الاخبارشؤون عربية ودولية

تعثر محادثات السلام يزيد مآسي السياسة الأميركية بالشرق الأوسط

فهرس2

واشنطن- دبي – رويترز – في كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول تحدث الرئيس باراك أوباما عن السعي لإقرار السلام الفلسطيني الإسرائيلي كواحد من هدفين على رأس أولويات السياسة الخارجية الأميركية خلال فترة رئاسته الثانية.
واليوم تواجه إدارة أوباما خيارا ليس باليسير: فإما أن تكرس مزيدا من الجهد لعملية سلام مترنحة وإما أن تمتص صدمة لحقت بسجلها الحافل بالمشاكل في الشرق الأوسط وتنسحب من المفاوضات.
تحدث وزير الخارجية جون كيري الذي التقى أوباما الثلاثاء “لاستعراض الواقع” عن آماله في أن يعمل الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي مع الوسطاء الأميركيين “للتوصل لسبيل للعودة”. لكن مع انحسار الآمال الآن يحذر كثيرون داخل الشرق الأوسط وخارجه من أن الوضع الحالي لا يتحمل إخفاقا دبلوماسيا أميركيا في المنطقة.
وقال آرون ديفيد ميلر مفاوض السلام الأميركي السابق “أي انهيار لعملية السلام لن يؤدي إلا إلى زيادة الشعور بأننا لا نعي حقا ما نفعله”. ويقول العرب إن أكبر خطر يواجه قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل هو بناء مستوطنات على أراض محتلة وهو أمر ورد أيضا في تقرير أصدره قناصل الاتحاد الأوروبي العموميون العاملون بالمنطقة في فبراير شباط الماضي.
ومنذ عهد الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر في السبعينيات عجز رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبون عن وقف البناء الاستيطاني في الضفة الغربية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967.
والمستوطنات غير قانونية في نظر القانون الدولي. ويقول الفلسطينيون إن استمرار البناء الاستيطاني يبدد مطامحهم في قيام دولة مستقلة بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
أما إسرائيل فلم تخف عزمها الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية الكبرى في حالة إبرام أي اتفاق للسلام مستشهدة بما تصفه بدواع أمنية وروابط تاريخية وتوراتية بالمنطقة.
وسئل مصطفى العاني المستشار البارز بمركز الخليج للأبحاث الذي تربطه صلات وثيقة بمسؤولين أمنيين سعوديين عن مدى تأثر مصداقية الولايات المتحدة حال فشل عملية السلام فأشار إلى أن التوقعات العربية في هذا الصدد كانت ضعيفة أساسا بالفعل. وقال “هذا لأن العرب لم يثقوا قط في هذه الإدارة كصانع للسلام“.
لكن مسؤولا أميركيا كبيرا أكد أن أي قرار حول دبلوماسية الشرق الأوسط لن يتخذ على أساس مكانة الولايات المتحدة وصورتها وإنما على أساس مصالحها القومية ومدى إسهامه في الاستقرار الإقليمي.
ورغم أن الإدارات الأميركية المتعاقبة لم تجن ثمارا خلال عقود مساعي صنع السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تواجه المبادرة الأخيرة عثرات في وقت حساس تسعى فيه واشنطن لتخفيف الانتقاد المنهال عليها لعدم اتخاذها خطوات كافية لتهدئة الحرب الأهلية في سوريا وتشارك في محادثات حساسة مع إيران حول أنشطتها النووية.
بالإضافة إلى هذا يرى البعض أن وقوف الولايات المتحدة بلا حراك إزاء الأحداث في مصر والاضطرابات في ليبيا وتجدد العنف الطائفي بالعراق أثار تساؤلات حول أجندتها الأوسع بالشرق الأوسط.
وتشير استطلاعات رأي إلى تزايد النظرة السلبية تجاه الولايات المتحدة في أنحاء كثيرة في العالم العربي الذي تعهد أوباما يوما “ببداية جديدة” في العلاقات معه بعد أن أثار سلفه جورج بوش استياء بالغا فيه بسبب حرب العراق.
وتبدو الشكوك في قدرة إدارة أوباما على الوساطة في عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية واسعة بالمنطقة كما أن هناك انعدام ثقة بشكل عام في زعامتها رغم تأكيد مسؤوليها على أن نفوذ واشنطن بالمنطقة ما زال قويا. حتى الإسرائيليون أنفسهم الذين يعولون على الولايات المتحدة كأقرب حليف لهم يتشككون في نتائج مساعي كيري من أجل السلام.
قال موشي أرينز وزير الخارجية والجيش الإسرائيلي السابق والذي عمل أيضا سفيرا لدى واشنطن “أخذ جون كيري هذه المسألة بجدية بالغة… لكنه في اعتقادي لم يفهم حقا واقع المنطقة“.
بل إن كيري واجه تقييما أقسى عندما أدلى بشهادته أمام الكونغرس امس الاول وقدم دفاعا مسهبا لأداء الإدارة. فقد قال له السناتور الجمهوري جيمس ريش “ليس بوسعك تقديم يد العون لكنك تعطي انطباعا بأن سياستنا الخارجية تخرج عن السيطرة.”

* آمال عريضة ثم توقعات هزيلة
حين أقنع كيري الرئيس الأميركي العام الماضي بدفع عملية سلام الشرق الأوسط لرأس قائمة أولويات السياسة الخارجية في فترة رئاسته الثانية تم تصوير هذه الاستراتيجية على أنها وسيلة لإبداء حسن النية في منطقة أطاحت فيها انتفاضات الربيع العربي بزعماء ظلوا في مقاعد الحكم لسنوات طوال. لم تكن الفكرة تتمثل في كسب الثقة لمحاولة حل النزاع القائم منذ عقود ولكن أيضا في حرمان جماعات إسلامية أمثال القاعدة من أداة تجنيد وتبديد سبب من الأسباب الرئيسية التي تتعلل بها إيران لدعم مسلحين مناهضين لإسرائيل.
لكن حملة كيري للسلام قوبلت بتشكك عميق منذ البداية. وعلى مر أكثر من ثمانية أشهر من الدبلوماسية الحثيثة لم يبد أي جانب استعدادا لتقديم التنازلات الصعبة المطلوبة للتوصل لاتفاق سلام.
وأمام هذا لم يجد كيري بدا من تقليص أهدافه الطموح .. إلى الدرجة التي جعلت الآن مجرد تمديد مهلة المحادثات لما بعد الموعد المحدد في 29 أبريل نيسان إنجازا في حد ذاته. ودخلت المفاوضات مرحلة أزمة الاسبوع الماضي بعد سلسلة من الضربات المتبادلة.
لكن كيري بحسب ما ذكره مسؤولون أميركيون نبه الطرفين إلى أنه ليس بوسعه التركيز بلا نهاية على عملية سلام غير مثمرة بينما هناك قضايا دولية أخرى ملحة تتطلب منه اهتماما مثل الأزمة الأوكرانية. وسارع الفلسطينيون والإسرائيليون باستئناف المناقشات وتقول الإدارة الأميركية إنها لم تسلم بالفشل لكن الصورة تظل كئيبة ومن المتوقع أن يحد كيري من دوره حتى وإن عادت الروح إلى عملية السلام.
ورغم رفعه عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية إلى قمة قائمة أولوياته هي والتوصل لاتفاق نووي مع إيران ظل أوباما معظم الوقت بمبعدة عن تفاصيل المفاوضات تحسبا فيما يبدو لأن تلقى المحاولة نفس مصير مبادرته في هذا الصدد خلال فترته الأولى.
لكن سعيا للحد من تكهنات بأن أوباما قد يسحب البساط من تحت كيري نقل مسؤول بالبيت الأبيض عن الرئيس قوله لفريق أمنه القومي يوم الجمعة “يتناقل كثيرون أحاديث مسؤولين كبار عن كيري وسلام الشرق الأوسط. لكني أكبر مسؤول وليس لدي ما أعبر عنه سوى الإعجاب بكيفية تعامل جون مع الأمر“.
ومن الواضح أن واشنطن تعي أن ترك جهود السلام الآن يحمل مخاطر منها تعزيز الانطباع بأن إدارتها تسعى للانسحاب من قضية الشرق الأوسط.
قال دينيس روس كبير مستشاري أوباما سابقا لشؤون الشرق الأوسط “هناك اضطرابات هائلة بالمنطقة وعلى الساحة الدولية حاليا. هل تريد أن تضيف إليها؟ … لا نود أن ينهار شيء نستثمر جهدا فيه“.
ومع خطوات الإدارة الأميركية المترددة حيال إرسال شحنات أسلحة محدودة لمقاتلي المعارضة السورية يرى بعض المحللين أن فشل عملية السلام قد يكسب الرئيس السوري بشار الأسد جرأة بتسليط الضوء على ضعف موقف الولايات المتحدة في المنطقة.
وتنتاب إسرائيل والسعودية حليفي الولايات المتحدة مخاوف بالفعل من أن يوحي عزوف أوباما عن ضرب الأسد بسبب استخدام أسلحة كيماوية في سوريا العام الماضي بأن واشنطن -التي تسعى لعدم الانزلاق إلى حرب جديدة- لن تقبل على استخدام القوة لمنع إيران من تطوير أسلحة نووية. كما أن هناك مخاوف في المنطقة من أن ترى إيران في اضطراب عملية السلام بالشرق الأوسط علامة على أن إدارة أوباما تتوق لنجاح دبلوماسي بأي ثمن وهو ما قد يدفع طهران لأن تسلك خطا متشددا فيما يتعلق بتقديم تنازلات في المحادثات النووية.
غير أن مسؤولا أميركيا كبيرا قال إن إدارة أوباما لا ترى صلة بين دبلوماسية الشرق الأوسط والأزمة الإيرانية أو السورية. حتى وإن صدق هذا الحديث فإن الثمار التي يمكن أن تجنيها الولايات المتحدة ربما تكون قليلة نظرا لما يوليه الآن الزعماء العرب وبلدانهم من اهتمام بمشاكلهم الداخلية أكثر من تركيزهم على القضية الفلسطينية التي كانت تعتبر يوما القضية الأساسية بالمنطقة.
قال المؤرخ جوزيف كشيشيان المقيم في بيروت “كل العرب منشغلون بدعوات الثورات والإصلاحات” متحدثا عن الدول الخليجية العربية القريبة من الأسرة الحاكمة بالسعودية.
لكنه أضاف “القضية الفلسطينية لن تذهب أدراج الرياح“.

الحياة الجديدة

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى