أقلام واراءزوايا

سؤال لا جواب له…بقلم: الياس خوري

28qpt998

 

 

كنا نمشي متمهلين أمام إحدى البركتين الكبيرتين اللتين انتصبتا شاهدا لضحايا الحادي عشر من أيلول/سبتمبر في نيويورك، حين التفتت الي ع. وسألتني:’هل نستطيع يوما ما أن نبني في بيروت بركا لضحايا الحرب الأهلية؟ تخيل كيف سيبدو مشهد المدينة وقد تحولت الى برك تكتب بسطور الماء حكايات الضحايا’. التفتت إلي وهي تشير الى الفجوة في أسفل البركة التي تبتلع أسطر الماء المتدفقة من جنباتها الأربعة وقالت: ‘بل تخيل كيف سيبدو المشرق العربي كمتواليات من البرك تكتب حكايات ضحايا الوحشية الإسرائيلية في فلسطين والإستبداد الصدامي وبعده الغزو الأمريكي للعراق، والإستبداد الأسدي في سوريا’، إلتقطت هاتفها الذكي وبدأت تلتقط الصور من دون انتظار جوابي.
ذهبنا الى موقع برجي التجارة العالمي من أجل هاتين البركتين اللتين صممتا من أجل تخليد تلك اللحظة المروعة في حياة نيويورك، فأخذنا الماء الى سره. جاءت سطور الماء التي رسمت بدقة متناهية، لا من أجل أن تمحو الذكريات بل من أجل أن تغسلها، وتعيدها الى ما قبل تلوثها بالدم وانسحاقها بالألم.
لكن سؤالَي ع. أثارا فيّ المواجع، أحسست بأن ذاكرتي صارت ثقيلة وخانقة، فالذاكرة التي ترفض أن تخلي المكان لحاضر يتجاوزها، وتصر على ان تستعيد نفسها في هذا النزيف العربي الذي لا يتوقف، تصير كائنا هيوليا لا نستطيع ان ننساه، لكننا لا نستطيع ان نتذكره أيضا.
لم تنتظر ع. جوابي لأنها كانت تعرف أنني لا املك جوابا. قالت لي هذه المرأة اللبنانية الشابة التي وُلدت في الحرب، إنها تخشى ان لا يتسنى لجيلها التمتع بلحظة سلام واحدة، حيث نسأم كما يسأم الناس في كل مكان، ونتذكر من دون ان نشعر بأن ألم الحاضر يستطيع ان يكون اكثر هولا من آلام الماضي.
السؤال الذي لا جواب له هو لغز بلادنا. ع. لم تكن تتوقع جوابا، عرفت ذلك من عينيها اللتين لم تلتفا اليّ، بل ذهبتا بعيدا في لعبة العلاقة بين سطور الذاكرة والماء الذي يغسلها.
حين تكون أسئلتنا أجوبة معلقة في الفراغ فهذا يعني أننا فقدنا القدرة على الكلام، لأننا نعيش في دوامة الموت.
هذا ما يشير إليه ما يطلقون عليه اسم معركة الإنتخابات الرئاسية في لبنان، فهي تدور في فراغ الذاكرة. مجموعة من أمراء الحرب والقتلة يتراشقون بالكلمات كأن الكلمات تشبه الحجارة، وحفلة اتهامات تعلن أن طيف الحريات النسبية في لبنان عاجز عن إنتاج الديمقراطية، لأنه غارق في لعبة الطوائف وتابع لأطياف القوى الإقليمية.
او تخيلوا انتخابات رئاسية في سوريا يفوز فيها السفاح بشار الأسد، او تخيلوا الإنتخابات الرئاسية المصرية، التي تجري على ايقاع تفرد العسكر بالسلطة، او تخيلوا الإنتخابات في العراق المبطنة بالدم والأحقاد الطائفية.
دوامة الموت هذه لا تنتج ذاكرة بل تنتج حاضرا من الحقد لا تستطيع أنهارنا أن تطفئه. لا العاصي قادر على إطفاء رائحة الدم في حماة التي ملأت الدمار السوري الكبير، ولا النيل ودجلة والفرات يمتلكون ما يكفي من الماء.
لم أكن أنوي أن أكتب في السياسة العربية الراهنة، لأنني أعتقد أننا أضعنا في هذه اللحظة المنقلبة بالثورات العربية معنى السياسة التي أغرقها السفاحون بالدم. كنت أريد ان أطل من خلال بركتَي المكان التذكاري لضحايا الحادي عشر من أيلول على حكايات يوحنا المعمدان، وتلك الطائفة الدينية الصغيرة في العراق التي عرفت تحت اسم الصابئة، والتي تقيم كل طقوسها الدينية في المياه الجارية، وهي طائفة سحرتني طقوسها، ومعتقداتها وانغراسها في تربة الأساطير والحكايات. لكن للأسف فبعد الجنون الدموي الذي رافق الغزو الأمريكي للعراق لم يعد لها من وجود في بلاد ما بين النهرين، وكان عليها أن تتذوق مرارات المنفى في الشمال الأوروبي.
قالت ع. ونحن خارجين من الحديقة التذكارية إنها لم تتوقع مني جوابا على سؤالها. قالت إنها لم تعد تسأل بحثا عن جواب، فالأسئلة بالنسبة لها صارت تمرينا ذهنيا لا هدف له سوى الحفاظ على الحد الأدنى من قدرة العقل على العمل.
قالت إن كل الأجـــــوبة التي سمعتــــها حتى الآن كانت خاطـــئة، ‘كيف استطعتم ان تعيشوا كل حيواتكم في الأجوبة الخطأ’؟
أجبتها أن تعميمها ليس دقيقا، وأن هناك فرقا بين خطأ الإنسان وتعقيدات التاريخ، وحاولت أن أشرح لها أن ما تعيشه العرب اليوم يشبه ما عاشه أجدادنا خلال الغزوتين الإفرنجية والمغولية، حيث ساد التفكك وعمت الفوضى وسالت الدماء. وأن هذا ما يمكن أن نطلق عليه اسم عماء التاريخ، وهو عماء لا علاج له سوى الصبر.
قلت كلمة الصبر ونظرت الى عينيها، لا بد أن جوابي أفحمها، لكن ابتسامة سخرية ارتسمت على شفتيها وهي تقول: ‘أرأيت كيف رسبت في الإمتحان، أنا لم أسألك بحثا عن جواب تتغرغر بكلماته، سألتك سؤالا لا جواب له، فاذا بك تنزلق الى الأجوية’.
‘ماذا تقترحين’؟ سألتها.
‘أقترح أن نفترق الآن، سوف أذهب للقاء بعض الأصدقاء، كان مشهد البركتين ممتعا وهذا يكفي’.

Email this page

القدس العربي

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى