الاخبارشؤون عربية ودولية

حركة “بركات”: لا ولاية رابعة لبوتفليقة ولا للجنرال “توفيق”

c7115904_algeria

الجزائر / تُصر الدكتورة أميرة بوراوي على الانخراط في المعركة السياسية التي تخوضها أحزاب وشخصيات عامة ضد معاودة ترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية رابعة تستمر خمسة أعوام، وهو الذي صعد على سدة الرئاسة في العام 1999. وفي أعقاب ربيع تونس الذي أطاح الدكتاتور زين العابدين بن علي في بواكير العام 2011 ، انطلقت الطبيبة الشابة أميرة مع حركات الاحتجاج التي لم تستقطب سوى أعداد قليلة من النشطاء في شوارع الجزائر العاصمة، وكان مصيرها الاعتقال مثل عشرات المتظاهرين الآخرين. غير أنها قررت أخيرا الانضمام إلى حركة “بركات” التي تعني “يكفي” باللهجة المحلية. وقال أحد المعلمين إن أميرة الطبيبة المتخصصة في التوليد تعمل بكل ما أوتيت من جهد لإجهاض ولاية رابعة لبوتفليقة المصاب بشلل نصفي.

ومنذ إعلان الرئيس الحالي ترشيحه لولاية رابعة كثف معارضون سياسيون ونشطاء في مؤسسات المجتمع المدني تحركاتهم من أجل قطع الطريق أمامه، معتبرين أنه سيكون واجهة لكي يتمكن المستفيدون من عهده من الاستمرار في حماية مصالحهم ويفلتون من القضاء أسوة بوزير النفط السابق شكيب خليل المورط في صفقات نفطية مشبوهة مع شركات أجنبية، إلا أنه استطاع مغادرة البلد في ظروف غامضة عبر مطار وهران المدينة الثانية الواقعة في غرب الجزائر.

وأكد محللون عدة أن بوتفليقة سيعاود إرسال التعديل الدستوري إلى البرلمان بعد فوزه المتوقع في الانتخابات، من أجل إيجاد منصب نائب رئيس يقوم بالمهمات التي لن تسمح له صحته المتدهورة بالقيام بها. وكان المشروع أرسل للبرلمان لكنه سُحب بسبب اقتراب الاستحقاق الانتخابي. وهذا ما يدفع المعارضين من جميع الاتجاهات إما للدعوة لمقاطعة الانتخابات أو للتصويت لمنافسي بوتفليقة.

 وفي هذا السياق كثف نشطاء محاولات التظاهر في شارع مراد ديدوش تلبية لدعوة من حركة “بركات” (تعني باللهجة المحلية “كفاية”)، لكن تلك المحاولات ووجهت باستنفار أمني شامل. وكان شعار “المتظاهرين” واضحا “لا لولاية رابعة لبوتفليقة ولا للجنرال توفيق”. وهذا يعني أن النشطاء كانوا يقصدون رفضا مزدوجا للجناحين المتصارعين في قمة هرم السلطة، أي حاشية الرئيس عبد العزيز بوتفليقة من جهة والفريق محمد مدين المعروف باسم “الجنرال توفيق” قائد المخابرات العسكرية. وكان متوقعا أن تُفرق قوات مكافحة الشغب أية محاولة لكسر ضيق مقرات الأحزاب والجمعيات من أجل الاستقواء بالشارع، فالتظاهر في العاصمة ممنوع بالقانون منذ سنوات، أيا كان المبرر ومهما كانت المناسبة.

لكن المظاهرات يومية تقريبا في المدن الداخلية، وخاصة المحافظات الواقعة في قوس الحقول النفطية في الجنوب والشرق، محورها مطالب اجتماعية تتعلق بمنح الشباب فرصا للعمل وتأمين المساكن ورفض “الحقرة” (الاستعلاء). وكان لافتا أن جامعة “مولود معمري” في تيزي وزو، مركز منطقة القبائل، كانت مسرحا لمظاهرة طلابية معارضة لترشيح بوتفليقة لولاية رابعة ومُطالبة بالديمقراطية واستقلال العدالة. وكان لافتا أيضا أن قوات الأمن تفادت الاحتكاك بالطلاب على عكس ما حدث في العاصمة. واندلعت اشتباكات خطرة في منطقة المزاب أخيرا أساسها خلافات بين المزابيين الذين يعتنقون المذهب الإباضي والعرب المالكيين. وأخفقت السلطات في مواجهتها خاصة بعد تصريحات لمدير حملة بوتفليقة رئيس الوزراء السابق عبد المالك سلال اعتبرت مناهضة لأحد طرفي الصراع وهم الشاوية (فرع من الأمازيغ).

وغير معروف ما إذا كانت الاحتجاجات اليومية في المدن الداخلية ستنتقل من الشعارات الاجتماعية إلى المطالب السياسية في المرحلة المقبلة، إلا أن الثابت أن قوات الأمن لم تفلح في إسكات تلك الحركات العفوية التي يقودها خريجون عاطلون عن العمل يتمتعون برؤية سياسية حادة تعزو المشاكل الكبرى التي يتخبط فيها البلد إلى ما يُسمونه “الفساد”. لكن ما ظل يردده الشباب في مسيراتهم من عناوين عامة عن ذلك الفساد ترجمه هشام عبود ناشر صحيفتي “جريدتي” و”مونجورنال” والضابط السابق في الاستخبارات الجزائرية إلى ما يشبه لائحة اتهام مفصلة، زاعما أن الشقيق الأصغر للرئيس سعيد بوتفليقة مورط في قضايا فساد تتعلق بصفقات نفط عقدتها مجموعة “سوناتراك” (قطاع عام) في عهد وزير الصناعة والطاقة السابق شكيب خليل المتواري عن الأنظار، كما تتعلق أيضا بتلقي عمولات في صفقة الطريق السريعة الرابطة بين شرق الجزائر وغربها، التي أنجزت في عهد وزير النقل السابق عمار غول، والتي تكشفت عيوب كثيرة فيها، وكذلك بقضية مجموعة “الخليفة” (تضم شركات عدة بينها مصرف تجاري ومحطة تليفزيون وشركة طيران…) التي أشهر إفلاسها واعتقل رئيسها عبد المؤمن خليفة. وقد أخرجت اتهامات عبود هذه سعيد بوتفليقة عن طوره للمرة الأولى منذ دخوله قصر المرادية (مقر الرئاسة) في 1999 ليُصدر منذ أيام بيانا توعد فيه هذا الأخير عبود برفع دعوى قضائية ضده “بسبب الاتهامات الخطرة التي يتحمل (عبود) مسؤوليتها أمام الشعب الجزائري” على ما قال موقع “كل شيء عن الجزائر” الذي نقل فحوى البيان.

وسعيد هو الشقيق الأصغر للرئيس بوتفليقة، وكان يعمل أستاذا في الجامعة قبل تسميته مستشارا خاصا للرئيس مسؤولا عن “خلية الاعلام الآلي التابعة لرئاسة الجمهورية” بحسب ما جاء في مرسوم التعيين. غير أن صلاحيات سعيد توسعت حتى قيل إنه بات الحاكم الفعلي باسم شقيقه، الذي أقعده المرض وحال دون تسييره دفة الحكم مثلما كان يفعل في ولايتيه الأوليين. والأرجح أن سعيد صار الغريم الأول للقادة العسكريين الذين يُقال إنهم يحكمون البلد منذ وقف المسار الانتخابي في مطلع تسعينات القرن الماضي وعلى رأسهم “الجنرال توفيق”، الذي حاول الرئيس بوتفليقة قصقصة أجنحته بسحب ثلاثة أرباع الأجهزة التي كان يديرها من دائرة سلطته ووضعها تحت إشراف رئيس الأركان الوفي له الفريق أحمد قايد صالح. أكثر من ذلك، شن الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني (الذي يتولى بوتفليقة منصب رئيسه “الفخري”) عمار سعيداني، وهو من الدائرة الضيقة المحسوبة على الرئيس، حملة غير مسبوقة على “الجنرال توفيق” متهما إياه بالتحكم في مفاصل صنع القرار وبالتقصير الذي أدى إلى اغتيال الرئيس الراحل محمد بوضياف وعمليات إرهابية أخرى بينها محاولة اغتيال الرئيس بوتفليقة في باتنة قبل سنوات. وبعدما أحدث “القصف المركز” على توفيق رجة في الأوساط السياسية، خاصة عشية انطلاق الترشيحات للرئاسة، اضطر بوتفليقة لإصدار بيان شدد فيه على أهمية وحدة الأجهزة العسكرية وأمر توفيق بالاستمرار في أداء مهامه في إطار الدستور، نافيا أن تكون هناك خلافات بين المؤسسة العسكرية وجهاز المخابرات “الذي هو جزء لا يتجزأ من تلك المؤسسة” مثلما قال.

ويعتقد المحلل السياسي الجزائري توفيق رباحي أن تزوير الانتخابات في الجزائر تجاوز الأسلوب التقليدي التقني ليغدو عملية طويلة الأمد ومعقدة كي لا تكون هناك حاجة للتزوير في الصناديق يوم الإقتراع. وأضاف يمكن أن يأتي أفضل المراقبين من المنظمات الدولية المتخصصة، لكنهم لن يلحظوا أي تزوير وستكون النتائج فوزا لبوتفليقة بنسبة تقارب 80 أو 70 في المئة. هل ستخفق كل المحاولات الجارية للإعتراض على ترشيح الرئيس الحالي لولاية رابعة أو في الأقل لإلحاق هزيمة انتخابية به؟ يجزم رباحي بذلك عازيا إياه إلى انقسام النخبة الجزائرية إلى ثلاث مجموعات: الأولى موجودة داخل المنظومة القائمة، والثانية مستقيلة لا تهتم بالشأن العام، أما الثالثة فهي نخبة متخبطة إذ أن صوتها الاحتجاجي يعلو من حين لآخر، لكنه غير مسموع. وهذا يعني أن النظام ليس في حاجة إلى الفئة الأولى، أما الثانية فلا تشكل خطرا عليه طالما أنها لا مبالية بطبيعتها، والثالثة ليست من القوة بحيث تستطيع التأثير في مسار الأحداث، فهي نخبة عاجزة.

ويرى رباحي أن النظام الجزائري يحصد اليوم ما زرعه طيلة عشرين عاما من بث الريبة بين المواطنين بحيث لم يعد أحد يثق في الآخر، فحتى المتظاهرون ضد الولاية الرابعة بات يُروج عنهم أنهم من عملاء المخابرات المعترضة على استمرار بوتفليقة في الحكم. ويعتقد الخبير رباحي أن هناك جانبا من الصحة وآخر من الخطأ في هذه الاتهامات، مؤكدا أن “المسألة لا تتعلق بشخص لكونه سيكون عابرا في جميع الحالات، وإنما بإرساء منظومة ستعمر طويلا “. وفي هذا السياق انتقد رباحي المرشح علي بن فليس غريم بوتفليقة في انتخابات 2oo4 و 2014الذي “كان ينبغي أن يعمل على منع بوتفليقة من الترشح ليس في الشوط الأخير وإنما منذ تعديل الدستور لإلغاء سقف الولايات الرئاسية، فمبارك على سبيل المثال لم يسقط يوم 25 يناير 2011 وإنما من خلال حركات الاحتجاج في الشارع (حركة كفاية) وفي شبكات التواصل الاجتماعي”. وأشار رباحي إلى وجود أمثلة سلبية في المحيط الاقليمي للجزائر إذ أن الرافضين للمسيرات اليوم يطرحون سؤالا غير بريء مفاده “هل تريدون أن نصبح مثل ليبيا؟”. وطبعا يأتي جواب المواطن العادي “راني مليح” (أنا بخير أو وضعي جيد). ويسري مناخ التخويف هذا في مجتمع “ذاق ويلات الارهاب في عقود سابقة إذ لا توجد أسرة جزائرية ليس لها ابن أو أب مقتول أو مسجون أو مفصول من العمل” على ما قال رباحي.

غير أن كثيرا من المراقبين اعتبر أن معاودة ترشيح بوتفليقة المريض جدا من دون نشر كشف طبي عن حقيقة صحته استهانة بذكاء الجزائريين ستساهم في إذكاء الغليان والضجر العام من فساد الحكام. من هنا يبدو ترشيح الرئيس لولاية رابعة كما لو أنه عنصر تعقيد للأزمة السياسية، خاصة أن غريمه بن فليس حذر من أن “عدم احترام الارادة الشعبية سيكون مدخلا للتأزيم”، مؤكدا أنه لا يريد للجزائر “أن تشهد السيناريو الأليم الذي يجري في العالم العربي والذي كان سببه تفريط الحكام في مبدأ التداول على السلطة”.

هل ستُختزل المعركة الانتخابية المقبلة في مواجهة بين بوتفليقة وبن فليس؟ استبعد رباحي هذا السيناريو متوقعا ألا يحصل بن فليس سوى على فتات أصوات من النقابات والأحزاب والغاضبين عموما، “لكنها لن تشكل قوة في وجه التعبئة الشاملة للأجهزة لصالح بوتفليقة” على ما قال. وقدر نسبة مؤيدي بن فليس الذي كان أمينا عاما لجبهة التحرير قبل 2oo4 بنحو 25 في المئة في مقابل 70 في المئة لبوتفليقة و5 في المئة لتيار التصحيحين بزعامة عبد الرحمان بلعياط. وأضاف رباحي أن التغيير لا يصنعه النشطاء الغاضبون وإنما الجماهير، مضيفا أن لبن فليس “ماض انتخابي سيء إذ ناصره كثيرون في انتخابات 2oo4 ضد بوتفليقة، إلا أنه عاد إلى بيته بعد إعلان النتائج بينما فصل كثيرون من أعمالهم ودفعوا الثمن غاليا وما زال بعضهم يُسدد فاتورة موقفه إلى اليوم”.

القدس دوت كوم

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى