أقلام واراءزوايا

كيف تعمل الخرافة؟ … بقلم :ستيوارت فايس

imagesCA1POHL9

 
في أيار (مايو) 1988، قام دونالد ريغان، الرئيس الأسبق لموظفي الرئيس رونالد ريغان، بنشر مذكراته التي حظيت بفيض من الدعاية والشعبية. وكشفت رؤيته، كشخص من داخل دائرة الرئاسة، عن أن السيدة الأولى نانسي ريغان استخدمت خلال فترة سبع سنوات إحدى المنجمات لتقدم لها النصح حول طيف واسع من المواضيع، والتي صبت العديد مباشرة في شؤون الدولة.
وفق ريغان، فإن “كل خطوة رئيسية وقرار اتخذته عائلة ريغان خلال فترة عملي كرئيس لموظفي البيت الأبيض كان يناقش مقدماً مع امرأة في سان فرانسيسكو، كانت تستشير الأبراج لتتأكد من أن تكون الكواكب في ترتيب مفضل للمؤسسة”. وزعم أن السيدة ريغان “كانت تصر على وجوب استشارتها حول توقيت كل ظهور أو عمل رئاسي، حتى تتمكن بدورها من استشارة “صديقتها” في سان فرانسيسكو بشأن العوامل الفلكية“.
بناء على ذلك، أدى اقتراح أن بعض الأيام “سيئة” إلى جعل الرئيس يلغي الخطب والمؤتمرات الصحفية في تلك الأيام، وفي بعض الأحيان، الحد من السفر جميعاً لأيام عدة. ولم يعمد ريغان أبداً إلى مناقشة هذه المسألة مع الرئيس، ولذلك لم يكن متأكداً تماماً مما إذا كان الرئيس ريغان يعرف المدى الذي كانت إدارته واقعة فيه تحت سيطرة ترتيب النجوم.
في مذكراتها الخاصة بعنوان “دَوري”، اعترفت السيدة ريغان بأنها عمدت، بعد محاولة اغتيال الرئيس في آذار (مارس) 1981، إلى استشارة الفلكية جوان كويغلي بانتظام حول جدول نشاطات زوجها، لكنها أكدت أن “توصيات جوان لم تكن لها أي صلة بالسياسة”. غير أن كويغلي من جانبها زعمت بأنها كانت “منخرطة بشدة فيما حدث في العلاقات بين القوى العظمى، حيث غيَّرتُ موقف ريغان من مسألة “إمبراطورية الشر”، إلى درجة أنه ذهب إلى جنيف وهو مستعد لمقابلة نوع مختلف من الزعيم الروسي“.
رغم أن الاعتقاد بالتنجيم، كما رأينا، كان واسع النطاق، فقد شكلت هذه المسألة إحراجاً كبيراً لإدارة ريغان، ولذلك خصصت السيدة ريغان فصلاً كاملاً من كتابها لتفسير تصرفاتها. وعلى نحو مفهوم، اعترفت بأنها كانت تخاف على حياة زوجها. فبعد فترة وجيزة من تنصيبه، نجا الرئيس بالكاد من محاولة اغتيال. وفي الأشهر التي تلت إطلاق النار، أصيب البابا يوحنا بولس الثاني بجراح في ساحة القديس بطرس، وتم اغتيال الرئيس أنور السادات في القاهرة. وبالإضافة إلى ذلك، كانت هناك “لعنة العشرين”: فمنذ العام 1840، كان كل رئيس تم انتخابه أو إعادة انتخابه في سنة تنتهي بصفر، إما مات أو تم اغتياله وهو في المنصب. وقد انتخب السيد ريغان لولايته الأولى في العام 1980، وكانت مقالات حول “دورة موت عشرين عاماً” قد ظهرت خلال حملته الانتخابية. ولم تكن السيدة ريغان تشعر بالقلق بشكل خاص في ذلك الوقت، ولكنها كتبت: “الآن وقد أصبح زوجي أنا رئيساً وجرت محاولة اغتياله، أصبح ذلك النمط التاريخي مرعباً جداً بالنسبة لي“.
كانت السيدة ريغان مدفوعة بالخوف على سلامة زوجها، ولكن: ما هو السبب في أنها توجهت إلى استشارة فلكية في ضوء الخيارات المتاحة؟ تكمن الإجابة عن هذا السؤال في خلفيتها السلوكية:
هناك سبب آخر جعلني منفتحة على التنجيم، هو أنني أنفقت معظم حياتي في صحبة أناس يعملون في حقل الاستعراض، حيث الخرافات والمعتقدات غير العلمية الأخرى واسعة الانتشار ومقبولة بشكل عام. ربما كان ذلك لأن العمل في مجال الترفيه لا يمكن التنبؤ به ومناف للمنطق، كان كل مؤد عرفته في ذلك المجال تقريباً، بدءاً من أمي التي كانت ممثلة، يؤمن بالخرافات باعتدال على الأقل. وعلى سبيل المثال: من سوء الطالع التصفير في غرفة الملابس. لا تقذف بقبعتك على سريرك. لا تضع حذاءك أبداً على رف أكثر ارتفاعاً من رأسك“.
لكن السيد والسيدة ريغان كلاهما كانا من نتاج ثقافة الترفيه الفرعية التي تشكل -إلى جانب عوالم الرياضة والمقامرة- معقلاً تقليدياً للخرافة. ولا شك أن السيدة ريغان شعرت بأنها تحتاج كل المساعدة التي يمكنها الحصول عليها لضمان سلامة زوجها، ودفعت بها خلفيتها إلى الاعتقاد بأن التنجيم يشكل رد فعل مناسبا على الحياة كثيرة التقلبات.
تعتقد الفكرة الشائعة بأن عدداً من الثقافات الفرعية تكون خرافية بطبيعتها بشكل مخصوص. ويقال إن الذين يمارسون الخرافات، إما يكونون فريدين من نوعهم، أو أن الخرافة تكون سمة لمجموعتهم المخصوصة. وتدعم شهادة السيدة ريغان وجهة نظر مألوفة لدى الممثلين. وتشمل الفئات الأخرى الخرافية تقليدياً جماعات المقامرين والبحارة والجنود وعمال المناجم، والمستثمرين الماليين -بل، وعلى نحو مدهش إلى حد ما، طلاب الجامعات. ورغم أن هناك العديد من الروايات المثيرة للاهتمام عن الخرافات في أوساط هذه المجموعات، فإن القليل من الدراسات المنهجية أجريت حول هذا الموضوع. وكانت الأفضل من بين هذه الدراسات هي مجموعة التحقيقات الاستقصائية التي أجريت حول الرياضيين المدرسين، وطلاب الجامعات، وصفوة اللاعبين.
الخرافة في مجال الرياضة
تشكل الخرافة جزءاً بنيوياً لا يتجزأ من الثقافة الشعبية. وتسهم رياضات الدول العظيمة في صناعة إرثها وتعزيز شعورها بالهوية الوطنية. وفي الولايات المتحدة، يعتقد البعض بأن كرة القاعدة “البيسبول” هي الرياضة الأميركية الرائدة. وقد وصف العديد من الكتاب، بمن فيهم العديد من خيرة الروائيين لدينا، تلك اللعبة بنوع من الخشوع الديني. ويعتقد آخرون بأن كرة القدم الأميركية أو كرة السلة هي الرياضة الأميركية الحقيقية. لكن المعظم يتفقون على أن الرياضة هي شأن أميركي مطلق.
شعبية الرياضة، مقرونة بحقيقة أن ممارسيها يشكلون مجموعة تؤمن بالخرافة تقليدياً، تجعلان الرياضيين، والرياضيين المحترفين على وجه الخصوص، الأكثر شهرة بين كل الذين يؤمنون بالخرافات. وقد وجد الصحفيون متعة سارة في الكشف عن العادات الغريبة لأبطال الملاعب. كان جيم كيلي، الظهير الربعي السابق لفريق بافالو بيلز، يجبر نفسه على التقيؤ قبل كل مباراة، وهي عادة ظل يمارسها منذ المدرسة الثانوية. واعتاد نجم كرة السلة، تشاك بيرسونز، تناول لوحين من الحلوى قبل كل مباراة: اثنين من شوكولاتة “كتكات” أو اثنين من “سنكرز”، أو واحداً من كل منهما. أما تيرك وندل، رامي الكرة السابق في فريق نيويورك ميتس، والذي اعتبرته مجلة “لياقة الرجال” الرياضية الأكثر إيماناً بالخرافات في كل العصور، فكان ينظف أسنانه بالفرشاة بين أدوار المباراة. كما كان واين غيرتسكي (العظيم)، النجم السابق لفريق نيويورك رينجرز للهوكي، يدس الجانب الأيمن من قميصه تحت وسادات الورك دائماً.
يشكل الشك انعدام اليقين جزءاً لا يتجزأ من معظم الرياضات. في كرة السلة، يسجل أفضل اللاعبين المحترفين نصف رمياتهم فقط في الملعب. والظهيرون الربعيون في دوري كرة القدم الأميركية الوطني يتمون
61 %
من تمريراتهم في المعدل. ولأن الحافز إلى الفوز أو جودة الأداء يكون قوياً جداً، فإنه ليس من المفاجئ أن يلجأ الرياضيون إلى السحر في محاولة لتغيير هذه النسب. ولعل من المثير للاهتمام أن الخرافات في داخل رياضة معينة تكون مقصورة بشكل عام على النشاطات الأقل إمكانية لليقين. وقد لاحظ جورج غميلتش، عالم الأنثروبولوجيا ولاعب كرة القاعدة “البيسبول” المحترف السابق، أن معظم الأجزاء المتقبلة في اللعبة هي ضرب الكرة والرمي. ولأن الفوز يعتمد على تسجيل ركضات أكثر من الفريق الخصم، فإنه من الممكن أن يلعب الرامي بشكل جيد جداً ويخسر المباراة مع ذلك، كما يمكن أن يخسر ركضات كثيرة ويفوز. يمكن أن تصيب رمية عظيمة خارج حدود الملعب، ويمكن أن تصبح رمية سيئة ضربة ثالثة حاسمة. وفي الضرب بالمضرب، يمكن أن يجعل معدل 30 % من المرء “لاعباً بارزاً” بينما تشكل نسبة 26 % مجرد متوسط فقط. وعلى العكس من ذلك، يظل اللعب في مجموعة وسط الميدان أكثر موثوقية. وتتوفر للاعبي وسط الميدان ثلاث ثوان تقريباً للاستعداد لاستقبال كرة مضروبة في اتجاههم، ويكون لدى المدافعين وقت أطول من ذلك. ويمكن أن تتدخل أمور عدة لتحويل مسار الكرة من المضرب إلى القفازات. ونتيجة لذلك، وعندما يتم ضرب كرة نحو لاعب وسط ميدان، فإن اللاعب يلتقطها بنجاح أو يتمكن من رمي الضارب إلى الخارج بمعدل 97 %. وهكذا، يكون هناك القليل من الحاجة للسحر في “المياه الأكثر أمناً” من الملعب.
هناك مجموعة من الدراسات حول رياضيي المدارس، تقدم أفضل التحقيقات المنهجية في موضوع الخرافة في الرياضة. وقد وجد هانز بوهرمان وماكسويل زاوج أن النجاح يولد الخرافة والتطيُّر في أوساط لاعبي كرة السلة، من المدرسة الثانوية وحتى المستويات الجامعية. وعادة ما ينطوي الذين يبدأون المباراة، الذين يفترض أنهم أفضل اللاعبين في الفريق، على اعتقاد بالخرافة أكثر من الذين لا يبدأونها. وعادة ما تكون الفرق ذات سجلات الكسب والخسارة الأفضل أكثر إيماناً بالخرافة من منافسيها الأقل حظاً. وفي دراسة ثانية، شخص الباحثون نفسهم أكثر الخرافات شيوعاً بين لاعبي كرة السلة في المدارس. كانت الطقوس التي تمارس عند تنفيذ الرميات الحرة شائعة، كما هو حال الممارسات المختلفة المتعلقة بالزي. ومن اللافت ملاحظة أنه في تساوق مع العادات الاجتماعية المختلفة للشباب والفتيات، فإن لاعبات كرة السلة الإناث كن أكثر احتمالاً للاعتقاد بأن اللباس الجيد مهم للنجاح، بينما يضع الذكور إيمانهم في إهمال اللباس. وعندما يترافق اللباس المهمل مع أشخاص مرتبي اللباس في العادة، نجد أن 86 % من الإناث يبذلن جهوداً متعلقة بالملابس من نوع أو آخر.
في مقارنة بين رياضات جامعية عدة، وجدت جين غريغوري وبريان بيتري قدراً أكبر من التطير والإيمان بالخرافة بين المشاركين في رياضات الفرق، مثل كرة السلة، وهوكي الجليد، وكرة الطائرة، مما هو بين ممارسي الرياضات الفردية، مثل السباحين ولاعبي التنس. وقد نسب المؤلفان هذه النتيجة إلى البث الاجتماعي للمعتقدات الخرافية في أوساط أعضاء الفرق الرياضية. وتجد هذه الفكرة المزيد من الدعم في شيوع خرافات المجموعة بين لاعبي الفرق الرياضية الجماعية.
رغم أن المعتقدات السحرية الكثيرة التي يؤمن بها الرياضيون تكون فردية بحتة، فإن عالَم الرياضة معروف أيضاً بخرافاته المتصلة بالمجموعة أو الفريق. ففي كرة القاعدة، يعتقد على نطاق واسع بأنه إذا تمكن ضارب من حرمان الفريق المنافس من تنفيذ ضربات، فإن من سوء الحظ أن يتم ذكر ذلك في التوقفات خلال المباراة. ويقول البعض إن أفضل طريقة لتجنب “جلب النحس” على الضارب هي البقاء بعيداً عنه تماماً والصمت. وتوجد لدى فريق جامعة كونيكتيكت النسائي لكرة السلة مجموعة من الطقوس الخرافية الجماعية التي يُعتقد بأنها تجلب الحظ السعيد: عندما تنضم أيدي اللاعبات قبل المباراة، تخرج اللاعبات من المجموعة وهن يهتفن “معاً”. لكن هذا الهتاف لا يستخدم أبداً في بداية الشوط الثاني أو في أي نقطة أخرى أثناء المباراة، ويجب تعليم اللاعبات الجديدات الالتزام بذلك لدى انضامهن إلى الفريق.
أخيراً، اكتشف غريغوري وبيتري عنصراً فريداً من الخرافة في لعبة الهوكي. وعادة ما يشارك اللاعبون بالتساوي ولا يتم تمييز أحد منهم تقريباً -إلا في لعبة الهوكي، حيث يعتمد النجاح في لعبة هوكي الجليد بدرجة عالية على أداء لاعب مفرد: حارس المرمى. وتكون مهمة حارس مرمى الهوكي الوحيدة هي تقليل أهداف الفريق المنافس بوقف أو تحويل مسار كل تسديدة يوجهها الفريق الخصم نحو المرمى. وهذه المهمة صعبة في اللعب، ولذلك يتمتع حارس المرمى الموهوب بتقدير عال في الفريق. لا غرابة إذن في أن يجد غريغوري وبيتري أن عدداً كبيراً من خرافات لعبة الهوكي تتعلق بحارس المرمى. على سبيل المثال، عادة ما يعتقد اللاعبون بأن من المهم جعل حارس المرمى يخرج إلى ميدان الثلج أولاً، كما يلمس الكثير من اللاعبين وسائد حماية حارس المرمى من أجل الحظ. ومثل “عدم الضرب” في كرة القاعدة، يتجنب أعضاء الفريق الحديث عن نجاحات حارس المرمى قبل انتهاء المباراة.
طلاب الجامعات والامتحانات
بوصفي شخصاً يدرس بانتظام المساق الذي يخشاه طلبة علم النفس أكثر ما يكون؛ الإحصاءات النفسية، فإنني أدرك تمام الإدراك نوع القلق الذي يمكن أن تجلبه الامتحانات. في ساعات ما قبل الامتحان، خاصة الامتحان الأول في الفصل، أتلقى مكالمات من الطلبة أكثر من أي وقت آخر في العام. ثمة طائفة واسعة من العلل والأمراض، بدرجات متفاوتة من المصداقية، تظهر لدى الطلبة فجأة وتماماً في الوقت المناسب لتأجيل المناسبة المكروهة. وفي هذا الوقت بالذات، تظهر حالات الطوارئ الشخصية والأسرية والطارئة فجأة، وأجد نفسي مجبراً على الاستماع إلى القصص التي كنت لأفضل عدم سماعها. وليست أحداث التقيؤ والبكاء نادرة الحدوث قبل وخلال وبعد الامتحان. وفي إحدى الحالات أصيب أحد الطلاب بنوبة صرع.
في العادة، لا يشتهر طلاب الجامعات بعلاقتهم بالخرافات. وفي حقيقة الأمر، تقترح الفكرة الشائعة أن الأشخاص ذوي التعليم العالي ينبغي أن يكونوا أكثر شكاً وبعداً عن الخرافات من أقرانهم الأقل تعليماً. ومع ذلك، ترتبط الخرافة غالباً بالخوف من الفشل، وعندما يأتي الأمر إلى الامتحانات، فإن الكثير من طلاب الجامعات يكونون خائفين فعلاً. وفي تحقيق رائع عن الخرافات المتعلقة بالامتحان، وجدت اثنان من الباحثين الكنديين أن طلاب الجامعات هم في الواقع مجموعة تؤمن كثيراً بالخرافات.

(ذا أتلانتيك)ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى