أقلام واراءزوايا

سورية تتفكك.. وكذلك يفعل العراق …. بقلم : باتريك كوبيرن

214426


تعيد الحرب الأهلية في سورية إشعال أوار الحرب الطائفية في العراق. وتتحول مناطق شاسعة في شرق سورية وغرب العراق إلى منطقة حرب. وتقوم الحركات حسنة التنظيم المرتبطة بالقاعدة بشن هجمات بواسطة مفجرين انتحاريين في كامل المنطقة من شواطئ المتوسط إلى نهر دجلة. بل ان هذه الحركات ربما تفرط في مد أيديها وتخاطر باستدراج رد فعل مضاد من جهة كل أولئك الذين لديهم سبب للخوف من القاعدة وأصوليتها السنية المتعصبة.
لا شك في أن جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية تزداد قوة يوماً بعد يوم. وجرى الترويج الإعلامي للتقدم الذي أحرزته في سورية بشكل جيد، وقامت بما يكفي لتخويف الولايات المتحدة وحلفائها إلى درجة تشككهم في مدى رغبتهم بأن يحل المتعصبون السنة محل الرئيس بشار الأسد. لكن الواقع الأقل ظهوراً في الترويج الإعلامي هو أن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية أصبح يحكم قبضته على مناطق كبيرة في غرب العراق أيضاً، حيث ظل يشكل قوة منذ المواجهة مع الأميركيين والقبائل السنية قبل ست أو سبع سنوات.
هذا الجزء من العالَم لا يحظى بتغطية إعلامية جيدة بسبب المخاطر المتزايدة التي تواجه الصحفيين الأجانب والمحليين هناك. وقد تم اختطاف نحو 16 صحفياً في شمال سورية هذا العام، ولذلك لم يعد حتى الأكثر إقداماً يجرؤون على الذهاب إلى هناك. ولم يعد قادة الثوار السوريين الذين كانوا يحمون الصحفيين قادرين حتى على حماية أنفسهم من تنظيم الدولة الإسلامية، وجبهة النصرة أو أحرار الشام. كما أن العراق الذي كانت فنادقه تغص بالصحفيين الأجانب ذات مرة، سقط منذ زمن من خريطة الإعلام.
وهكذا، ليس من المستغرب كثيراً أن التطورات المهمة، مثل ضعف قبضة الحكومة المركزية في بغداد على الأنبار –المحافظة السنية الهائلة الواقعة إلى الغرب من بغداد والمتركزة حول بلدات ومدن الفرات- لم تحظ بالتغطية الإعلامية المناسبة. مرة أخرى، يقوم تنظيم القاعدة بشن هجمات برية على مدن مثل الفلوجة، التي كانت قوات البحرية الأميركية قد طردتهم منها في العام 2004. وينطبق الأمر نفسه على مدينة الموصل في شمال العراق، حيث يقال إن تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسورية يفرض أتاوات مقابل الحماية على الجميع، من بائع البقالة المحلي إلى شركات الهواتف النقالة والإنشاءات –وهو ما يجلب لها عوائد شهرية تعادل 8 مليارات دولار.
يحدث هذا لأن “القاعدة” أعادت تنشيط نفسها عن طريق استثمار مكاسبها في سورية، وحيث أصبح بوسع المجتمع السني في العراق –المصاب بخسارة فادحة في أعقاب سقوط صدام حسين في العام 2003- أن يرى توازن القوى في المنطقة وهو يتغير لصالحه.
كانت الحكومة العراقية التي يهمين عليها الشيعة، المختلة وظيفياً والفجة في أحسن الأحوال، قد عملت بدأب وبالتدريج على أبعاد وتغريب العراقيين السنة بممارسات سمتها التمييز والقمع. وكانت النتيجة أن تنظيم القاعدة اكتسب تأييداً شعبياً وتمكن من إطلاق موجة من التفجيرات التي قتلت ما وصل إلى 1000 شخص، معظمهم من المدنيين الشيعة، في كل شهر.
لكن، في المرة الأخيرة التي فعلت فيها القاعدة ذلك في العام 2006، كانت قد أثارت هجوماً معاكساً وحشياً من جهة الشيعة الذين يشكلون 60 % من سكان العراق. ويبدو أن العالم الخارجي لم يلتقط حقاً حقيقة أن نتيجة الحرب الأهلية العراقية كانت تحويل بغداد من مدينة سنية-شيعية مختلطة إلى واحدة يهيمن عليها الشيعة، مع عدد قليل من الجيوب السنية المتبقية، معظمها في غرب العاصمة. وإذا ما استمرت تفجيرات القاعدة، فإن تلك المناطق ستكون تحت خطر التعرض للمزيد من التطهير الطائفي. وهناك الآن تقارير مفصله، تنفيها الحكومة في بغداد، عن أن العدد القليل من السنة المتبقين في البصرة وما حولها في جنوب العراق يتعرضون للقتل أو يُجبرون على الهرب.
بطريقة مختلفة في سورية، ربما تكون شراسة تنظيم القاعدة في ميدان المعركة قد كسبت له نفوذاً هائلاً، لكنها تتسبب أيضاً برد فعل مضاد بين السنة، وكذلك العلويين والمسيحيين والأقليات الأخرى. وتمتلئ دمشق بالناس الذين لا يحبون الأسد كثيراً، لكنهم يعتقدون مع ذلك بأن الدولة الإسلامية في العراق وسورية وجبهة النصرة هما أسوأ منه. وكان الكثير من الشيء نفسه قد حدث في الأحياء السنية في بغداد في العام 2006، عندما روعت القاعدة الناس بإطلاقها النار على الحلاقين الذين يقصون قصات شعر غير إسلامية، وأشيع أنها تقطع زوجاً من أصابع اليد اليمنى لكل من يُكتشف وهو يدخن سيجارة. وفي الأسابيع القليلة الأخيرة، ظهرت إشارات على الطريقة التي أضعف بها تنظيم “الدولة الإسلامية” التحالف الفضفاض المناهض للأسد، عن طريق إشعاله حرباً في شمال سورية مع الأكراد الذين يشكلون نحو 10 % من سكان سورية.
أحد الدوافع وراء ذلك القتال كان السيطرة على آبار النفط المتركزة في هذه المنطقة. وكان نحو 50.000 من اللاجئين الأكراد قد فروا مسبقاً، لكنه تم إجبار آخرين على الاعتماد على المقاتلين النظاميين من حزب العمال الكردستاني الذي يقاتل الجيش التركي لسنوات.
يرجح أن تكون حصيلة هذه الصراعات عراقاً مقسماً وسورية مقسمة. وحيث ثمة سنيون في العراق، فإنهم سيُقتلون أو يُجبرون على الهرب. ويحتمل كثيراً أن يشمل ذلك بغداد نفسها. وقد أصبح تنظيم القاعدة أقوى في المعاقل السنية، ولو أنه يظل في سورية مكشوفاً أمام احتمال التعرض لضربة ارتدادية. وفي المقابل، سوف تتقوى الحكومات في بغداد ودمشق، ليس لأنهما محبوبتان، وإنما لأن الناس يرهبون البدائل المطروحة عنها.
هل هناك أي طريقة يمكن أن تنتهي بها هذه المذبحة وحمام الدم؟ لا تبدو احتمالات إقلاع ما يدعى مؤتمر جنيف 2 عن الأرض جيدة، مع رفض قيادة المعارضة السورية المنقسمة بعمق حضوره إذا لعب الأسد فيه دوراً. لكنه ليس هناك سبب يجعله يغادر طالما أنه أصبح أقوى عسكرياً وسياسياً مما كان عليه قبل سنة من الآن.
ربما تكون الطريقة الوحيدة للممارسة التأثير على القاعدة وجماعات الثورة الأخرى البالغ عددها نحو 1200 هو تهديدها بإغلاق الحدود التركية البالغ طولها 500 ميل، والتي تحتاج إلى بقائها مفتوحة إذا كانت لتتمكن من الاستمرار في القتال.

 (الإندبندنت) ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية

مؤلف كتاب: “مقتدى: مقتدى الصدر، انبعاث الشيعة والصراع على العراق“.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى