أقلام واراءزوايا

المبادرة لا تزال في أيدي إيران وتركيا وإسرائيل…بقلم:مصطفى كركوتي

فهرس

لا يزال من الصعب التكهّن بما سيؤول إليه هذا «الربيع العربي» الذي بزغ فجره على المنطقة في مطلع 2011، ولكن المؤكد كما تبين الوقائع اليومية أن شريط الفواجع المتنوعة مستمر بلا انقطاع، إذ باتت الفاجعة القريبة تمحو ما قبلها من الأذهان. وجراء بشاعة هذه الفواجع لم يعد من الحكمة التنبؤ بما قد يجري ولو بعد يوم واحد. فمن هو «بعيد النظر» ذاك الذي تجرّأ في 2010 أو 2009 على تخيل الحالة التي وصلت إليها منطقة الشرق الأوسط الآن؟ فما حدث في فترة أربع سنوات من قتل ودمار وتوحش ورسم جغرافيا جديدة وظهور كيانات حديثة على خلفية عنفية غير مسبوقة في الذاكرة الجمعية المعاصرة، أبرز في شكل صارخ واقعاً من اليأس المؤلم والآفاق المغلقة لم يعرف سكان المنطقة مثيلاً لها في السابق.
ما حدث من صدمات تاريخية للعرب في القرن العشرين، على شدتها، لا تشكل غير جزء بسيط من بشاعة وتوحش أحداث الزمن الراهن، لا سيما الأعوام الأربعة الأخيرة. فمن السهل ترتيب صدمات وخيبات العرب السابقة زمنياً بدءاً من هزيمة حرب 1948 وقيام دولة إسرائيل وحتى غزو العراق في 2003 مروراً طبعاً بالحرب الأهلية/ الإقليمية في لبنان وحرب العراق/ إيران وحرب الكويت، وربما كانت الصدمة الأشد في هزيمة حزيران 1967 التي كانت مفصلاً في حياة العرب لجهة وضعهم في مستهل منحدر سياسي واقتصادي للمرة الأولى منذ الاستقلال، وهو ما لم يتمكنوا من الخروج منه بعد.
فقد وضعت تلك الهزيمة آنذاك نهاية حادة وصادمة لجملة من التوقعات القومية الواعدة في ظل السنوات الأخيرة من قيادة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر المهيمنة، التي تبين بسرعة أنها لم تكن غير مجرد أحلام شاردة تحولت إلى كوابيس إثر وفاته ومهدت لنهاية قيادة مصر للنظام العربي. فالنظام العربي بمجمله تقريباً، لم يفشل فحسب في لملمة ندوب الهزيمة، بل أفسح المجال أمام قيام حرب لم تهمد بعد بين النظم العربية كان لبنان ساحتها لنحو ثلاثة عقود (1975-2005).
سنوات «الربيع العربي» شهدت حدثاً لافتاً غير مسبوق في تاريخ المنطقة الحديث ألا وهو سقوط عواصم رئيسية فيها وخروج أنظمة حكم منها بسرعة، كانت حتى قبل حين من الأنظمة الفاعلة فيها مثل العراق وسورية ومصر. فهذه كانت على مدى نصف قرن على الأقل دول صنع القرار العربي الرسمي والشعبي، مدعومة دائماً بنظم دول الصف الثاني المانحة وصاحبة النفوذ المالي والتي كانت دائماً تحسب حساب الدول الثلاث. المعادلة تغيرت جذرياً إلى حالة هي أقرب إلى الهلع منها إلى الارتباك مع غياب تام لأي تصور مستقبلي في مرحلة يسود فيها عنف متوحش تفجرت فيها سلسلة من الأزمات المعقدة والدفينة، على خلفية تقدم مستمر لإيران وتركيا وإسرائيل.
هناك أربعة تطورات رئيسية ظهرت فجأة تسبب إرباك النظام العربي وهلعه أولها طبعاً ظهور «داعش» على الخريطة السياسية وإعلانه عن قيام دولته (الخلافة) وضمه السريع والعنيف لأجزاء كبيرة من سورية والعراق، بما في ذلك منابع نفطية مهمة في البلدين. والعامل الصاعق في هذا الصدد قدرة «داعش» على تنظيم وحشد ما يقدر بنحو 15000-20000 مقاتل غير عربي قدموا من نحو 70 دولة، مما يجعل إرهاب «القاعدة» وبن لادن والظواهري يبدو من عالم الأمس.
ولكن كي يتمكن «داعش» من الاستمرار والمحافظة على قدرته في التعبئة يجب أن يجد الحاضنة الراغبة به الآن ومستقبلاً. ومن الضروري النظر إلى «داعش» على أساس ما حققه من رمزية مهمة في فضحه عجز النظام الإقليمي والمحلي على كل الصعد تقريباً.
التطور الثاني وهو أهم التطورات، يتمثل في فشل ما تبقى من النظام العربي لما قبل «الربيع العربي» في لملمة صفوفه والاتفاق على صوغ خطة مشتركة وفاعلة لمواجهة «داعش» وخطرها الماحق، بدلاً من استمرار الخلافات في ما بين دول هذا النظام والمماحكات بينها حول سبل المواجهة: هل هي تشكيل قوة عربية مشتركة بين الراغبين أم التنسيق الثنائي أم العمل الفردي؟ فالغريب عجز هذا النظام العربي عن التوصل إلى خطة مشتركة متماسكة تمهيداً لمواجهة المأزق المصيري، وذلك على رغم انهيار دوله الواحدة تلو الأخرى أمام نصب الأعين. وواضح أن دولاً مثل إيران وتركيا وإسرائيل تبدو الوحيدة المحافظة على زمام المبادرة، ليس فقط في حماية حدودها الجغرافية فحسب، بل في التوسع والنفوذ في أجزاء عدة من دول المنطقة، لا سيما في سورية والعراق ولبنان والضفة الغربية وبقية الأراضي العربية المحتلة.
التطور الثالث هو الغياب التام لأي دور عربي ذي معنى على صعيد الأنظمة العربية حتى الآن في مواجهة «داعش». فأين هي القوات البرية اللازمة لمواجهة كهذه؟ فهذا الغياب لا يجد له تفسيراً بين صفوف الناس العاديين غير الخيبة واليأس. والملاحظ أن التناحر العربي- العربي هو السمة الغالبة لواقع الحال بدلاً من التوصل إلى تفاهم لوضع سياسة موحدة لمواجهة المستقبل الغامض.
التطور الرابع هو غياب دور دولي فعال على الأرض لوقف تمدد «داعش»، إذ كما يبدو لا يوجد في ميدان المواجهة غير الموفد ســتافان دي ميــستورا الذي يرى في نظام دمشق جزءاً من الحل ما يزيد من اختزال وتهميش مسألة الحرب ضد الإرهاب. ومن ناحية أخرى، نجحت روسيا بوتين حتى الآن في شغل العالم بمسائل أخرى بعيدة عن الشرق الأوسط مثل أوكرانيا منذ مطلع عام 2014 كما تعكف الآن على فتح أزمة جديدة في منطقة البلطيق.
وبدورها فإيران تحقق نجاحات سياسية وميدانية، أكان في محادثات الملف النووي أو على صعيد دور قواتها المباشر ورديفها ميلشيات «حزب الله» في العراق وسورية. كل هذا يحدث في ظل كارثة إنسانية هي الأسوأ منذ الحرب العالمية الثانية.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى