أقلام واراءزوايا

تاريخ عسكري موجز لإسرائيل وتوقع للمستقبل … بقلم :ويليام فاف

فهرس

أكثر من نصف قرن، منذ أصدرت الأمم المتحدة قرار تقسيم دولة الانتداب البريطاني في فلسطين من أجل إنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في إطار ما كان حتى الحرب العالمية الأولى جزءاً من الإمبراطورية العثمانية، هيمن المؤسسون الصهاينة على أرض فلسطين، فيما أصبح يعرف باسم إسرائيل.

في 1947-1948، عارضت جميع الدول العربية تقريباً فكرة التقسيم واعتبرته عملاً من أعمال العدوان، لكنها منيت بهزيمة . وبتحقيق ذلك النصر، أقامت إسرائيل على ما يبدو مكانها الدائم، ليس فقط فيما كان فلسطين في السابق، وإنما في داخل كامل الشرق الأوسط أيضاً، بدعم من الولايات المتحدة. وقد ضمن استمرارية هذا الموقف من الديمومة دعم الولايات المتحدة والغالبية العظمى من الدول الأوروبية الغربية. ثم سرعان ما تمكن الإسرائيليون من تأكيد هذا الموقف بأنفسهم من خلال إحراز الانتصارات العسكرية على الجهود العربية في كل من السنوات 1956 و1967، و1973-1974.

بعد ذلك، نجح هجوم إسرائيلي جديد شُن على لبنان العام 1982 من أجل طرد قوات منظمة التحرير الفلسطينية إلى الدول العربية الأخرى، ولكن ما جاء في أعقابه -محاولة الاحتلال الدائم لجنوب لبنان باستخدام مرتزقة يعملون لحساب إسرائيل، فشلت بسبب عمليات حزب الله ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي وضد أهداف في داخل إسرائيل نفسها. وقد انسحب الجيش الإسرائيلي تماماً من لبنان في العام 2000.

كانت تلك أول هزيمة تمنى بها إسرائيل، والتي قلبت الطاولة في الصراع العربي الإسرائيلي، وجاءت على نحو غريب بما يكفي نتيجة لأعمال الغطرسة التي يقوم بها الإسرائيليون أنفسهم. وقد بدأت هذه الأعمال مرحلة جديدة من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والتي لم يكن العرب فيها هم الذين يبدون محبطين بشكل دائم، والخاسرين في كل من المبادرات الدبلوماسية تحت الرعاية الأوروبية والأميركية من أجل تعريف وتحقيق حل الدولتين. وقد انتهت كل هذه المبادرات دائماً إلى طريق مسدود، ودائماً بسبب إصرار واشنطن على أن تكون شروط التسوية النهائية مريحة لإسرائيل، وبطريقة تخدم شهية حكوماتها اليمينية المتزايدة للاستيلاء على الأراضي الفلسطينية واحتلالها.

في الحقيقة، بدأت مرحلة جديدة من الصراع، والتي قدمت فيها إسرائيل العدوانية نفسها على نحو متزايد للفلسطينيين -وللعالم- على أنها منقسمة داخلياً أكثر من كونها متحدة، غير واثقة، وضعيفة، وليس بسبب ما فعله الفلسطينيون وإنما بسبب ما فعله إسرائيليون بإسرائيل ومصالحها الخاصة (وفي الواقع المصالح الأميركية)، خصوصاً في ظل حكومات نتنياهو اليمينية التي حكمت في الفترة 1996-1999 وفي الفترة من 2009 وحتى الوقت الحالي، والتي تأمل أن تحكم مرة أخرى بعد الانتخابات الوطنية المقررة في آذار المقبل.

بدأت هذه المرحلة بالهجوم العكسري الذي شُن بلا شفقة في 2008-2009 وعلى مدار شهر كامل ضد قطاع غزة الذي تسيطر عليه حماس ضعيفة التسليح والمعزولة، والذي كان موجهاً ضد السكان المدنيين في البلاد بقصد فرض درجة كثيفة من المعاناة عليهم، ودفعهم إلى رفض حركة حماس المتصلبة التي كانوا قد انتخبوها لتنظيم قطاع غزة (في تجاهل للتحذيرات التي صدرت عن السلطة الفلسطينية، بل والحكومتين الإسرائيلية والأميركية). وبدلاً من تحقيق غايات العدوان، تحمل السكان الفلسطينيون في غزة “عملية الرصاص المصبوب” بصبر، وفي النهاية أعلنت حماس النصر. ولم يكن ذلك يبدو انتصاراً بالنسبة لأي أحد آخر، بالمعايير العسكرية أو المادية. ولكن إسرائيل، في المقابل، لم تنجز أي شيء، وإنما ألحقت الهزيمة بنفسها أخلاقياً.

كانت نتيجة تلك الحرب هزيمة للعنف كسياسة، كما كان حال غزو إسرائيل للبنان في العام 1982 الذي صده حزب الله، وكذلك هزيمة الاحتلال الإسرائيلي الطويل لجنوب لبنان. ثم جاء الهجوم الإسرائيلي التالي الأول على غزة بعد ثماني سنوات من ذلك، في استجابة للهجمات الصاروخية الاستفزازية المتعمدة التي شنتها الفصائل الفلسطينية في غزة. وبعد ذلك تم استدراج العملية العسكرية الإسرائيلية التالية “عمود النار” في العام 2012 عمداً مرة أخرى. وفي هذا العام، أفضت العملية الأخيرة، التي جاءت في أعقاب استفازات صغيرة النطاق بالصواريخ، إلى قتل أكثر من 2000 مدني في غزة، وتلتها موجة من الانتقادات الأجنبية والتوبيخ الكثيفين. وكانت بالنسبة لإسرائيل مجرد جهد عبثي لا طائل تحته.

استخدام الهجمات العكسرية على طريقة “الصدمة والرعب” ضد السكان المدنيين، والمرافق الطبية والمدارس والبنية التحتية العامة، وكذلك مرافق الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية -والتي يفترض أن تعمل على إخضاع المدنيين الفلسطيين، وأن “تظهر العزم”، كما يقول الجيش الأميركي- لم تقدم سوى القليل من المكاسب الإيجابية لإسرائيل، إذا كانت هناك أي مكاسب من الأساس، وأسهمت فقط في نزع الصدقية عن السياسة الإسرائيلية في الخارج، وهو ما ساعد وعزز حركة مقاطعة إسرائيل. وقد أفضت تلك الاعتداءات العسكرية إلى ما يصر الإسرائيليون على وصفه بأنه معاداة للسامية، لكنه كان في الحقيقة عداءاً للانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي عن طريق مواصلة إسرائيل سياساتها الاستيطانية وأعمالها العسكرية، أكثر من كونه مدفوعاً بأي عداء للشعب اليهودي. وهناك فرق كبير بين الحالتين.

تضافرت هذه السياسات مع التجاهل الصلف لأكثر حلفاء إسرائيل أهمية، الولايات المتحدة والأوروبيين الغربيين، لتخلق وضعاً -يكاد يصل الآن إلى ذروته في الانتخابات الوطنية الإسرائيلية المقررة في آذار، والانتخابات الرئاسية والتشريعية الأميركية في العام 2016- والذي يهدد بعزلة إسرائيل الكاملة عن عالم الدول الديمقراطية -أو يدفعها إلى “الهاوية” على الأقل، كما قال زعيم حزب العمل، إسحق هيرتزوغ، مؤخراً. وهي ستقود بالتأكيد إلى حرب أخرى أيضاً، والتي ستكون إسرائيل في حال خوضها قد تجردت من كل أصدقائها.

*كاتب ومحلل. آخر كتبه هو “سخرية القدر: مأساة السياسة الخارجية الأميركية”.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى