الاخبارشؤون عربية ودولية

الأردن: لعنة القمح والخبز

2992_768414

قد يكون خبر تصدير الأردن للقمح للبلدان المجاورة ضرباً من الخيال أو التمنيات الصعبة المنال بالنسبة لسكانه اليوم، فيما كان هذا الخبر اعتيادياً في منتصف القرن الماضي، حين قررت وزارة الزراعة عام 1965 بيع عشرة آلاف طن لمصر والسعودية، بعدما تركت الجزء الأكبر من المحصول للاستهلاك المحلي والبذار.

بين الماضي والحاضر
اليوم يعتمد الأردن على الاستيراد لتغطية احتياجاته من القمح الذي ازداد الطلب عليه بسبب النمو السكاني وانخفاض الزراعة، حتى وصلت نسبة إنتاجه لـ “صفر”، ليصبح محكوماً للأهواء السياسية الأميركية تارة، كونها تقدم القمح كمنح للأردن أحيانا، والروسية تارة أخرى، التي تحاول السيطرة على سوق القمح في الشرق وتخوض معها الأردن مفاوضات حول زراعة القمح.
ويرجع سبب انخفاض الإنتاج المحلي من القمح إلى تآكل المساحات الزّراعيّة بسبب التوسع في النشاط العمراني الذي أتى على قرابة 90 ألف هكتار من الأراضي الزراعية منذ عام 1975. كما تفتتت جراء الميراث الملكيات الزراعية الكبيرة وتحولت إلى وحدات صغيرة لا تتناسب مع احتياجات الزراعة الاقتصادية، بالإضافة إلى عدم انتظام توزع الامطار الموسمي وظهور مؤشرات واضحة على تناقص معدلات هطولها وازدياد عدد وقوع دورات الجفاف في العقود الثلاثة الأخيرة.
ويشتري الأردن القمح من السوق العالمية بأسعار تتراوح بين 279 إلى 380 دولارا للطن، وتصل نسبة استهلاكه إلى 900 ألف طن سنوياً، كما يحاول جاهداً أن يُبقي المخزون الاحتياطي لديه بكميات تكفي الاستهلاك المحلي ما بين تسعة شهور إلى سنة كاملة، عبر العقود المبرمة مع شركات بيع القمح بشكل متجدد والاحتفاظ بكميات كبيرة منه في الصوامع. وتعجّ ذاكرة الأردنيين في السنوات الماضية بقضايا شحنات القمح المغشوش وغير الصالح للاستهلاك البشري، أو المتعفن والمصاب بصدأ القمح أو حتى الذي يحتوي على قوارض. وآخر هذه القضايا هي التي تدور حول شحنة جديدة بكلفة 14 مليون دولار، تدّعي الجهات الأردنية المختصة أنها تحتوي على ملونات وأصباغ، وما زال التحقيق فيها جارياً، فيما كان الأردن يتباهى سابقاً ببيعه للبذور العالية الجودة للدول المجاورة.

استهلاك متزايد
يصل معدل الاستهلاك السنوي للمواطن الأردني من الخبز 115 كلغ للفرد، حسب دراسة أجرتها نقابة أصحاب المخابز. ويتزود الأردنيون بالخبز من 1634 مخبزا عاملا موزعة في مختلف مناطق المملكة. إلا أن العديد من القرى في البادية التي يزيد عدد سكان كل منها عن 4000 شخص ليس فيها أي مخبز وتعتمد بتزودها بالخبز على الباعة الذين يوصلونه يومياً.
وتبلغ مخصصات المخابز من الطحين الذي تقدّم الحكومة له الدعم قرابة 1850 طن يومياً، وتقوم وزارة الصناعة والتجارة بصرف المخصصات للمخابز من الطحين مسبقا، كي يبقى متوفراً فيه لمدد تكفيه بين 3 و7 أيام، وذلك حسب مخصصات كل مخبز ومدى قربه من المطاحن وقدرته التخزينية.

صراع رفع الدعم
حسب الأرقام الرسمية، فإن الحكومة تدعم الخبز بما يفوق 300 مليون دينار سنوياً. ويشكل هذا الرقم أكثر من ثلث العجز في الموازنة لعام 2105 والذي يبلغ 688 مليون دينار، الأمر الذي جعلها تعيد التفكير في دعم الخبز منذ بداية إجراءات رفع الدعم عن المحروقات وانتهاج سياسات “الإصلاح الاقتصادي” التي يضغط صندوق النقد الدولي لتطبيقها والتي باشر فيها الأردن منذ عام 2012. وعلى الرغم من التصريحات الحكومية عن نيتها رفع الدعم عن الخبز أكثر من مرّة، وإيصاله إلى مستحقيه مباشرة، إلا أنها ما زالت تبحث عن آلية مناسبة ترضي جميع الأطراف في المعادلة (مواطنين وأصحاب مخابز وحكومة) لتجنّب أي احتجاجات قد ترافق القرار. ويحمل التاريخ الأردني موروثاً احتجاجياً مرتبطاً برفع أسعار الخبز، حيث ما زال الأردنيون يتذكرون أحداث “ثورة الخبز” التي اندلعت عام 1996 عندما قررت الحكومة رفع أسعاره، ما أدى إلى قيام احتجاجات عارمة في المحافظات الجنوبية وقتها، ويجعل الحكومة تفكّر مليّاً في قرار رفع الدعم.
ولكن الحكومة تدافع عن توجهاتها برفع الدعم عن الطحين بأن نسبة كبيرة منه تذهب مهدورة ومهربة لغايات استخدامها علفا للمواشي بقيمة تبلغ 240 مليون دينار. فنظرا لارتفاع أسعار الأعلاف يلجأ مربو المواشي لشراء الطحين من أصحاب المخابز وخلطه مع الصويا والذرة والشعير كغذاء للأغنام. وتقدّر الحكومة عائدات رفع الدعم عن الخبز بـ130 مليون دينار في حال تطبيق حل “البطاقة الذكية” التي ستُمنح للمواطنين الأردنيين وأبناء قطاع غزّة الذين يعيشون في الأردن، وستضمن إيصال الدعم إلى مستحقيه منهم، فيما يشكك مراقبون من قدرة الحكومة على تنفيذ ذلك. ترى الحكومة في رفع الدعم عن الخبز حلاً لوقف الهدر فيه، دون أن تلتفت لإجراءات حقيقية في محاربة تهريبه عبر تشديد الرقابة. وتجربة رفع الدعم عن المحروقات والخلل في إيصاله لمستحقيه ترفع المخاوف بين المواطنين من أن يصبح الخبز ضمن السلع الصعبة المنال في ظل الظروف المتردية التي يعيشها الوضع الاقتصادي ، كما تبقى المخابز في ريبة من أمرها من حدوث ارتباكات بسبب الآليات المطروحة من الحكومة لتطبيق قرار رفع الدعم، في بلاد يتأرجح ثلث سكانها عند خط الفقر.

السفير اللبنانية -أحمد أبو حمد

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى