أقلام واراءزوايا

هل الديمقراطية عصية على العالم العربى ؟…بقلم:أحمد سيد أحمد

images

ترسخت لفترة طويلة في الغرب افتراضية مفادها أن الديمقراطية والحرية لا يصلحان للعالم العربي بسبب عوامل اجتماعية وثقافية، ومن ثم تحالفت الدول الغربية, وعلى رأسها الولايات المتحدة, مع الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة,
وضحت بهما مقابل الأمن والاستقرار, لكن أحداث 11 ايلول دفعت الغرب إلى مراجعة تلك الفرضية والاعتراف بأن غياب الحرية ودعم النظم الاستبدادية لم يحقق الأمن بل أصبح الشرق الأوسط مكانا لتصدير العنف, وتدخلت الولايات المتحدة عسكريا في العراق تحت مظلة نشر الديمقراطية وضغطت على الأنظمة الحليفة لإجراء إصلاحات سياسية, لكن أمريكا عادت مرة أخرى إلى الواقعية, بعد أن أدت هذه الضغوط إلى مخرجات ليست متوافقة مع المصالح الأمريكية, وهو ما يؤكد أنه عندما تتعارض المصالح مع الديمقراطية غالبا ما يتم التضحية بالأخيرة.
وجاءت أحداث الربيع العربي وأثبتت فشل هذه الافتراضية حيث إن الشعوب العربية كغيرها من الشعوب تناسبها الديمقراطية والحرية, خاصة أن تغيير الأنظمة جاء عبر ثورات شعبية من أسفل وليس وفق منطق الإصلاح من أعلي, لكن مخرجات تلك الثورات بعد أربع سنوات واندلاع العنف والحروب الأهلية كما هو في العراق وسوريا واليمن وليبيا, قد جدد السؤال مرة أخري : هل فعلا الديمقراطية عصية على العالم العربي وأن الحرية والتغيير قد أديا لنتائج كارثية, ومن ثم الخروج من تلك الدوامات بالعودة إلى القبضة الأمنية تحت مظلة الاستقرار؟
بالطبع فإن حالة التعثر فيما بعد ثورات الربيع العربي لا تعود إلى فشل فكرة الديمقراطية, وإنما كانت نتيجة لعدة عوامل أخرى أوصلت الأوضاع في هذه الدول إلى الحالة البائسة من دوامة العنف والقتل والأفق المسدود, أولها: أنه تمت ممارسة الديمقراطية في شقها الشكلي فقط وهو الانتخابات, ولكن دون وجود ديمقراطيين حقيقيين, ودون شقها القيمي المتمثل في ثقافة الديمقراطية والقائم على التعايش بين الاختلافات السياسية والأيديولوجية والعرقية والدينية والطائفية, وإدارة تلك الاختلافات بطريقة سلمية.
وفي ظل التعددية والاختلافات الكبيرة التي يموج بها العالم العربي, والتي نجحت الأنظمة الاستبدادية السابقة في قمعها, دخلت تلك الأطراف التجربة الانتخابية باعتبارها أداة لفرض السيطرة والهيمنة ورسم المستقبل وفق أجندتها وأهدافها في إطار مباراة صفرية وغياب مرجعية واحدة يلتزم بها الجميع, نتيجة لصراع المصالح وتعارضها, خاصة من جانب الثورات المضادة لأنصار النظم القديمة, ولذلك عندما تناقضت أهداف تلك الأطراف دخلت في صدام مسلح تطور إلى الحرب الأهلية وفشلت الحلول السياسية, حيث راهن كل طرف على القوة العسكرية لكسب الصراع والقضاء على الآخر, ونظرا لتقارب موازين القوى العسكرية بينها لم ينجح أي طرف في حسم الصراع ودخلت تلك الدول في حالة لانهائية من العنف.
ثانيا: غياب أفق واضح للحل السياسى يرتكز على تحقيق التوافق بين الأهداف المتعارضة لأطراف الأزمة, مع تشبث كل طرف بموقفه ورؤيته وعدم تقديم تنازلات حقيقية يمكن أن تسهم في الخروج من الدوامة, ولذلك تحطمت جميع المبادرات والحلول السياسية التي طرحت لحل الأزمة.
ثالثا: دخول الإرهاب الذي تمثله الجماعات الدينية المتطرفة كفاعل رئيسي في معادلة الصراع وممارساتها للقتل والترويع والتدمير مما دفع البعض إلى الخوف من الديمقراطية, بل والتضحية بها مقابل الحصول على الأمن والاستقرار, كما أن تلك الجماعات مارست الديمقراطية الانتخابية كأداة للسيطرة وتغيير هوية المجتمع وهو ما أدخلها في صدام مع القوى المدنية.
رابعا: الدور الخارجي فى تفاعلات ما بعد ثورات الربيع العربي كان سلبيا, حيث سهم في زيادة حدة الاستقطاب السياسي والعسكري ودعم طرف على حساب الآخر, هو ما أدى إلى تعقد تلك الصراعات وزيادة أمدها.
قراءة الواقع وتجربة السنوات الأربع التي عاشتها دول مثل العراق واليمن وسوريا وليبيا توضح أن الجميع، بغض النظر عن توجهه، خاسر من ذلك الصراع, وأن الشعوب هي التى تدفع الثمن من القتلى والجرحى وتدمير بنية الدولة بل ومخاطر تفكيكها. ولذلك فإن المخرج الوحيد أن يدرك الجميع أن تكلفة السلام أقل بكثير من تكلفة الصراع, وأن استمرار تلك الحالة العبثية سوف يقود إلى الهاوية, وأنه لابد من وقفة ومراجعة حقيقية من جانب جميع أطراف الأزمة لوقف دوامة العنف المستعرة ونزيف الدم وتحقيق التعايش السلمى بينها والتوافق على مصلحة الدولة العليا ونبذ الاختلافات والتوصل إلى صيغة سياسية حقيقية تستوعب الجميع, وتدفع باتجاه توجيه تلك الطاقات والموارد البشرية والطبيعية المهدرة إلى التنمية والتقدم, وإعادة ترتيب الأولويات والتركيز على محاربة الفقر والجهل والتخلف والأمراض والبطالة والعشوائيات وتحقيق العدالة الاجتماعية, وتكريس الديمقراطية التوافقية في هذه المرحلة الانتقالية, ونبذ العنف والإرهاب وعزل الجماعات المتطرفة وتحقيق عدالة انتقالية حقيقية, وإشاعة ثقافة السلام والتسامح والتعايش, والعمل على بناء الدولة الديمقراطية الحديثة التى تترسخ فيها دولة المؤسسات والقانون والمساواة بين الجميع فى الحقوق والواجبات بغض النظر عن هويته الدينية أو العرقية أو السياسية.
الديمقراطية ليست عصية على المنطقة العربية, حتى وإن تعثرت المراحل الانتقالية, ولكن تحقيقها يحتاج إلى إنضاج ظروفها وهذا لن يتحقق إلا بأيدي الشعوب العربية ذاتها.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى