الاخبارشؤون عربية ودولية

محكمة حقوق إنسان عربية.. بمعايير مشوّهة!

11c7de8a-4493-4660-99a7-436bbda704d7

«نظام أساسي معيب لمحكمة غير فعالة»، بهذه الجملة يمكن اختصار موقف المنظمات الحقوقية العربية من النظام الأساسي للمحكمة العربية لحقوق الإنسان الذي أقره مجلس جامعة الدول العربي على المستوى الوزاري في دورته (142) في القاهرة في أيلول العام 2014.
المنظمات نفسها أعلنت موقفها هذا في المؤتمر الذي نظمته «اللجنة الدولية للحقوقين» و «المفكرة القانونية» تحت عنوان «المحكمة العربية لحقوق الإنسان على ضوء التجارب الإقليمية والدولية»، في تونس نهاية الأسبوع المنصرم، لتطالب الدول العربية بـ «عدم التصديق على النظام الأساسي للمحكمة، والاستماع إلى وجهة نظر المجتمع المدني الحقوقي العربي»، بغية تعديله وضمان ملاءمته مع القانون والمعايير الدولية لحقوق الإنسان، كما أكد المؤتمرون.
وألقى المؤتمر الضوء على أكثر من نقطة ترتبط بعمل الجامعة العربية، فبالإضافة إلى ماهية المحكمة العربية لحقوق الإنسان ومسار إقرار نظامها الأساسي الذي اتسم بعدم الشفافية، قفزت مقاربة الجامعة لحقوق الإنسان من الميثاق العربي لحقوق الإنسان وصولاً إلى المحكمة العربية إلى الواجهة، كما علاقة الجامعة مع منظمات المجتمع المدني العربي، وكذلك المنحى الجديد للتعاطي مع الجامعة ككيان لا يقتصر تأثيره على المستوى السياسي، بل يتخطاه إلى سلة من القضايا المرتبطة بحياة الشعوب العربية.
وشكل اختيار دولة البحرين مقراً دائماً للمحكمة محوراً أساسياً من الاعتراضات والنقاشات، على خلفية انتهاكات حقوق الإنسان الكبيرة التي مارستها هذه الدولة بحق مواطنيها، ليضعه المشاركون في المؤتمر في صلب الملاحظات المطلوب الأخذ بها للاعتراف بالمحكمة.
وقال مدير برنامج الشرق الاوسط وشمال افريقيا في «اللجنة الدولية للحقوقيين» سعيد بنعربيه لـ «السفير» إنه يجب على الدول الأعضاء في الجامعة «الامتناع عن التصديق على النظام المُعتمد، ما لم تطرأ عليه تعديلات جوهرية، وإلى أن يتحقق ذلك، ضمان أن يحظى جميع أصحاب المصلحة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان وممثليهم، ومنظمات المجتمع المدني، ونقابات المحامين، والقضاة، والأكاديميين، بفرصة المشاركة الحقيقية في جميع مراحل عملية إنشاء المحكمة العربية وعملها، من خلال تحضير وتنفيذ مسار شفاف وشامل للجميع بهدف تعديل واعتماد النظام بما يضمن اتساقه الكامل مع المعايير الدولية».
وأكد أن المنظمات الحقوقية ستقود حملة للضغط على الدول العربية الأعضاء في الجامعة لعدم التصديق على النظام الحالي للمحكمة، وصولاً إلى تعديله بما يتواءم مع تأمين العدالة المرتجاة، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وبالإضافة إلى أهمية المحكمة في تحقيق العدالة المرجوة لضحايا الانتهاكات، رد المدير التنفيذي لـ «المفكرة القانونية» المحامي نزار صاغية أهمية الموضوع إلى مفهوم حقوق الإنسان نفسه، والذي يبدو أن «الجامعة العربية تعيد وضع تعريف جديد له (لحقوق الإنسان) بطريقة تمكنها من تجريدها من مضمونها».
وعليه سأل صاغية عن حقوق الإنسان التي تحميها المحكمة العربية وفق نظامها الحالي، ليقول إنه «ليس بوسع المحكمة ان تحمي أي مواطن عربي من انتهاك مرتكب بحقه من دولة عربية أخرى إلا إذا قررت الدولة التي ينتمي اليها المنتهك حقوقه الادعاء على الدولة المنتهكة». وهذا يعني ان تكون الدولة راضية عن المواطن المنتهكة حقوقه وأنه من رعاياها «الصالحين» غير المغضوب عليهم. وبكلمة أخرى تصبح حقوق الإنسان «مرتبطة برضى الدولة التي ينتمي إليها المواطن عنه، وليست حقوقاً ملازمة للإنسان».
وقال صاغية «نستدل على هذه النقطة في نظام المحكمة من استعمال عبارة رعايا، لا مواطنين، ومن اختيار البحرين كمقر للمحكمة بعد كل انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبتها هذه الدولة بحق مواطنين معارضين لها».
ورأى صاغية أنه «كان لا بد للمجتمع المدني الحقوقي العربي من التدخل، لمنع استغلال مفهوم حقوق الإنسان في الدعاية للأنظمة، أو تبييض ذممها، وهي مناسبة لفتح ملف الجامعة العربية على هذا الصعيد، ولتعزيز الروابط بين المنظمات الحقوقية في مختلف الدول العربية، وهذا ما سيترجم بخطوات مستقبلية أبرزها تعزيز الشراكة واللوبي الحقوقي العربي في التعاطي مع مجمل قضايا حقوق الإنسان في الجامعة العربية».
ويتعارض النظام الأساسي للمحكمة العربية المزعومة مع الأنظمة الأخرى التي تعتمدها المحاكم الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان، سواء لجهة السماح للأفراد باللجوء الى المحكمة الأوروبية، أو السماح لمنظمات حقوقية بالقيام بذلك وفق المحكمتين الأفريقية والأميركية. وعلى الصعيد اللبناني، طالبت «المفكرة القانونية» لبنان بـ «عدم المصادقة على نظام المحكمة بصيغته الحالية».
وسأل المستشار القانوني في مؤسسة «الحق» – فلسطين، والمحاضر في جامعة «بيرزيت» عصام عابدين «ماذا بعد إقرار نظام المحكمة في 7 أيلول الماضي، وفتح باب المصادقة عليه في 4 تشرين الثاني 2014، علماً أنه لم تصادق عليه أية دولة بما فيها دولة المقر لغاية الآن؟». وقال لـ «السفير» «معلوماتنا تشير إلى أن النظام الأساسي وصل منتهاه، وهو يحتاج بحسب نظام المحكمة إلى مصادقة ثلثي الدول الأطراف للتعديل، ومهمة التعديل باتت أصعب بكثير». ورأى أنه يجب تعزيز «ائتلاف وأدوات أكثر فعالية للضغط على مستوى الدول، وتبني نظام أساسي مواز والترويج له في مختلف الدول، وتبني محكمة عربية موازية (محكمة ضمير) والترويج لها».
وقال عابدين «بالمحصلة النهائية، لم توفر أي من اللجان التي تشكلت في الجامعة العربية، على المستويات كافة، من أصغرها وصولاً إلى الأمانة العامة للجامعة ومجلس الجامعة على مستوى الوزراء والقمة، حداً أدنى من متطلبات الوضوح والشفافية والمشاركة في ما سُمي مسار إصلاح نظام الجامعة ومنظومة حقوق الإنسان فيها، بما فيها المحكمة العربية، التي ولدت في نهاية المطاف ميتة».
وتتلخص ملاحظات المنظمات الحقوقية على النظام الأساسي للمحكمة بـ «عدم إتاحة الإمكانية للأفراد بالادعاء أمام المحكمة، والسماح بذلك فقط للدول ولمنظمات المجتمع المدني المعترف بها من قبل الدول نفسها، ومدة ولاية قضاة المحكمة وكيفية اختيارهم، وآليات التقاضي نفسها، ومقر المحكمة، بالإضافة إلى ملاحظات أخرى أعلنها المؤتمرون. ومن المتوقع أن يصدر «إعلان تونس» بشأن المحكمة خلال الأيام القليلة المقبلة».
وتراوحت المواقف خلال المؤتمر بين بعض من قالوا بقبول إقرار المحكمة إذا لم ينجح «لوبي» الضغط في تعديله ومن ثم الاستمرار بالضغط لتحسينها على غرار ما حصل في محاكم مشابهة. وتمثل الثاني برفض كلي للاعتراف بأن جامعة عربية مماثلة يمكنها الخروج بمحكمة عربية لحقوق الإنسان عادلة، فيما دعا أصحاب الموقف الثالث إلى التروي والبقاء على تواصل مع جامعة الدول العربية لتحسين النظام ألأساسي ودعوة الدول إلى عدم التصديق عليه بشكله الحالي، والبحث في موقف موحد في حال لم تنجح المنظمات الحقوقية في منع تصديقه من قبل الدول العربية.
السفير

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى