الاخبارشؤون عربية ودولية

خبيرة في الشؤون الإيرانية لـ”القدس”: طهران تحاول رأب الصدع في علاقاتها مع الخليج

b2a34138_mepanorama41245

الدوحة /يُتابع المراقبون المعنيون بالشأن الخليجي الاشارات التي تُطلقها بين الحين والآخر كل من إيران والإمارات بما يوحي أن شيئا ما بدأ يتغير بين الجانبين في ملف الجزر الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى. آخر تلك الإشارات الرسالة التي بعث بها الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الإمارات لتهنئة الرئيس الإيراني حسن روحاني بمناسبة ذكرى انتصار الثورة في إيران. ومعلوم أن العلاقات بين الجانبين متوترة بسبب النزاع على الجزر الثلاث التي تحتلها إيران منذ العام 1971، بعد انسحاب القوات البريطانية من المنطقة، إذ يحرص الإماراتيون في كل اجتماع خليجي على التذكير بضرورة استعادة الجزر الثلاث.

وأتت رسالة رئيس دولة الامارات في ظرف اتسم بحديث متواتر عن إمكانية وجود محادثات بين الجانبين، بعيدا عن الأضواء، للتوصل إلى تسوية لقضية الجزر، وهي المحادثات التي قالت مجلة “ديفينس نيوز” إنها كشفت عن تفاصيلها في مقال نشرته أخيرا. القدس حملت تلك المعلومات إلى خبيرة الشؤون الإيرانية الدكتورة فاطمة الصمادي في الدوحة وأجرت معها الحوار التالي:

* ما مدى مصداقية المعلومات الأخيرة عن اتفاق محتمل بين إيران والإمارات في شأن الجزر المحتلة؟

لا أعتقد أن هذه المعلومات دقيقة، وقد أثارت الكثير من الجدل في إيران بعد نشر تقرير حول ذلك في مجلة “ديفنس نيوز”. وأعقب ذلك تصريح من الخارجية الإيرانية ينفي الوصول إلى توافق، وأن ما حدث لا يتجاوز قبول إيران ببحث قضايا الخلاف. ثم صدر بيان رسمي من السفارة الإيرانية في أبو ظبي وصف هذه التسريبات بـ”الكاذبة والمختلقة”، ووصفت وكالة أنباء ايسنا تصريحات الشيخ عبد الله بن زايد وزير الخارجية الإماراتي في هذا الشأن بأنها “لا أساس لها”. وأرى أن المسألة لا تتجاوز بدء محادثات سرية ثنائية بين الإمارات وإيران، وأظن أن أي اتفاقات قادمة بين البلدين ستشمل قضايا تجارية واقتصادية، لكنها لن تصل إلى تنازل إيراني في موضوع الجزر.

فهذه المسألة تشكل قضية رأي عام في إيران، بشكل يشبه قضية الملف النووي وعلى مدى سنوات عملت الحكومة الإيرانية من خلال ضخ إعلامي ودعاية سياسية على تأكيد حق إيران في هذه الجزر، إذ تُعقد حولها سنويا مؤتمرات وندوات إضافة إلى كتب وأبحاث تنشر طوال الوقت. ولا يمكن للحكومة الإيرانية وفقا لنصوص الدستور أن تتخذ قرارا على هذا الصعيد من دون الرجوع لمجلس الشوى الإيراني، السلطة التشريعية ذات الأغلبية الأصولية. وتنص المادة 77 من الدستور الإيراني صراحة على أن الاتفاقات والمعاهدات الدولية يجب المصادقة عليها من قبل مجلس الشورى. وهذا النص استخدمه النواب لمطالبة روحاني بأخذ المصادقة على اتفاق جنيف المتعلق بالبرنامج النووي. ومن المعروف موقف نواب المجلس من الجزر حيث قاموا بزيارتها أكثر من مرة لتأكيد حق إيران فيها.

وكان آخرها زيارة لجنة الأمن القومي في المجلس التي أكد بعض نوابها على أن الزيارة تهدف إلى ارسال رسالة توضح حساسية موضوع امتلال هذه الجزر بالنسبة لإيران. وعلق عضو لجنة الأمن القومي والنائب عن مدينة طهران على هذه الانباء بالقول “لقد ارتكب المسؤول الإماراتي الذي صرح لموقع “ديفنس نيوز” خطأً فاحشاً ومن المستحيل أن تتنازل إيران عن الجزر”. لكن بعض نواب مجلس الشورى يعتقدون بأن الازدواجية في تصريحات الخارجية الإيرانية أوجدت هذا اللبس و”جعلت البعض يفكر بأن الحكومة الإيرانية تستطيع عقد اتفاق سري بشأن الجزر مع الإمارات”. يضاف إلى ذلك أن الحرس الثوري قام بتعزيز حضوره اللوجستي في هذه الجزر خلال السنوات الماضية.

* ما علاقة هذا الاتفاق إن صح بالجولة التي قام بها وزير الخارجية الإيراني ظريف على عدد من العواصم الخليجية ومنها أبو ظبي؟

الجولة الخليجية يمكن فهمها في إطار محاولة روحاني ووزير خارجيته لرأب الصدع في العلاقات الإيرانية الخليجية، وإحداث فرق في مجمل السياسة الخارجية الإيرانية، وهنا لابد أن نعود إلى البرنامج الانتخابي للرئيس حسن روحاني، والباب المتعلق بالسياسة الخارجية حيث وجّه روحاني نقدًا حادًا لما وصفه بسياسة “التمركز على الشعارات الخداعة” والفاقدة للاستراتيجية، وهي السياسة التي أدت في النهاية إلى مجموعة من النتائج أهمها إعطاء وجه أمني للجمهورية الإسلامية وتوحيد صف أعداء إيران.

لكن سعي روحاني لبدء صفحة جديدة من العلاقات مع الدول العربية وفي مقدمتها الدول الخليجية لايعني أن نشهد قرارات جذرية على هذا الصعيد، ومن ذلك “تنازل إيراني عن الجزر”، فمسيرة صناعة القرار السياسي تحذرنا من الإسراف كثيرًا بتوقع حدوث تغيير جذري على صعيد السياسة الخارجية، لأن القضايا المهمة لا يكون القرار بشأنها في يد الرئيس وحده بل تشارك في صياغة الاستراتيجية والقرار بشأنها مجموعة من المؤسسات. وتبقى كلمة المرشد هي التي ترجح الكفة، وذلك رغم الاقرار لروحاني بأنه رجل يملك خبرة وكفاءة وعلاقات جيدة مع أطراف المعادلة السياسية على اختلافهم مما يجعل من دوره مؤثرًا على صعيد القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية.

* هل من الوارد أن تتخلى طهران عن هذه الجزر أو بعضها بعد المواقف المتشددة في هذا الملف سواء في عهد الشاه أو في ظل الجمهورية الاسلامية؟

للأسباب السابقة التي أوضحتها لا اعتقد أن إيران ستتخلى عن الجزر. لكن الإمارات معنية اقتصاديا بتحسين علاقتها مع طهران، ولن تقف قضية الجزر عائقا أمام ذلك، خاصة إذا ما تم التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الملف النووي الإيراني، وجرى الغاء للعقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية.

 



* يبدو أن هناك فصلا ثانيا من الاتفاق سيكون فيه لعُمان دور مهم، وهي التي استضافت جلسات التفاوض مع الأميركيين بشأن الملف النووي الإيراني؟

لفهم طبيعة الدور العماني لابد من قراءة هذا الدور ببعده التاريخي، وكيف تشكلت هذه العلاقة خلال القرن الماضي إذ ارتبطت سلطنة عُمان وإيران بعلاقة قديمة شابها بعض التوتر في أكثر من مناسبة. لكنها امتازت بصورة أساسية ببناء إطار من التعاون تعزز بعد تولي السلطان قابوس بن سعيد الحكم في العام 1970؛ إذ ساهمت إيران مع دول أخرى بدعم السلطان قابوس لمواجهة ثورة ظفار، في وقت كان الثوار يتلقون التدريب في دول عربية. ودعت عُمان لعلاقات استراتيجية بين إيران والدول الخليجية ووجهت الدعوة لعقد محادثات بهذا الخصوص منذ سبعينات القرن العشرين. وحافظت عُمان على علاقاتها بإيران بعد انتصار الثورة الإسلامية، واستمرت حتى بعد اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية، ورفضت السماح للعراق بمهاجمة إيران من أراضيها، رغم الانحياز العربي الكبير ودعم الدول الخليجية للعراق. واستمرت هذا العلاقة محكومة بالمصالح المتبادلة إلى اليوم.

أما دور عمان كوسيط، فله خلفية تاريخية أيضا ولا يمكن اختزاله في استضافة جلسات التفاوض التي تمت بشأن الملف النووي الإيراني والتي بدأت فعليا في زمن الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد. فقد توسطت عُمان بين إيران والسعودية وإيران وبريطانيا، ومثلت المصالح الإيرانية في عدد من الدولة الغربية. وكانت وسيطا أيضا بين مصر وإيران طوال فترة غياب التمثيل الدبلوماسي بينهما. ولعبت دورا في انهاء ملف بعض الرهائن الغربيين وكان آخر ذلك تحرير سجناء أميركيين اعتقلتهم إيران عام 2011. وتدرك عُمان كما الامارات أن الاتفاق بشأن الملف النووي يعني انفراجة في الاقتصاد الايراني وتخفيفا للعقوبات، وهذا يعني فتح مجال للتعاون الاقتصادي بين عُمان وإيران.

لكن النقطة الحساسة في موضوع الدور العماني هي أنه عزز من غياب التنسيق بين دول مجلس التعاون الخليجي، وقد يكون الموقف العماني بداية لانهيار مجلس التعاون، خاصة أن العلاقات العُمانية-الإيرانية لم تقف عند حدود العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية، بل وصلت إلى توقيع اتفاق دفاعي عسكري مع إيران في أيلول (سبتمبر) من العام الماضي. وكان من الواضح أن هذا الاتفاق يفتح المجال لتنسيق وتعاون عسكريين لا يستهان بهما، ولعل المناورات البحرية المشتركة في مضيق هرمز دليل واضح على هذا المستوى من التنسيق.

* وهل يُرجح أن تقبل إيران تزويد سلطنة عمان بالغاز والنفط من دون رسوم أو برسوم مخفضة عند اكتمال إنشاء خط الأنابيب بين البلدين في غضون سنتين؟

لا تنكر عُمان حاجتها لعلاقات اقتصادية مميزة مع إيران، وهناك محادثات لاستيراد الغاز من إيران عبر بناء أنبوب بحري بين البلدين، كما أنهما يناقشان الاستثمار في حقول غاز مشتركة في عرض البحر. شعبيا وسياسيا هناك ارتياح إيراني لمستوى العلاقات مع مسقط، ومن غير المستبعد أن تحصل عُمان على امتيازات إيرانية على هذا الصعيد.

* ألا يدل توقيت هذا الاتفاق أو في الأقل المعلومات المتداولة في شأنه على أن له صلة بالاتفاق النووي بين إيران ومجموعة خمسة زائد واحد؟

لا يمكن فصل الحديث عن الاتفاق بشأن الملف النووي الإيراني، أو المحادثات بشأنه عن مجمل الجدال الدائر في المنطقة، بأي حال من الأحوال. وذلك يعود بشكل كبير إلى محورية القضية النووية بالنسبة لإيران. وتسعى طهران بشكل كبير لإقناع جيرانها بسلمية برنامجها النووي. كما أن الملف الاقتصادي بدأ يضغط بصورة سلبية كبيرة على الداخل الإيراني وذلك مرتبط بشكل كبير بموضوع العقوبات، فإحداث انفراج على الصعيد الاقتصادي لن يتم إلا مع الانفراج بشأن الموضوع النووي.

* ما هي انعكاسات اتفاق من هذا النوع على العلاقات بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي: أليس من شأنه أن يزيد من أسباب التباعد والخلاف؟ وتحديدا ما هي تداعياته المحتملة على العلاقات السعودية الاماراتية والسعودية العُمانية؟

إن أي اتفاق ثنائي من قبل أي دولة خليجية مع إيران، خاصة في الجوانب الدفاعية، سيترك تأثيرات سلبية كبيرة على مستوى التنسيق والتكاتف بين دول الخليج. ومن الواضح أن موقع السعودية سيتأثر سلبا بذلك خاصة مع التقارب الإيراني الأميركي وتنامي الدور الإيراني كلاعب إقليمي، وعجز الثوار في سورية عن اسقاط الأسد.

* هل تخشى إيران فعلا من مشروع تشكيل قيادة عسكرية موحدة لدول المجلس في إطار تنفيذ قرارات مجلس الدفاع المشترك في دورته الحادية عشرة بالرياض في تشرين الثاني (نوفمبر) 2012؟

لا اعتقد أن دول الخليج اليوم قادرة على بناء هذه القوة، حتى مع وجود قرار بذلك، وأظن أن مستقبل مجلس التعاون دخل في دائرة التهديد. لكن إيران سعت خلال السنوات الماضية إلى الوصول إلى اتفاقات أمنية مشتركة مع دول الخليج.

القدس دوت كوم

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى