أقلام واراءزوايا

لماذا تتصاعد التوترات الدينية في جميع أنحاء العالم؟…بقلم:نويل سوان

images

 

الولايات المتحدة- الأعمال العدائية الدينية على مستوى العالم، والتي تتضمن وضع الحكومات قيوداً على الكيفية التي يستطيع بها الأفراد ممارسة عباداتهم، والصراعات بين المجتمعات ذات الأديان المختلفة، وصلت أعلى مستوياتها في ست سنوات في العام 2012، وفقاً لمركز بيو للأبحاث.
ثلث الدول والأقاليم التي شملتها الدراسة التي صدرت الأسبوع الماضي، والبالغ عددها 198، شهدت مستويات عالية من القيود الدينية، مع وجود حصة أكبر من الناس المتضررين من الأعمال العدائية الاجتماعية القائمة على أساس ديني، والتي شملت الإساءات اللفظية، وجرائم الكراهية العلنية، والقتل.
يقول بريان غريم، الباحث الرئيسي لجميع الدراسات الخمس التي أجراها معهد بيو: “هذه هي المرة الأولى التي وجدت فيها هذه الدراسة أن الأعمال العدائية الاجتماعية المتعلقة بالدين تؤثر على حصة من سكان العالم أكبر حتى من أولئك الذين تؤثر عليهم القيود الحكومية المفروضة على الحريات الدينية”.
لكنه حتى في الوقت الذي يشير فيه المراقبون إلى قدر أكبر من الهجرة العالمية والاندماج مع أناس من أديان مختلفة كسبب أساسي، فإنهم يقترحون أيضاً أن بوسع مثل هذا الاختلاط أن يساعد في نهاية المطاف في تخفيف التوترات الدينية.
كان التحرش الديني حاضراً في 185 بلداً منذ بدأ معهد بيو قياس الحرية الدينية أول مرة في العام 2007. وقد واجه المسيحيون التحرش الأكثر انتشاراً، وجاء المسلمون بعدهم في المرتبة الثانية. وزادت المستويات الكلية للعداء الديني في كل منطقة من مناطق العالم، باستثناء الأميركتين.
في واقع الأمر، يقول كثير من اللاهوتيين إن بحوثاً مستقلة أجريت على مدى عدة سنوات ماضية، والتي أشارت بالمثل إلى أن “التعصب الديني في حالة تقدم”، وهو شيء ينسبونه إلى عدم الاستقرار السياسي وتحقق قدر أكبر من التشابك والتداخل.
يقول ميروسلاف فولف، الأستاذ في كلية اللاهوت في جامعة ييل والمدير المؤسس لمركز ييل للأديان والثقافة: “أفضل منطق يمكن أن أفهمه من ذلك، هو أن عمليات العولمة تقوم بتقليص العالم، وقد أصبح الناس يرتطمون بعضهم ببعض مع القليل جداً من الحدود الصارمة الثابتة وغير القابلة للنقل بينهم”.
حريتي في ممارسة ديني
في حين أن سقوط الاتحاد السوفياتي وانهيار عالم الحرب الباردة عرضا حريات دينية جديدة لكثير من الأفراد، فقد فتح ذلك الباب أمام زيادة التوترات أيضاً. وقد شهد البروفيسور فولف، الذي نشأ في يوغوسلافيا السابقة، ذلك التحول وهو يتكشف مباشرة وعن كثب. ففي ظل النظام الشيوعي والعلماني رسمياً، عاش الكاثوليك والبروتستانت جنباً إلى جنب دون وقوع حوادث، فيما يعود في جزء كبير منه إلى الشعور بأنهم يتعرضون للاضطهاد نفسه معاً وعلى حد سواء، كما يقول فولف. وكان فقط عندما زال اضطهاد الحكومة حين ظهرت الأعمال العدائية بين المجموعتين.
يميل الناس إلى التفكير في الحقوق الديمقراطية من حيث حريتهم هم في ممارسة دينهم الخاص، ولا يرون بالضرورة هذه الحقوق وهي تمتد لتشمل حرية الأفراد الآخرين في ممارسة أديانهم المختلفة، كما يقول فولف. وثمة سيناريو مماثل يتكشف حاليا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، الإقليمين من العالم حيث وجدت دراسة بيو الارتفاع الأكثر وضوحاً في منسوب العداء الديني.
تقول دانا روبرت، أستاذة اللاهوت في جامعة بوسطن ومديرة مركز جامعة بوسطن للمسيحية العالمية والتبشير: “عندما تبحث في فشل الدولة القومية، فإنك تجد أن الناس يبحثون عن معنى يكون أوسع، وأكبر، وأكثر قوة من الفشل الذي يختبرونه من حكوماتهم. وهكذا، يقدم الدين مجموعة بالغة المرونة من التقاليد التي يمكن أن ينسج المرء على منوالها في أوقات الإجهاد. ليس من المفاجئ أن ما يبدأ وكأنه مجموعة علمانية ومعتدلة من التغييرات، يصبح أكثر استغراقاً وأكثر دينية إذا لم يحدث التغيير بالطريقة التي يحتاجها الناس”.
يقوم كل من الأستاذ روبرت وفولف أن الروابط العالمية المتزايدة ساعدت في تأجيج الشعور بأن الأديان الأخرى هي مجموعات مشؤومة تتكون من “آخرين” أكثر من كونها أفراداً مرتبطين بشكل فضفاض، والذين يتقاسمون القيم فحسب. وبينما ينمو هذا التصور، يبدأ الناس في رؤية العائلة القاطنة أسفل الشارع -لا كجيران، وإنما كأعضاء في دين عالمي بأجندة دولية، كما يقول روبرت.
ويمكن أن يكون المزيد من تكامل الدين مع السياسة ساماً بنفس المقدار، كما يقول فولف، الذي يضيف: “إن أسوأ شيء حدث للدين في العالم هو ربطه بالسلطة السياسية. بمجرد أن يحصل ذلك الارتباط، يكون من السهل جداً أن نرى كيف تتم إساءة استخدامه. يمكن أن يساء استخدامه في الأنظمة الاستبدادية، كما أنه يمكن أن يساء استخدامه في الأنظمة الديمقراطية أيضاً”. ومع ذلك، ربما تشكل العولمة والهجرة المفتاح للمساعدة في مكافحة هذا الخوف المستمر من الآخر، كما يقول.
على سبيل المثال، عندما يلتقي المسلمون من مجموعة متنوعة من الخلفيات الثقافية المختلفة في مكان مثل مدينة نيويورك، فإنهم يكتشفون أن هناك أكثر من طريقة واحدة لممارسة دينهم، ما يقول فولف. وبالمثل، فإنهم يتعرضون بشكل متكرر لأفراد من أديان مختلفة، ويمكن أن يتفاجأوا بحقيقة أنهم ربما يتقاسمون الكثير من القيم مع الآخرين.
عندما تصبح الحدود بين الأديان والثقافات أقل صلابة، فإن “الدين يصبح أكثر روحانية بكثير، وأقرب كثيراً إلى شيء يتحدث إلى الشخص كفرد ويربط الناس عبر خطوط قسمة أخرى مختلفة. أنا شخصياً أرى أملاً في ذلك. أرى أملاً في ذلك للإسلام. وأرى أملاً فيه للأديان الأخرى أيضاً”.
إن هذا يحدث كل الوقت في البيئات التربوية، كما يشير روبرت. عندما يتم تعريض الطلاب للثقافات والأديان الأخرى من خلال الأدب، وأعمال المساق الأكاديمية، والتفاعل المباشر، فإنهم يبدأون في تطوير حس توسعي للنفس في علاقتها مع الآخر.
ومع ذلك، فإن التعليم ليس حلاً سحرياً. “في بعض الأحيان، يكون الناس الأكثر عنفاً هم القادة المتعلمون، لأنهم يمتلكون المهارات اللازمة لاستغلال المجموعة”، كما يضيف.
يقول السيد غريم، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن “من المهم ملاحظة أن القيود الدينية والأعمال العدائية تؤثر على الناس من جميع الأديان، وحتى على الأشخاص الذين لا يتبنون أي معتقد ديني. إنها ليست قضية طائفية، ولا قضية حزبية، ولا قضية سياسية، وإنما هي قضية إنسانية تؤثر علينا جميعاً”.

الغد الأردنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى