الاخبارشؤون عربية ودولية

الصراع والتنمية في الشرق الأوسط

فهرس

إذا كان الربيع العربي قد جسد رغبة في تأسيس تجمعات سياسية، فإن الموجة الحالية من الصراع في العالم العربي تسعى إلى تحقيق العكس تماماً. إنها تستند إلى تدمير التجمعات القائمة، سواء كانت مدنية أو اقتصادية أو سياسية. وفي الوقت الذي يحتاج فيه العالم العربي إلى أسواق متصلة إقليم من أجل التشارك في الازدهار، فإن ما نشهده الآن بدلاً من ذلك هو أقلمة للعنف. ولا يقوم العنف الجاري بتدمير النسيج الاجتماعي للمجتمعات العربية فحسب، وإنما يهدد أيضاً بالتسبب بانتكاس اقتصاد المنطقة لعدة عقود. وبينما تبقى الكلف السياسية والاجتماعية لهذا الصراع معروفة تماماً، فإن التداعيات الاقتصادية ليست معروفة على نطاق واسع، ولا هي خاضعة لما يكفي من النقاش. وتشير التقديرات الحالية إلى حدوث خسائر اقتصادية هائلة، تصل قيمتها إلى ما يعادل 800 مليار دولار. والبلدان العربية السبعة الأكثر تضرراً من هذه الاضطرابات هي  كل من مصر، وتونس، وليبيا، وسورية، والبحرين، ولبنان والأردن.
يظهر الأثر الاقتصادي للأزمة العربية الراهنة في الإحصائيات المجمعة. وقول هذه الإحصائيات أن معدل النمو الاقتصادي في الدول العربية قد انخفض من 5.9 % خلال الفترة ما بين 2005-2010، إلى 4 % خلال الفترة 2011-2013. وكان التراجع الأكثر حدة هو المسجل في سورية، حيث هبط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي فيها من 5.1 % إلى صفر في المائة. وفي لبنان المجاور، هبط معدل النمو الاقتصادي من 7.7 % إلى 1.5 %، بينما شهد اليمن هبوط معدل النمو فيه إلى النصف خلال هذه الفترة (هابطاً من 4.6 % إلى 2 %). كما هبطت حصة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي إلى النصف أيضاً، منحدرة من  15 % إلى 7 % من هذا الناتج في المنطقة العربية. ويعزى جزء من هذا الهبوط إلى انخفاض تدفقات الاستثمار من الخارج (انخفض حجم الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 30 %). وهناك قدر أكبر من التسرب الاقتصادي الأوسع إطاراً، والذي يفضي إلى ارتفاع مستويات الديون والتضخم. وعلى سبيل المثال، هبط ترتيب مصر على مؤشر التنافسية الدولية بمقدار 48 نقطة منذ العام 2010. فيما انزلق ترتيب تونس بمقدار 43 نقطة أيضاً.
يصنع هذا الواقع ملفاً اقتصادياً محبطاً. وإذا كان الفقر والبطالة هما شعاري التحشيد للانتفاضات العربية في العام 2011، فقد ساءت أحوالهما فعلياً في السنتين الأخيرتين. في سورية، أصبح 45 % من السكان يعيشون حالياً تحت خط الفقر؛ فيما حلق المعدل المقدر للبطالة هناك ليصل إلى 39.4 %. وحتى في تونس –التي ربما يمكن القول بأنها المولود الأكثر أملاً للربيع العربي- ارتفع معدل البطالة من 13.3 % في العام 2010 إلى 17 % في العام 2013. ومن المعروف أن الاقتصاد المتدهور يشكل الأرضية الخصبة المثالية للصراع، ويهدد باصطياد المنطقة وجعلها عالقة في دوامة مستمرة من العنف.
ينطوي اقتصاد الصراع بهذه الطريقة على الكثير من الأبعاد، والتي يشكل التدمير واسع النطاق للبنية التحتية المادية واحداً منها. وقد أصبح حجم الدمار الذي أصاب هذه البنية غير عادي، والذي يشمل الطرق، والجسور، والمدارس، وتوليد الطاقة، وإمدادات المياه. وهكذا، وفي حين كانت المنطقة العربية تتطلب استثماراً في البنية التحتية بمقدار 450 مليار دولار قبل الربيع العربي، فقد ارتفع هذا المبلغ ليصل إلى ما يقارب 700 مليار دولار. وعلى سبيل المثال، تحتاج كلفة إعادة إعمار ليبيا وحدها فاتورة سنوية قدرها 24 مليار دولار. ومع تدمير أكثر من 4.000 مدرسة في سورية، تقدر الإسكوا أن كلفة إعادة الإعمار يمكن أن تصل إلى 200 مليار دولار.
أدى العنف أيضاً إلى تشريد بشري واسع النطاق. وقد تم تشريد الملايين من العرب نتيجة للصراعات، فتم تشريد 5.4 مليون عراقي منذ العام 2003. كما تشرد نحو 4.25 مليون شخص داخلياً منذ بداية الأزمة السورية، وعبر الملايين الحدود إلى الدول المجاورة كلاجئين. وقد سجلت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين 1.5 مليون سوري في لبنان، و1.1 مليون في الأردن. وينطوي مثل هذا التسرب البشري على تداعيات اقتصادية عميقة وهائلة بالنسبة للدول المجاورة. ويجسد الأردن تحديات الاقتصاد السياسي التي يمكن أن يشكلها الصراع الإقليمي على البلد المضيف، حيث أصبح اللاجئون السوريون يشكلون 10 % من إجمالي عدد سكان الأردن. وقد وضع ذلك المزيد من الضغوط على أنظمة الخدمات العامة الضعيفة أصلاً. من ذلك التحاق ما يقرب من 160.000 طفل سوري بالمدارس الحكومية الأردنية المكتظة أصلاً. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، ارتفعت كلف السكن في شمال الأردن بنسبة مذهلة بلغت 300 %. ومع وصول ما يقارب 160.000 من العمال السوريين المستعدين للعمل بأقل من الحد الأدنى لأجور السوق، أصبحت هناك ضغوط متزايدة على أسواق العمل الأردنية.
لا يقتصر هروب الناس على البعد الفيزيائي وحده، وإنما ينطوي على تداعيات اقتصادية أيضاً. وتُبنى على العلاقات التبادل للسوق على شبكات من الثقة ورأس المال الاجتماعي. ومن الصعب استبدال مثل هذه العلاقات التي يجري تشكيلها وجني ثمارها خلال فترات طويلة من الزمن. ويمكن أن يفضي هذا النزوح إلى انهيار منهجي للأسواق الضعيفة والمجزأة أصلاً. وتتشكل الاقتصادات العربية من فضاءات منقسمة، تحكمها ضرورات السلطة أكثر مما تحكمها آليات الأسواق نفسها. ويعمل العنف المستمر على المزيد من قطع الروابط الضعيفة مسبقاً بين الأسواق الإقليمية العربية. وقد انخفضت الصادرات الأردنية إلى سورية بأكثر من النصف، بينما عانت تجارة الترانزيت هبوطاً حاداً من 70.000 طن في العام 2009 إلى 23.000 طن في العام 2013. ويشكل ذلك كارثة اقتصادية، والتي لا يمكن تقدير الحجم الحقيقي لها قبل سنوات قادمة.
حفزت الأحداث الأخيرة في المنطقة الكثير من المراقبين على استدعاء أوجه التشابه بين الظروف العربية الراهنة وبين اتفاقية سايكس-بيكو في العام 1916، التي حددت مناطق النفوذ البريطانية والفرنسية في المنطقة. ويتساءل المحللون عما إذا كانت هناك عملية إعادة رسم للحدود الجغرافية قيد العمل. وربما يكون من المبكر جداً الحكم على ما إذا كانت الحدود الحالية التي تقسم العالم العربي ستتغير مرة أخرى، لكن ما يمكن قوله بثقة مع ذلك، هو أن الحدود القائمة تزداد سُمكاً، بينما يجري تعريف حدود داخلية جديدة على أساس خطوط دينية وطائفية. وستعمل هذه الحدود على المزيد من تجزئة الأسواق العربية.
مع ذلك، لن يعمل التغيير في جغرافية العالم العربي على تغيير دوافعه الاقتصادية. ومع أنه يمكن رسم ألف خط في الرمال لتكون حدوداً لوحدة وطنية أو أخرى، لكن ذلك لن يغير الواقع الاقتصادي الأساسي للمنطقة. سوف يظل التحدي الكبير المتمثل في خلق وظائف للشباب قائماً. وكذلك الحاجة إلى إنشاء عقد اجتماعي جديد قائم على التعليم، وقطاع خاص نشط، وأسواق متصلة إقليمياً. سوف تتسبب الفوضى فقط في إعادة المنطقة العربية إلى الوراء. وبدلاً من حل مشكلات المنطقة الاقتصادية المزمنة، فإنها تقوم ببساطة باستبدال مجموعة من المشكلات بأخرى فقط.

الغد الاردنية

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى