أقلام واراءزوايا

القرم: حكاية فارسية…بقلم:اراش ريسنيزهاد

5nk1ef5a

بعد أسبوع من ادعاء المسؤولين الروس والمسؤولين في القرم بأن التصويت على الاستفتاء الذي جرى يوم 16 آذار (مارس) أظهر دعماً جامحاً للانضمام إلى روسيا، حيث أيده 97 % من المقترعين، يبدو أن أزمة القرم ستصدر تداعياتها الجيو-استراتيجية إلى العالم. ففيما وراء أوروبا، سيكون الشرق الأوسط وإيران على نحو خاص بمثابة الهدف التالي، نظراً لكون التهديدات تسافر في المسافة القصيرة. ومما لا شك فيه أنه ليس ثمة من قضية مفردة إقليمية مهمة وحساسة لا تمر من خلال إيران والعامل الإيراني الذي يتفاوت بين الراديكالية الإسلامية والإرهاب والقضية الفلسطينية. وفي الأثناء، يبدو أن كل الطرق تنتهي في طهران. وهناك الآن موجة من التغير الجيو-سياسي التي تأتي من شبه جزيرة القرم، والتي قد تؤثر على المركز السطحي للمنطقة. ولكن، ما هي التداعيات الناجمة عن أزمة القرم والتي ستلقي بثقلها على إيران وجيو-استراتيجيتها والسياسات المحلية فيها؟
أولاً، يتصل تأثير تلك المسألة المباشر بشكل عالٍ بتحالف إيران وروسيا في الشرق الأوسط. ويعطي بزوغ ما تبدو أنها حرب باردة ثانية إيران وضعاً جيو-ستراتيجياً أكبر حجماً في الأمن القومي الروسي. وبينما ما يزال هناك توازن قوى استراتيجي بين إيران والولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبشكل خاص منذ صعود إيران فيما بعد حرب الخليج الثانية والحرب بين حزب الله وإسرائيل في العام 2006 وحرب غزة في العام 2008، فإن إيران تحتاج إلى قوة كبرى لموازنة الولايات المتحدة بشكل عام، وليس استراتيجيا فقط في المنطقة. ومن هذا المنظور، تفضي محاولة بوتين إنعاش القوة الروسية إلى إحداث تطابق أكبر حجماً بين البلدين على صعيد سياستهما الخارجية الشرق أوسطية، على حساب الولايات المتحدة وحلفائها الإسرائيليين- العرب؛ وهو وضع يوسع بيئة إيران الاستراتيجية الخارجية، أي “السياق العملياتي” لتشكل وتنفيذ طموحاتها الأمنية القومية وقراراتها.
سوف تتكشف تداعيات هذا التحول الجيو-ستراتيجي على قضيتين رئيسيتين: البرنامج النووي الإيراني وأزمة سورية. صحيح أن بوتين قد لا يعمد إلى نسف المفاوضات النووية لمجموعة 5+1 مع إيران بسبب القرم، لأن أي مراجعة لموقف روسيا في المفاوضات رداً على ممارسات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قد تعطي إيران موقفاً أقوى في متاهة المفاوضات النووية. وببساطة، فإن روسيا تستطيع تغيير مسار وزخم مفاوضات إيران مع مجموعة 5+1 من خلال تسوية موضوع صواريخ أرض-جو أس 300 طويلة المدى، وهو قرار يغير الترتيبات العسكرية والجيو-استراتيجية في المنطقة.
لن يكون البرنامج النووي الإيراني هو الأمر الوحيد الذي سيتأثر بفعل تداعيات أزمة القرم. فسورية هي المجال التالي الذي سيواجه بموجات من التغير الجيو-ستراتيجي من البحر الأسود. وفي أعقاب سلسلة متلاحقة من الانتصارات التي حققها الجيش النظامي السوري، وعلى وجه خاص بعد الانتصار في القصير واستعادة بلدة يبرود الحدودية، سيوفر دعم روسيا الأقوى درع دعم أكثر صعوبة على الاختراق لإيران وحليفها الاستراتيجي اللاعب غير الدولة، حزب الله، من أجل سحق المجموعات الإرهابية المدعومة من تنظيم القاعدة، مثل الدولة الإسلامية في العراق والشام وجبهة النصرة. ولمزيد من التوضيح، فقد غير تدخل حزب الله ضد قوى المعارضة السورية ميزان القوى في داخل سورية بعد الانتصار الذي تحقق في القصير. كما أنه قلل، فيما ينطوي على مغازٍ، من احتمال أن تكون سورية مثل أفغانستان في التسعينيات وجنة للإرهابيين؛ وهي خطوة ستراتيجية تعيد تعزيز الهلال الشيعي، ذلك المفهوم الجيوسياسي الذي كان الملك الأردني عبد الله الثاني أول من أشار إليه على نحو أثار جدلاً في العام 2004، والذي ما يزال يهيمن على قلب الجيوسياسات في الشرق الأوسط.
لن تقتصر تداعيات أزمة القرم على الفضاءين السياسي والعسكري، بل ستمتد إلى العلاقة بين السياسات والطاقة وموارد الطاقة. أي أن جيوسياسات الطاقة يجب أن تؤخذ على محمل الدراسة الدقيقة أيضاً. وبالكتابة بهذه الروح، فإن أزمة القرم تعيد التأكيد على أن ما يكمن أسفل هذه الأزمة الجيوسياسية هو أيضاً التنافس على موارد الطاقة، حيث تجلب إلى الوراء أهمية الأراضي والمواقع ذات الصلة فيما يتعلق بالموارد الهايدروكربونية ومرافق النقل. وبينما يهدر الكثير من الحبر حول اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الطبيعي لروسيا، فإن هناك فراغاً في موقف إيران في جيوسياسات الطاقة فيما يتعلق بأزمة القرم. وعشية البحث الأوروبي عن موارد طاقة بديلة، تستطيع إيران أن تلعب ببطاقتي النفط والغاز لديها، وبالتالي عرض قوتها في الطاقة على نحو فعال. ومن وجهة النظر هذه، فقد أعطت الأزمة لإيران فرصة كبيرة لتقوية موقفها في قطاع الطاقة من خلال احتمال تصدير غازها الطبيعي ونفطها إلى الاتحاد الأوروبي، وهي خطوة استراتيجية تستطيع التأثير على موقف الاتحاد الأوروبي في المفاوضات النووية مع إيران.
ومع ذلك، قد يكون لأزمة القرم تداعيات سلبية على الأمن القومي الإيراني، وخاصة على وحدتها القومية وعلى أراضيها. وفي الحقيقة، فإن أخطر تهديد ناجم عن ضم روسيا لمنطقة القرم الأوكرانية ينبع من الافتقار لقوة القانون الدولي، كقوة مجتمعية ناعمة، تستطيع الحفاظ على الوحدة الإقليمية للبلدان في وجه القوى الكبرى. وفي داخل إطار العمل هذا، ما تزال الانفصالية تشكل إحدى التداعيات المباشرة لأزمة القرم، والتي تشجع الأقليات الإثنية على السعي إلى الحصول على دعم القوى الخارجية للانفصال. وتعد إيران، كمثل العديد من بلدان الشرق الأوسط، بلداً متعدد الإثنيات واللسانيات، والذي واجه تدخلات القوى الكبرى مثل دعم ستالين لأذربيجان وكردستان في العامين 1945-46. وبينما لا تعتبر المشكلة الإثنية في إيران بعمق نظيرتها في تركيا أو العراق أو سورية، فإن وحدتها القومية يمكن أن تمس بفعل النموذج الجديد الذي أطره ضم القرم.
أخيراً، قد تعيد أزمة القرم ترتيب القوى الداخلية في إيران. ومع أنها مقصورة على الفضاءات الظاهرية، فقد شكل قيام المظاهرات في أوكرانيا تشجيعاً للمعارضة، وخاصة داعمي حركة الخضر، على إنعاش قوتهم في الشوارع. وبالرغم من ذلك، يظهر ضم القرم كمنتج نهائي لمأزق نظام يانكوفيتش أن إضعاف الدولة المركزية في إيران قد يتوج بتداعيات غير مقصودة: تداعيات من الممكن أن تضع وحدة إيران القومية على المحك. وبينما يعد الفوز الأخير لروحاني في الانتخابات الرئاسية بمثابة دق مسمار في نعش استراتيجية تغيير النظام في إيران، فإن الولايات المتحدة، وبالتأكيد إسرائيل، تتطلعان إلى استراتيجية بديلة كانت قد استخدمت ذات مرة ضد السوفيات والصرب: التفكيك الداخلي. وقد تحدث أزمة القرم التي اتخذت شكلاً مختلفاً تغييراً في حسابات الخضر إزاء تحدي النظام الإسلامي في إطار سياق لا يمكن التنبؤ به بالنسبة لوحدة إيران القومية.
في خضم الغبار الناجم عن أزمة القرم، قد يشهد داعمو حركة الخضر قراراً تاريخياً من جانب آية الله خامنئي بالإفراج عن مير حسين موسوي ومهدي كروبي، زعيمي الحركة القابعين تحت الإقامة الجبرية. ويوم 19 آذار (مارس) وصف محمد جواد لاريجاني، رئيس اللجنة القضائية الإيرانية حول حقوق الإنسان، قادة الحركة الخضراء بأنهم أصدقاؤه، وقال: “إننا كلنا نأمل برفع الإقامة الجبرية”. وفي الحقيقة، فقد أفرزت أزمة القرم فرصة فريدة من نوعها والتي استرعت الانتباه الغربي لاحتمال نشوء حرب باردة جديدة. وهذا يعني أن قادة الجمهورية الإسلامية يتوافرون على فرصة تاريخية لحل المشكلة الكأداء كما تبدو، والمتمثلة في دوام الإقامة الجبرية على موسوي وكروبي من دون أي ضغوطات رئيسة داخلية-خارجية.
بالنظر إلى ما حول البيئة الاستراتيجية لإيران، فإن من غير السهل أن يكون المرء متفائلاً. فالنار تضطرم في كل مكان، من سورية وحتى القرم. وعشية الحرب الباردة الجديدة، تتمتع النخب في الجمهورية الإسلامية بالقدر الكافي من الحكمة لتعزيز مكانة دولتها ولإعادة تأهيل شرعية النظام، وهي مهمة قد يتم إنجازها من خلال الإفراج عن قادة الخضر.

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

الغد الأردنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى