الاخبارشؤون فلسطينية

الحرب على غزة ودورة الإفلات من العقاب

 03ail45n

في الوقت الذي يذهب فيه هذا المقال إلى المطبعة، يستمر عدوان إسرائيل الثالث الذي تشنه على غزة في خمس سنوات ليدخل أسبوعه الثاني، بلا وجود أي نهاية منظورة في الأفق. وقد قتل الجيش الإسرائيلي حتى هذه اللحظة أكثر من 200 فلسطيني -نحو 80 في المائة منهم من المدنيين، وفقاً لإحصائيات الأمم المتحدة- وجرح أكثر من 1300 آخرين. وفي كل ذلك، يتفاخر المسؤولون الإسرائيليون بدقتهم في الاستهداف، لكن معدل الخسائر المرتفع في المدنيين، والناجم عن الهجمات المستمرة على المنازل والمستشفيات والمدارس والمقاهي، ومراكز إعادة تأهيل المعاقين، والمساجد والعناصر الأخرى من البنية التحتية غير العسكرية، كلها أمور تستدعي إلى الذهن استنتاج كاتب صحيفة هآرتس، جدعون ليفي، الذي كتب: “هدف عملية الجرف الصامد.. هو استعادة الهدوء؛ ذلك يعني: قتل المدنيين. لقد أصبح شعار المافيا هذا رسمياً في السياسة الإسرائيلية”.
بطبيعة الحال، لا تقل استراتيجية حماس القائمة على إطلاق صواريخها سيئة التصويب -نحو 1000 منها حتى الآن- في اتجاه المدن الإسرائيلية، فظاعة عن القذائف الإسرائيلية الأكثر فتكاً بكثير؛ حيث يشكل كلاهما في الحقيقة انتهاكاً للقانون الدولي، والذي يرقى إلى درجة ارتكاب جرائم الحرب. لكن معدل الإصابات غير المتناسب بشكل كبير -حيث قتل إسرائيلي واحد حتى الآن، وأصيب بضعة أشخاص فقط بجروح- يعري الطبيعة الحقيقية لهذه “الحرب” التي يستخدم فيها واحد من أقوى الجيوش في العالم طائرات (إف-16)، والطائرات الحربية العمودية، والطائرات من دون طيار والمدفعية الثقيلة، ضد سكان بلا دفاع تقريباً، مسجونين في قطاعهم بلا أي مكان يهربون إليه أو يختبئون فيه.
بطبيعة الحال، يشكل الدعم الأميركي التلقائي لإسرائيل، والذي يعبر عنه الساسة من كلا الحزبين، عرفاً معتاداً منذ وقت طويل، ولا يكاد يفاجئ أحداً. لكنه يظل من المخجل والمثير لمشاعر الصدمة مع ذلك أن يسمع المرء دبلوماسيي البيت الأبيض وهم يتحدثون بشكل متكرر عن “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” بينما هي تمطر القنابل والصواريخ على الناس في غزة. وقد كررت الكثير من وسائل الإعلام الأميركية نفس تلك الكليشيهات المستهلكة عن “دورة العنف”، كما لو أن الصراع بدأ فقط عندما تم اختطاف وقتل ثلاثة من المراهقين الإسرائيليين. لكن الذي ضاع تماماً في حمى الإعلام كان السياق الأعمق لهذه الجولة الأحدث من سفك الدماء. كان انهيار عملية السلام سيئة الإدارة في الربيع الماضي قد خلق فراغاً خطيراً. وقد أحال وزير الخارجية الأميركية جون كيري معظم الفشل في تلك المفاوضات إلى مشروع إسرائيل الاستيطاني الذي لا يتوقف. وألقت إسرائيل من جهتها اللوم على الاتفاق بين حماس والسلطة الفلسطينية، والذي صممت على تدميره بشتى الطرق.
على هذا النحو رأت الحكومة الإسرائيلية فرصتها في حادثة اختطاف المراهقين الثلاثة: فمع أن الشرطة الإسرائيلية أصبحت متأكدة في غضون أيام بأن العملية كانت من صنع أفراد غير منتمين إلى جماعة معينة وليس من صنع ناشطين من حماس، وضع جهاز الأمن الداخلي “شين بيت” نظاماً أسكت صوت الإعلام بحيث تستطيع الدولة أن تستهدف وتحاصر المئات من أعضاء حماس. وفي الوقت نفسه، أطلقت الحكومة حملة عن طريق “تويتر” بعنوان “أعيدوا لنا أبناءنا” في استغلال وحشي لغضب أهالي الأولاد المقتلولين، وإنما لتشكل أيضاً جزءاً من هستيريا شعبية عارمة ضد الفلسطينيين بشكل عام، وحماس بشكل خاص. وقد نفع ذلك -ربما أكثر مما قُصد منه، بينما حط مناخ منذر يشبه المذبحة على البلد كله عندما تم العثور على جثث الأولاد الثلاثة، وأرسل نتنياهو نفسه صرخة “الانتقام لدم الطفل الصغير” لتصل هجمات الرعاع ذورتها بخطف وإحراق مراهق فلسطيني وهو حي خارج نطاق القانون.
سوف يكون التوصل إلى وقف لإطلاق النار صعباً الآن، بالنظر إلى الاضطرابات الإقليمية السائدة -وهو ما يصنع المزيد من الأسباب التي ينبغي أن تدفع الحكومات الأوروبية والإقليمية إلى تكثيف جهودها لتحقيق هذه الغاية.
لكنه ما لم تتم معالجة القضايا الأكثر عمقاً، فإن الدورة سوف تستمر -ليس دورة العنف، وإنما دورة الحصانة والإفلات من العقاب. والحصانة هي ما يحدث عندما يقوم معتد بانتهاك أعراف القانون الدولي والحقوق الإنسانية الأساسية، لكنه لا يتعرض للمساءلة على الإطلاق، ويكون بذلك حراً في ارتكاب الجرائم نفسها مرة تلو الأخرى. هذا هو ما نشهده الآن، وهو بالضبط ما حذر منه تقرير غولدستون -مكتشفات تحقيق الأمم المتحدة في عملية الرصاص المصبوب الإسرائيلية ضد قطاع غزة في العام 2008-2009. وقد خلص التقرير حينذاك إلى أن إحضار الذين ارتكبوا تلك الجرائم أمام العدالة -إسرائيل وحماس على حد سواء- ربما يكون السبيل الفعال الوحيد للحيلولة دون قدوم دورة أخرى من العنف.
كانت الولايات المتحدة هي التي حالت دون حصول توصيات غولدستون على جلسة استماع عادلة في الأمم المتحدة -والولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة في العالم، والتي تشكل المزود الرئيسي لجيش إسرائيل، والمدافع بلا قيود ولا شروط عن إسرائيل في المحافل الدولية، هي التي تتحمل المسؤولية النهائية عن استمرار الاحتلال المستمر منذ عقود. ربما يبدو البيت الأبيض والكونغرس الأميركيين وأنهما القلعة الحصينة التي تقف أمام أولئك الذين يناضلون من أجل العدالة في هذه القضية. لكنه لا يجب التقليل أبداً من شأن العمل المستدام للقوى الشعبية على مستوى الجذور. ما تزال الحملة من أجل تحقيق العدالة في إسرائيل/ فلسطين صغيرة، لكنها تنمو بثبات، والساسة والإعلام يعلمون ذلك. والحقيقة، مع وجود جماعات مثل (جيه ستريت) و”الصوت اليهودي من أجل السلام” حاضرة في المشهد، أن الوقوف في وجه منظمة (آيباك) ومثيلاتها لم يعد انتحاراً سياسياً. إن من واجبنا، كمواطنين أميركيين وكمواطنين في هذا العالم، أن نجبر الساسة على القيام بالعمل الصائب وإلزام إسرائيل بإنهاء احتلالها، وأخيراً، منح الحرية لفلسطين.

الغد الأردنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى