الاخبارشؤون عربية ودولية

“داعش” هنا ليبقى

فهرس
كانت هجمات متحف باردو في تونس بمثابة المناسبة الأحدث التي كشفت عن المخاطر التي تشكل التطرف الديني المتنامي. وما بدأه تنظيم القاعدة، حوله تنظيم “الدولة الإسلامية” الآن إلى حركة متمددة، ذات قاعدة مناطقية، ودعاية قوية، والتي تستخدم العنف المتطرف.
* * *
التقى أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي في العام 1989 في جبال أفغانستان، حيث كانا يقاتلان ضد السوفيات؛ لكنه لم يكن من الممكن لهما أن يعرفا في ذلك الحين ماهية الدور الذي سيلعبانه في توسع الإسلام المتطرف. رأى ابن لادن، السعودي، نفسه على أنه القائد المختار للإسلام الكوني المستقبلي؛ وأراد الزرقاوي الأردني أن يقيم الحكم السلفي في الشرق الأوسط ليحل محل المملكة الأردنية التي ناصبها الكراهية والعداء. كان هذان الطموحان للألفية الجديدة -أحدهما عابر ونبوئي، والآخر دقيق ومادي- هما اللذان اقترحا المسارين اللذين سيتخذهما هذان الرجلان فيما بعد، ومعهما تنظيم القاعدة، وما يدعى تنظيم “الدولة الإسلامية”.
الزرقاوي، زعيم المنظمة الصغيرة، وإنما التي أصبحت عالمية مسبقاً باسم “جماعة التوحيد والجهاد”، قام بنقل عملياته من الأردن إلى العراق بدعم من أسامة بن لادن بعد الغزو الأميركي للعراق في العام 2003. وعمل منطلقاً من موقفه شديد العداء للولايات المتحدة، باستخدام طائفة متنوعة من الأنشطة الإرهابية التي تبنت نهج العنف المتطرف. وبالإضافة إلى الأساليب الإرهابية التقليدية لحقبة الحرب الباردة –عمليات الاغتيال المستهدف، والتفجيرات والسيارات المفخخة التي برعت فيها مجموعته- أضافت منظمة الزرقاوي أساليب جديدة استطاعت أن تختطف عناوين الأخبار، مثل استخدام العبوات الناسفة المصنعة يدوياً، وشن الهجمات الانتحارية وقطع الرؤوس. وفي داخل منطقة محدودة، وسعت جماعته قائمة المستهدفين لديها لتضم قوات الولايات المتحدة وحلفائها، والسفارة الأردنية، والحكومة والشرطة العراقيين، وآبار النفط، والمساجد الشيعية، والسياسيين، ونقطة الحدود العراقية الأردنية، والرهائن المدنيين الأجانب، والأسواق المزدحمة، والأمم المتحدة والصليب الأحمر.
في العام 2004، شهد التحالف الرسمي مع أسامة بن لادن تحول اسم مجموعة الزرقاوي إلى “القاعدة في العراق”، أو بشكل أكثر دقة “قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين”. ولم تترك استراتيجية الزرقاوي أي شكوك في أنه لن يكون مقيداً بالحدود التي ميزت المنطقة فيما بعد الاستعمار. وقد تمكنت الولايات المتحدة من قتل الزرقاوي في حزيران (يونيو) 2006، وبعد أربعة أشهر، غيرت منظمته التي ضعفت كثيراً اسمها إلى “دولة العراق الإسلامية”، تحت قيادة أبو بكر البغدادي. وفي تلك الفترة، عملت مع مجموعة متطرفة أخرى، “فتح الإسلام”، على زعزعة الاستقرار في شمال لبنان في العام 2007.
في العام 2013، أعلن البغدادي أن “دولة العراق الإسلامية” ستندمج مع “جبهة النصرة” تحت قيادته. لكن “جبهة النصرة” -بدعم من تنظيم القاعدة- رفضت الاندماج، وتلا ذلك الانقسام. ثم سعت “دولة العراق الإسلامية” إلى إعادة تعريف نفسها، لتصبح أولاً “الدولة الإسلامية في العراق وسورية/ أو بلاد الشام “داعش”، ثم ببساطة “الدولة الإسلامية”.
خليفة النبي
ثمة عدد من العوامل التي تضافرت معاً لإحداث تحول “الدولة الإسلامية”: تأكيد الاستقلالية، والعمليات العابرة للحدود، وتبني العنف الشديد وفكرة الفتح الإقليمي واحتلال الأراضي. وكان هناك شيء آخر إضافي: ادعاؤها لنفسها هوية لم يجرؤ حتى بن لادن نفسه على ادعائها -الخلافة.
مع إزالة بن لادن من المشهد في أيار (مايو) 2011، أصبح الطريق مفتوحاً أمام البغدادي لكي يهز العالم الجهادي، ويؤكد سلطته ويعلن نفسه خليفة. الآن، نصب “الأمير” أو “الحاكم” السابق نفسه ليكون القائد الأعلى للمجتمع المسلم، خلفاً للنبي محمد، واستثمر في كل من السلطة الروحية والزمنية على حد سواء.
لدى “الدولة الإسلامية” وتنظيم القاعدة الكثير من القواسم المشتركة. كلاهما بمثابة أخويات للمقاتلين، وهما يدعوان كلاهما إلى الجهاد العالمي الذي ستتجاوز من خلاله الأمة (جماعة المؤمنين) كل الهياكل الاجتماعية القائمة، والدولة، والعرق واللغة. لكن هناك اختلافات أيضاً بين التنظيمين: فقد تطور تنظيم القاعدة من أخوية المجاهدين في جبال هندو كوش (أفغانستان)، وحضرموت (اليمن)، وأدرار إيفوغاس (مالي). ويجتذب مؤسسوه -الذين يُنظر إليهم في شبكات التنظيم الإسلامية على أنهم شخصيات روحية مستقلة- أعداداً صغيرة من الأتباع في مجتمعات محدودة، مغلقة وتطوعية، والذين يتواصلون من خلال رسائل رمزية خفية.
وفي المقابل، فإن الأخوية التي يروج لها تنظيم “الدولة الإسلامية” غير انتقائية، ومفتوحة للجميع. وتهدف الحركة إلى اشتمال كل المسلمين -وغير المسلمين، الذين سيجبرون على اعتناق الإسلام أو الموت. وفي جذور هذا التنظيم، ثمة استراتيجية اتصال واسعة النطاق، والتي تخاطب أوسع جمهور ممكن من خلال تقارير قتالية منتظمة يجري إعدادها بعناية، ويتم نشرها على نطاق واسع بواسطة وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، على النقيض من نشر تنظيم القاعدة أشرطة فيديو متقطعة زمانياً ومتواضعة النوعية لقادته في الكهوف.
يعكس هذا هياكل مختلفة للحركتين. فقد تم إنشاء هيكل شبكة تنظيم القاعدة بدافع الضرورة، بحيث لا تفضي إزالة إحدى الخلايا السرية إلى إسقاط الكل. لكن للحركة فعلاً تسلسل هرمي مرتب وفقاً لمبدأ مزدوج من السلطة العسكرية والدينية. ونتيجة لذلك، ورغم أن لحركاتهم أصولا مختلفة جداً، فإن عبد المالك دروكدال (زعيم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي)، وأبو مصعب الزرقاوي (تنظيم القاعدة في العراق)، وأنور العولقي (تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية)، وحتى قادة الحركات المتحالفة مع القاعدة، مثل الملا عمر (طالبان الأفغانية)، والصومالي أحمد غودان (حركة الشباب) هم -أو كانوا- قادة إقليميين أولاً لابن لادن، ثم لخلفه أيمن الظواهري -وهم شخصيات قائدة رمزية تترجم صورة النبي وأصحابه إلى بعد أخروي معاصر.
الهدف هو الهيمنة
ليس مفهوم الزعيم غائباً عن تنظيم “الدولة الإسلامية”: بل إن البغدادي يشكل موضوعاً لسيل غير منقطع من المديح والثناء. ومع ذلك، فإن اتجاه جعل الزعيم يشكل تجسيداً للمطلق (وهي فكرة وثنية) يحتل أهمية أقل مما كان عليه في تنظيم القاعدة. إن ما يؤكده علم “الدولة الإسلامية” ورمزية اصبع السبابة المرفوع عالياً، وأشرطة الفيديو التي تعرض المقاتلين المجهولين، هو الحركة نفسها.
لقد حقق تنظيم “الدولة الإسلامية” في النهاية نوع الوجود الدائم الذي انطوى عليه ضمنياً اسم تنظيم القاعدة نفسه، “قاعدة”؛ فلدى “الدولة الإسلامية” قاعدة شعبية، وقاعدة مناطقية، وقاعدة عسكرية. وعلى النقيض من هجمات تنظيم القاعدة -التي شكلت انقلابات رئيسية بالنسبة للجهاديين، لكنها ظلت تفتقر إلى أي خطة شاملة لأنها توزعت في الزمان والمكان (نيويورك، بومباي ومدريد وبالي)- تعتزم الخلافة تحقيق هدفها المتمثل في غزو العالم وفتحه انطلاقاً من قاعدتها متعددة الأبعاد.
صممت “الدولة الإسلامية” استراتيجيتها لتحقيق هذه الغاية. وهي تختلف الآن عن تنظيم القاعدة في أربع نواح أساسية: إنها تهدف إلى إضفاء طابع الاستقرار على الحركة من خلال إنشاء قاعدة إقليمية دائمة؛ كما أنها انتقلت من استراتيجية تقوم على زعزعة الاستقرار إلى السعي من أجل السيادة على أراضيها، على عكس تنظيم القاعدة الذي سعى إلى نشر عدم الاستقرار بدلاً من أن يحكم. وأيضاً، كرست “الدولة الإسلامية” فكرة الغزو من خلال استخدام المراجع التاريخية، والاستيلاء على أماكن رمزية مثل الرقة وتكريت والموصل، بقصد تدمير النظام القديم للإقليم. وأخيراً، تشكل الطبيعة المحلية والمستمرة لقتال “الدولة الإسلامية”، الذي يستخدم مجموعة متنوعة من الوسائل التي تتراوح من الإرهاب إلى القوات التقليدية، الفرق العملياتي بينها وبين تنظيم القاعدة، الذي فضل ضرب المصالح والرموز الغربية، أو تلك الخاصة بحلفاء الغرب، باستخدام شبكات سرية صغيرة.
تشكل الهيمنة الهدف النهائي لاستراتيجية “الدولة الإسلامية” -الهيمنة على السنة المعتدلين، والشيعة، والعلويين، والمسيحيين، واليهود، والأيزيديين. ومن بين الأسس الأيديولوجية لمجموعة “الدولة الإسلامية” مكافحة التشيع، وهزيمة الأكراد (الذين يعتبرون كفاراً)، والاعتقاد بدونية الديانات الأخرى. وعلى النقيض من ذلك، أنشئ تنظيم القاعدة على أساس معارضة الغرب بشكل أساسي.
تتميز “الدولة الإسلامية” بعنفها الجامح الذي لا لبس فيه ولا هوادة على الإطلاق. وفي حين يجمع تنظيم القاعدة الأموال أساساً من الفدى التي تُدفع مقابل الرهائن، تُعرف مجموعة “الدولة الإسلامية” أكثر بإعدام الرهائن علناً أيضاً. ويستقطب هذا التطرف الشديد المجندين الذين يعتقدون أنه لا يمكن أن يكون هناك تعايش مع بقية العالم. وفي حين أن أعضاء تنظيم القاعدة يعيشون في بعض الأحيان سراً في المجتمعات التي يدينونها، يرفض أعضاء “الدولة الإسلامية” تلك المجتمعات ويسافرون إلى مناطق الخلافة المعلنة ذاتياً، باعتبارها مكان الأصل المفترض لنشر فكرة واحدة، والتي هي محدودة، حرفية ومتشددة -الجهادية السلفية، بمعنى جمع البشرية جمعاء في خلافة متقشفة، وقمع أي شيء لا ينبثق عن الإسلام السني كما يفسرونه، وحيث يتم تطبيق كل ذلك بالعنف كمبدأ حاكم.
أكثر عنفاً وأفضل تنظيماً
ليست هذه الفكرة جديدة في حد ذاتها -فقد وصل تنظيم القاعدة إلى هناك أولاً- لكن نسخة “الدولة الإسلامية” من العنف تذهب أبعد وتتميز بكونها أكثر عنفاً، وأفضل نشراً ودعاية، وأحسن تنظيماً، كما أنها تُمارس يومياً. إنها إعادة تجديد لشيء أصبح العالم معتاداً عليه بالتدريج أكثر من كونها ظاهرة جديدة كلية. ورغم الصدمة التي صنعتها هجماته، لم يتمكن تنظيم القاعدة من تكرار عمل على مستوى هجمات 11/9. ومع ذهاب زعيمه ونقل مقر قيادته إلى باكستان، بدأ تنظيم بن لادن في إظهار علامات التعب تحت الوابل المستمر من العمليات العسكرية، والاغتيالات المستهدفة، والمطاردات التي لا هوادة فيها.
يشكل ظهور “الدولة الإسلامية” تجديداً للجهادية بالنسبة لأشخاص كانوا غالباً يجهلونها تماماً في العام 2001، مثل سنة العراق -الذين كانوا في الخط الأمامي من الحرب الأهلية العراقية الدامية التي أعقبت الغزو الأميركي في العام 2003- وأولئك من سورية، والذين عانوا من القمع الوحشي الذي يمارسه النظام السوري منذ العام 2011.
ربما لم يكن معظم المقاتلين الأجانب الذين ينضمون الآن إلى “الدولة الإسلامية” على علم أصلاً بوجود تنظيم القاعدة قبل العام 2001. إما أنه لم يكن قد تم إخبارهم بما فيه الكفاية -الذي بعمر 20 عاماً اليوم كان عمره سبعة أعوام فقط حينذاك- أو أنهم لم يكونوا قد تحولوا بعد إلى الإسلام الراديكالي، الذي استفاد من التسويق غير المسبوق عن طريق أتباعه؛ وأيضاً، وفيما ينطوي على مفارقة، عن طريق أعدائه.
في التسعينيات، لم يكن الشباب في الدول الاسكندنافية أو الصين ليفكروا في القتال إلى جانب المجاهدين الأفغان أو الجزائريين، أو ليقبلوا منطق التكفير، والتنقل من مدرسة دينية إلى مدرسة والاستماع إلى التأملات اللاهوتية والتحريض على الإيديولوجية العدوانية. أما الآن، فقد أصبحت أعداد المقاتلين الأجانب الذين يأتون إلى الخلافة من خارج العالم العربي بالآلاف.
بين الأعوام 2001 و2014، من تنظيم القاعدة إلى “الدولة الإسلامية”، أتاحت العولمة الإمكانية لحدوث التحولات الجهادية، من خلال الوصول إلى المعلومات، والإيديولوجية، والشبكات، ثم القتال في نهاية المطاف. وقد أعاد تنظيم “الدولة الإسلامية” ابتكار تنظيم القاعدة، وفتح ملجأه لنسخته الخاصة من مجد الشهادة الأخروي. وفي حين نشر تنظيم القاعدة نفسه في اتجاه الخارج -إلى المغرب العربي، والساحل، والقرن الأفريقي، وشبه الجزيرة العربية، والشرق الأوسط، وباكستان، والهند وجنوب شرق آسيا- يستخدم تنظيم “الدولة الإسلامية” الضم والجذب، كتمهيد لتوسعه. وفي حين تبدو “الدولة الإسلامية” جاذبة نحو المركز، يبدو تنظيم القاعدة طارداً عن المركز. وقد ابتلعت “الدولة الإسلامية” بعض الجماعات المستقلة التي كان قد ولّدها تنظيم القاعدة، إيديولوجياً على الأقل، لتصبح بمثابة محافظات جديدة لدولة الخلافة.
استوعب تنظيم “الدولة الإسلامية” (بأصوله المتجذرة في سابقه، تنظيم القاعدة في العراق) مجموعات مقاتلة سورية في وقت مبكر. ثم انضمت إليها طائفة من الجماعات الأخرى منذ ذلك الحين، من “أنصار الشريعة” في ليبيا، إلى حركة “التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا”. وعملت مسألة الوحدة هذه على حفز خلايا تنظيم القاعدة الأساسية وتقسيمها على حد سواء. كان هذا هو واقع الحال مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الذي انشق زعيمه عبد الله أبو عثمان العاصمي -واحد من مؤسسي الجماعة السلفية للدعوة والقتال (الجزائرية) من قبل- ثم بايع البغدادي وأسس فرعاً جديداً لـ”الدولة الإسلامية” في المغرب العربي، يسمى “جند الخلافة”. وفي سيناء، انضم “أنصار بيت المقدس”، المجموعة المحلية الرئيسية من المقاتلين السلفيين، والتي اعتادت أن تكون مستقلة، إلى “الدولة الإسلامية” أيضاً. وحتى أكبر صانعي مشاكل الجهادية، أبو بكر شيخو، زعيم تنظيم “بوكو حرام”، استطاع تدبر أمر النطق بعبارات “حفظك الله، يا أبو بكر البغدادي”.
مع ذلك، تبقى مسألة ما إذا كان تنظيم “الدولة الإسلامية” سيسود على تنظيم القاعدة أم لا ثانوية. ورغم أنها قد تكون لهما أساليب وأهداف مختلفة، فإن المنظمتين تعملان بشكل متواز، في مسعى إلى تحقيق الغاية نفسها.
الغد الاردنية جوليان ثيرون* – (لوموند ديبلوماتيك)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة
*أستاذ العلوم السياسية ومستشار في الصراعات الجيوسياسية.
*نشر هذا الموضوع تحت عنوان: IS is here to stay

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى