أقلام واراءزوايا

التقارب الأوروبي الإيراني: النموذج الإيطالي…بقلم:حمزة عباس جمول

فهرس1

 

كان واضحاً منذ البداية أن أي اتفاق إيراني _ غربي حول الملف النووي سيكون له آثار مهمّة على ملفات عدة في المنطقة. من هذا المنطلق كثرت التحليلات والدراسات عن انعكاسات الاتفاق الإيراني الغربي على كل من الملف السوري، القضية الفلسطينية، الانسحاب الأميركي من أفغانستان وعلى الملف العراقي. في الجهة المقابلة، ندرت الدراسات عن قضية لا تقل أهمية عن القضايا السابق ذكرها؛ العلاقات الأوروبية _ الإيرانية.

تعددت القضايا الخلافية بين الاتحاد الأوروبي والجمهورية الإسلامية في إيران منذ عام 1979، لكن نتائج الخلاف وردّات الفعل السلبية أوصلت الأوروبيين إلى قناعة مفادها بأن المصالح الاقتصادية المشتركة مدعاة لتجاوز الخلافات. من هذا المنطلق كانت الرغبة الأوروبية في تعزيز العلاقة مع إيران، وأدائها «دور الوسيط» في المفاوضات الإيرانية _ الغربية. إنّ ترؤس كاثرين أشتون المفاوضات كان بمثابة بادرة حسن نية ووسيلة لتكريس دور الاتحاد الأوروبي الرافض لمنطق القوة في إدارة بعض الأزمات الدولية. قد لا تسمح السطور المقبلة بدراسة معمّقة للعلاقة الإيرانية _ الإيطالية، لكن قد يكون مفيداً عرض جزء من الوقائع والأحداث التي طرأت على هذه العلاقة وبوتيرة متسارعة في الآونة الأخيرة.
تُعدّ إيران سوقاً جاذبة للاقتصاد والاستثمار الإيطالي وذلك لسببين مهمّين، إذ يحلّ الوضع الديموغرافي في المقام الأول، حيث أن 61 ٪ من السكان في إيران هم من الفئة العمرية بين 14 -61، أي سن العمل.
ويأتي كل من قطاع صناعة الأغذية الزراعية وقطاع صناعة البتروكيماويات، في المرتبة الثانية. تفيد بيانات غرفة التجارة والصناعة الإيطالية – الإيرانية أن إيطاليا، وبالرغم من العقوبات الاقتصادية، ما زالت تحتل مرتبة الشريك التجاري الأوروبي الأول لإيران. تستورد إيران من إيطاليا ما يقارب 6% من احتياجاتها من قطاع الزراعة والصناعة البتروكيميائية، بينما تشتري إيطاليا ما يقارب نسبة 17.1٪ من الصادرات الإيرانية.
حالما أُعلن الاتفاق النووي الأولي بدأت «تكرّ سبحة» الانفتاح الإيطالي على الجمهورية الإسلامية. بعدما استقبلت روما وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، زارت نظيرته الإيطالية، إيما بونينو طهران في 21 – 22 من شهر كانون الأول/ ديسمبر 2013 على رأس وفد سياسي واقتصادي رفيع المستوى، في زيارة تعدّ الأولى لوزير خارجية إيطاليا منذ عشر سنوات، والأولى لوزير خارجية بلد أوروبي منذ انتخاب الشيخ حسن روحاني. تبعت هذه اللقاءات بأيام معدودة زيارة لرئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ بيار فرديندو كازيني في 4 – 5 كانون ثاني/ يناير 2014، كذلك تجري الترتيبات للزيارة المرتقبة لرئيس مجلس الوزراء إنريكو ليتا إلى طهران، وزيارة مماثلة للرئيس روحاني إلى روما.
من المفيد القول أيضاً، إن زيارة بونينو أتت بعد لقاءين؛ الأول عقد في فيينا بين رئيس مجلس إدارة مجموعة «إيني» الايطالية للطاقة باولو سكاروني، ووزير النفط الإيراني بيجان نمدار زنقانة، على هامش اجتماع لمنظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، مطلع كانون أول/ ديسمبر 2013، والثاني عقد في طهران في 17 – 18 كانون الأول، بين وزير الخارجية الإيطالي الأسبق ماسيمو داليما، ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف.
إن المقياس الأساسي لهذه العلاقة المتبادلة يتمثّل في تلبية الأولويات المتقاربة للطرفين. من جهة، هناك الحاجة الإيطالية لتجاوز أزمتها «القاتلة» من خلال تفعيل وتيرة التعاون مع إيران والمساهمة في تحقيق الأمن في الشرق الأوسط، ومن جهة ثانية تتبلور حاجة إيران إلى الاستمرار في تقليص الضرر الناجم عن العقوبات والاستفادة من «شهور العسل»، التي تلت الاتفاق الأولي، وربما تلك القادمة من بعد شهر حزيران 2014. إن أبعاد هذا الطموح المتبادل هي جيو- سياسية محضة، ولعل المرحلة الحالية في تجدد النظام العالمي هي الفرصة الأفضل للطرفين لتحقيق بعض المكاسب؛ استعادة روما جزء من نفوذها ودورها في المنطقة، وتكريس إيران نفسها كقوة إقليمية.
تتبنى إيطاليا (ومعها الاتحاد الأوروبي) فكرة أن الحل الرئيسي للأزمة الاقتصادية الإيطالية (ومعها الأزمة الأوروبية) يكمن في التوجه نحو الضفة الجنوبية للمتوسط، وفي الانفتاح على السوق الإيرانية. تولي إيطاليا أهمية مطلقة لإعادة رسم نفوذها وحضورها الجيو- سياسي من خلال استغلال اهم ملفين في المنطقة؛ سوريا وإيران. من هذا المنطلق، شاركت في غزو ليبيا، ودعت الدبلوماسية الإيطالية إلى ضرورة تبني الحل السلمي في سوريا، وفي الملف النووي الإيراني، وعارضت استبعاد إيران عن مؤتمر «جنيف 2»، الذي تشارك فيه كمكافأة لتقديمها أحد موانئها البحرية (جويا تاورو في كالابريا) كاستراحة للسلاح النووي السوري في طريقه للوجهة النهائية.
في المقابل، صرّحت إيران بدعمها لترشحّ إيطاليا لعضوية مجلس الأمن. لا يخفى على المطّلع على كواليس السياسة الخارجية الإيطالية إن إيران هي الشغل الشاغل للساسة في روما، وليس أمراً خافياً على أحد أن مقر السفارة الإيرانية في شارع نومنتانا، يعجّ يومياً بالضيوف والوفود على كافة أنواعها؛ الحكومية، مجلسي النواب والشيوخ، غرف التجارة، الجامعات، الهيئات المحلية والمنظمات غير الحكومية. كل هؤلاء ينتظرون تأشيرة الدخول إلى طهران.
فيما تسعى الولايات المتحدة الأميركية إلى حجب الدور الإيراني وتقليص المكاسب الإيرانية الجيو- سياسية من الاتفاق النووي، في المقابل لا يسمح الوضع الاقتصادي الإيطالي بممارسة لعبة الحجب والاستفزاز لإيران بسسب الحاجة الإيطالية – الاوروبية الملحّة للسوق الإيرانية، لكونها من أهم الوصفات العلاجية للأزمة المستمرة.
إن العلاقات الإيطالية الإيرانية تتميز بعمق التبادل التجاري، الذي استمر في التقدم بالرغم من التغييرات التي طرأت على الحكومات في كلا البلدين. خلاصة لما تقدّم، تميّزت هذه العلاقة في مرحلة ما قبل الاتفاق النووي بـ: كثيرٌ من الاقتصاد وقليلٌ من السياسة. ومن الواضح أن المعادلة ستتغير في المرحلة المقبلة لتصبح؛ كثيرٌ من السياسة وكثيرٌ من الاقتصاد، وستكون إيطاليا كما قال الرئيس روحاني «بوابة» إيران للتفاعل مع أوروبا.

الأخبار اللبنانية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى