، ولكن خصوصاً في الفترة اللاحقة لسقوط حكم الرئيس العراقي صدام حسين في اعقاب الغزو الاميركي في 2003 وما تلاه من توسع النفوذ الايراني هناك (خلال وجود القوات الاميركية هناك)، ثم في اعقاب الازمة السورية التي بدأت في آذار (مارس) 2011، ركيزةً اساسية في السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية. وقد تجلى هذا العداء في العقد الاخير في صورة دعم لكل من يعادي ما تعتبره الرياض مداً شيعياً في المنطقة، خصوصا في العراق وسوريا ولبنان والبحرين، بـ”تشجيع” من ايران.

وظلت السعودية، التي ترى نفسها قوة اقليمية منافسة لايران، تتخوف منذ الثورة الايرانية من احتمالات تصدير تلك الثورة الى البلدان العربية الخليجية والى اراضيها، خصوصاً بعد ان عزز شكوكها سلوك بعض الحجاج الايرانيين اثناء ادائهم الحج في السنوات التالية مباشرة للثورة.

وكانت الرياض واثقة طوال الفترة الماضية من ضمان التأييد لمواقفها تجاه ايران وحلفائها الاقليميين في العراق وسوريا ولبنان من جانب الولايات المتحدة التي بقيت تعاني لسنوات طويلة من ذكريات احتجاز دبلوماسييها وموظفي سفارتها في طهران (تشرين الثاني/نوفمبر 1979- كانون الثاني /يناير 1981)، واخذت تفرض عقوبات مشددة على ايران بسبب برنامجها النووي.

القرار “المفاجيء”

لم يكن قرار السعودية قبول مقعدها في مجلس الامن مفاجئاً تماماً فقد سبقه امتناع وزير خارجيتها الامير سعود الفيصل عن القاء كلمة بلاده في الجمعية العامة للامم المتحدة الشهر الماضي بعيد ظهور مؤشرات الى تقارب ايراني-غربي محتمل. واعلنت السعودية لاحقاً ان قراراها عدم قبولها مقعدها في مجلس الامن سببه خصوصا “فشل المجلس في حل القضية الفلسطينية والنزاع السوري وجعل الشرق الاوسط خاليا من اسلحة الدمار الشامل”.

فسر المحلل السعودي البارز القريب من الدوائر السياسية في المملكة عبد العزيز بن صقر قرار السعودية بأنها ارادت به ان تعبر عن “الاستياء الشديد”، لاسيما ازاء حليفتها الكبيرة واشنطن التي تتقارب مع ايران وتوافق على منحها دورا في شؤون المنطقة بينما تدعم ايران النظام السوري و”تتدخل” في شؤون دول المنطقة.

كان بوسع السعودية ان تبدي اسبابها لعدم شغل مقعدها مع الاحتفاظ بحقها في شغله في اي وقت تشاء في السنتين المقبلتين وهما فترة الاعضاء غير الدائمين في المجلس، ولكنها رفضت قبوله. وقد ايدت الدول العربية السعودية في موقفها على الرغم من ان اكاديميين ومحللين اميركيين اعتبروا ان “تخلي السعودية عن الدبلوماسية المتعددة الاطراف (عن طريق مجلس الأمن) ستلحق مزيداً من الضرر باستقرار الشرق الاوسط المضطرب اصلاً” قائلين ان عمل مجلس الامن هو “اللعبة الوحيدة” على الصعيد الدولي.

ويقول ادوارد لَك، عميد كلية دراسات السلام في جامعة سان دييغو الاميركية ، حسب ما نقلت عنه مجلة “فورين بوليسي”، ان “كثيرين في الغرب قلقون اصلا من الدعم السعودي المزعوم للعناصر الاكثر راديكالية في المعارضة السورية. ويمكن ان يثبت هؤلاء انهم اكبر العقبات امام تحقيق السلام والعدل في سوريا والاستقرار في محيطها”.

ويرى البروفيسور لك انه لم يكن هناك مفر من ان تشعر السعودية بحساسية بالغة ازاء اي دلائل تقارب بين واشنطن وطهران، ويقول ان رفض السعودية الانضمام الى مجلس الامن لا يمكن النظر اليه الا على انه نصر لخصومها الايرانيين.

وجاء افضل تحليل لدوافع الرياض من الخبير في شؤون الشرق الاوسط في جامعة اوكلاهوما جوشوا لانديس، اذ قال: “لو انضم السعوديون الى مجلس الامن، لكان عليهم ان يحذو حذو النهج الذي تتبعه الولايات المتحدة وروسيا. وهذا سيفرض على المملكة العربية السعودية ضغوطاً للكف عن تمويل الميليشيات السلفية في سوريا، وهم (السعوديون) لا يريدون عمل ذلك. وكانت روسيا واميركا ستقولان: انظروا، انتم جزء من الامم المتحدة وعليكم ان تقطعوا علاقاتكم بالمتمردين السوريين وان تتوقفوا عن ارسال اموال واسلحة اليهم. ولكن السعودية لا تريد لجمهم”.

ومع ان الاميركيين بدأوا يرون في “الجهاديين” المتطرفين في سوريا تهديداً قد يكون اكبر من ذاك الذي يمثله نظام الاسد، الا ان علاقاتهم بالسعودية اوثق من ان يمكن فسخها او اضعافها بشكل يهدد مصالح الجانبين. وعلى الرغم من تقارير نسبت الى رئيس المخابرات السعودية الامير بندر بن سلطان قوله لمبعوثين اوروبيين ان المملكة ستحد من تعاملاتها مع الولايات المتحدة احتجاجا على موقف واشنطن إزاء سوريا وإيران، فان العلاقات الاقتصادية والمبادلات التجارية واستثمار كل بلد منهما في البلد الآخر هي حالياً في اعلى المستويات.

لقد قبلت واشنطن بمشاركة ايران في مؤتمر جنيف 2″ للسلام في سوريا، وازعج هذا السعودية. ولكن من المستبعد، مع الاسف، ان يسفر هذا المؤتمر عن تقريب اجل السلام في سوريا بينما المعارضة المسلحة لنظام الاسد، بما فيها من “جبهة النصرة” والدولية الاسلامية في العراق والشام” والائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” وعشرات غيرها من الجماعات، متشظية ومنقسمة ورافضة بمعظمها للمشاركة في المؤتمر.

لقد ورث الشرق الاوسط نتيجةً للعداء السعودي-الايراني ابشع ما يمكن ان يرثه، الا وهو الصراع الطائفي والمذهبي المقيت.

القدس دوت كوم – ماهر عثمان

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى