الاخبارشؤون فلسطينية

رعب قاتم يحيط بمدينة بيت لحم الصغيرة … بقلم : ستيوارت ليتلوود

219556

 

أصبح عيد الميلاد في لندن هذا العام أكثر قتامة -وهو كذلك عن حق- حين ظهرت في باحة كنيسة سانت جيمس، بيكاديللي، نسخة طبق الأصل عن جدار الضم الإسرائيلي الكريه الذي ينسل بمكر اللصوص ليحيط بجميع أنحاء الضفة الغربية الفلسطينية.
ويشكل النموذج في الكنيسة اللندنية تمثيلاً بالحجم الطبيعي للجدار الحقيقي الذي يرتفع ثمانية أمتار، ويحيط بمدينة بيت لحم الفلسطينية وسكانها المسجونين. ويجيء هذا المشروع الذي يسمى “بيت لحم بلا لفائف“‘Bethlehem Unwrapped’ استجابة لدعوة من الكنائس الموحدة في الأراضي المقدسة التي تناشد كافة الكنائس والمجتمعات في جميع أنحاء العالم “مساعدتنا في استعادة حريتنا”. يزعم الإسرائيليون أن الجدار الوحشي المعروف أيضاً باسم حائط الفصل العنصري، أقيم لحماية مواطنيهم من الهجمات الإرهابية. لكنه يتم في الواقع توجيهه بعناية بحيث يقضم المزيد من المناطق الفلسطينية، ويسهل سرقة الأراضي والموارد المائية الزراعية المنتقاة، بالإضافة إلى الاستيلاء على ملامح المشهد والاتصالات الاستراتيجية وفصل التجمعات الفلسطينية عن مصادر رزقها وعن بعضها البعض.
ليست هذه هي المرة الأولى التي تنسخ فيها كنيسة بريطانية هذا الحاجز الشرير. فخلال أعياد الميلاد في العام 2006، في كنيسة القلب المقدس الكاثوليكية في مسقط رأسي سانت آيفيس في كيمبريدج شاير، وبدلاً من الاستمتاع الحي لأصوات صغار الخراف والأبقار والحمير المعتادة في مشهد المهد، تم استقبال الزائرين بنسخة رمادية قاتمة طبق الأصل من الجدار الإسرائيلية، وبصور ذلك السياج الحقيقي.
كان كاهن الرعية يريد لفت الانتباه إلى محنة الشعب الفلسطيني، واستبدال الفكرة الرومانسية لسرير المذود بالواقع القبيح للاحتلال الوحشي الذي يخنق “بيت لحم الصغيرة” وأهلها بلا هوادة. وقال الكاهن في تلك المناسبة إنه يمكن فهم حاجة إسرائيل للأمن، لكنه كان من الخطأ بناء الجدار على الأراضي الفلسطينية. وقال: “لقد تم تدمير حياة المواطنين العاديين في بيت لحم… ويؤثر (الجدار) على كل جانب من جوانب حياتهم: حيث يتم الفصل بين الأهل والأصدقاء، ويصبح كسب لقمة العيش أكثر صعوبة باطراد، كما أن الوصول إلى الرعاية الصحية مقيد بشدة في بلدة بيت لحم. هذا هو ما سنردد تراتيلنا عنه في هذا الوقت من السنة. إننا إذا استطعنا تزويد هؤلاء الناس ببعض المواد الأساسية الإضافية ومنحهم القليل من الدعم المالي، فإننا يمكن أن نساعد في جعل حياتهم أكثر احتمالاً”. وأعرب الكاهن عن ثقته بأن سكان سانت آيفيس سيريدون التعبير عن دعمهم لهؤلاء الناس المظلومين والمقموعين في عيد الميلاد.
في تعقيبه على ذلك الحدث، وصف متحدث باسم السفارة الاسرائيلية في لندن ذلك بأنه حيلة علاقات عامة رخيصة، ثم تلقى الكاهن المغامر الكثير من الجلد ونيران النقد من الآخرين الذين يعتقدون بأنه ليس ثمة ما هو خطأ في طرق إسرائيل اللصوصية.
ترتبط أبرشية سانت آيفيس بعلاقة توأمة مع أبرشية عابود في الضفة الغربية. وعابود، التي كانت تسمى مدينة الزهور، هي بلدة فلسطينية تاريخية تضم نحو 2000 مواطن، نصفهم مسيحيون ونصفهم مسلمون، وتقع في مكان ليس بعيداً عن مدينة رام الله. وعلى تلة فوق البلدة، كان دير القديسة بربارة القديم الذي نسفه الجيش الاسرائيلي الهمجي في العام 2002. وعبر تاريخها الطويل، يُعتقد بأنه كان في عابود ما لا يقل عن تسع كنائس. وكان الكاهن في سانت آيفيس يقوم بزيارات منتظمة إلى البلدة الفلسطنية، حيث شاهد الظروف المحلية وهي تزداد سوءاً. وقد حظيت فكرة نسخة الجدار التي أقامها كاهن كنيسة بلدتنا بدعم أسقفه الذي قال: “إنها وسيلة درامية لتسليط الضوء على حقيقة أن الناس في بيت لحم اليوم، وخاصة الناس العاديين، ما يزالون يعانون بشتى أنواع الطرق، كما كانوا يفعلون في زمن يسوع.”
كنت قد زرت بلدة عابود أنا نفسي في زوج من المناسبات. وهي مكان يمكن أن يقع المرء في حبه بسهولة. ولكن، حتى هنا في هذا المكان الذي كان فردوساً عربياً ذات يوم، يهدد الجدار الرهيب بفصل سكان البلدة عن الكثير من بساتين الزيتون والأراضي وإمدادات المياه. وينطبق الشيء نفسه على العديد من تلك الأماكن الجميلة في الأراضي المقدسة. وفي حالة عابود، أرغمت الاحتجاجات الحاشدة الإسرائيليين على تعديل مسار الجدار، لكنه ما يزال يسرق الممتلكات القيمة، ويقيد الحركة الشخصية، ويسلب السكان حريتهم.
على الرغم من أن محكمة العدل الدولية اعتبرته غير قانوني وأمرت بتفكيكه، ما يزال جدار الضم العنصري، بأبراجه الشريرة “البلهاء” قيد الإنشاء المتواصل، في تجاهل تام للقانون الدولي واستلاب واضح لحقوق الشعب الآخر الإنسانية. ويرمز الجدار إلى كل ما هو بغيض ومثير للاشمئزاز في العقلية الإسرائيلية. وبسبب غرضه الدنيء وقسوتة المحضة، هذا الجدار على بذور فنائه. وليس ذلك سوى مسألة وقت وحسب.
في الأثناء، سوف يحسن الناشطون صنعاً إذا أوضحوا إلى أقصى حد ممكن ما ينطوي عليه الجدار من أسباب الصدمة والعار. ويبدو أن الأميركيين هم الذين يتولون ريادة الطريق. وكما يشرح فينيام كننغهام، فإن الشيء الذي غالباً ما يكون مفقوداً في احتفالات عيد الميلاد، هو إقامة الصلة مع الحدث التاريخي الأصلي الذي وقع قبل نحو 2.000 سنة من الآن، وكيف تتصل تلك القصة القديمة بالواقع الحقيقي الحالي. وهناك حملة جديدة للوحات الإعلانية تجري الآن في الولايات المتحدة، والتي تحاول أن تعطي لقصة عيد الميلاد القديمة معنى واقعياً معاصراً. ويقول كننغهام أن “اللوحات الإعلانية العامة الضخمة التي هي قيد العرض الآن في مدن مختلفة في أنحاء الولايات المتحدة، تظهر السيدة مريم وهي حامل بابنها يسوع الذي يوشك أن يولد، بينما يقودها زوجها يوسف على ظهر حمار نحو بلدة بيت لحم الفلسطينية القديمة. لكن الذي يواجه هذه العائلة القلقة ليس قوات احتلال الإمبراطورية الرومانية، كما هو الحال في روايات المهد القديمة، وإنما هي قوات الاحتلال الإسرائيلي للنظام الصهيوني“.

 

(ذا بالستاين كرونيكل) – ترجمة: علاء الدين أبو زينة- الغد الاردنية

مؤلف كتاب “راديو فلسطين الحرة” الذي يروي محنة الفلسطينيين تحت الاحتلال.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى