الاخبارشؤون عربية ودولية

تعامل أوباما مع مصر كشف تصميمه على التخلى عن الشرق الأوسط ( ح 4 )

thumbgen

يمكنك أن تقبله أو ترفضه، أن تحبه أو تكرهه، لكن لا يمكنك أبداً أن تتجاهل كونه رئيس أقوى دولة فى العالم حتى الآن، والرجل الذى تؤثر قراراته حتماً على مسارات الدول والشعوب. يمكنك أن تقول إن الرئيس الأمريكى الحالى باراك أوباما هو أضعف رئيس مر فى تاريخ الولايات المتحدة، أو أنه، على العكس، أكثر من نجح فى تفكيك الشرق الأوسط وفقاً للمؤامرة الأمريكية المسمّاة بالشرق الأوسط الكبير، التى ترى ضرورة تحويل الشرق الأوسط إلى دويلات مفكّكة، متناحرة، لا يزيد قطر أكبرها عن حجم إسرائيل، لكن لا يمكنك أن تنكر أيضاً، أن سياساته فى الشرق الأوسط تثير قلق حلفائه، وعلى رأسهم إسرائيل، أكثر بكثير مما تثير قلق من يعاديه. «أوباما» رجل لا يبدو ذا سياسة واضحة لأحد، لا لأعدائه ولا لحلفائه. هو يتحرك بشكل يبدو فى البداية مخططاً، وسرعان ما تنكشف عشوائيته بعد مرور بعض الوقت. يتخذ القرار، كما يقول المقربون منه، بناءً على ما تفرضه اللحظة، ثم يحاول أن يلوى عنق الحقائق الأخرى فيما بعد، لكى تتناسب مع ما يراه. الجيل الأكبر عمراً فى السياسيين الأمريكان يعادى شبابه، ويرجع أخطاءه إلى قلة خبرته وكونه ابناً لجيل يقفز إلى النتائج من دون دراسة المقدمات، ويتصوّر أن كل خطأ يمكن محوه بضغطة زر على لوحة مفاتيح. فى الوقت الذى يعاتبه فيه الشباب المحيطون به لأن خططه التى يعلن عنها لا تحقق نتائجها بالسرعة التى اعتادوا عليها مع كل شىء آخر، ويتهمونه بأنه بطىء أكثر من اللازم فى اتخاذ بعض القرارات، وبطىء أكثر حتى فى تنفيذها. «(أوباما) الذى لا يرضى عنه أحد»، لا قريب ولا بعيد، لا عدو ولا حليف، ذو التفكير الحائر والمحيّر، كان هو بطل كتاب أمريكى كامل، صدر مؤخراً للمؤلف الأمريكى «كولين دويك»، حاملاً عنوان «عقيدة أوباما: الاستراتيجية الأمريكية الكبرى اليوم». كان الكتاب يقرأ «دماغ» الرئيس الأمريكى، لماذا يفعل ما يفعله؟ وعلى أى أساس يتخذ قراراته؟ وفى الكتاب كان هناك فصل مهم يتناول تفكير «أوباما» فى مصر، بخصوص كل الأحداث التى جرت فيها ووضعت سياساته موضع اختبار، وهو اختبار لا يبدو حتى الآن أن ذكاءه قد أسعفه فيه بشكل كبير.
ويواصل الكتاب: «لكن، لا أحد يمكنه أن ينكر أن سياسة أوباما فى التعامل مع حالة مصر، لا تنفصل عن أسلوب تفكيره فى السياسة الخارجية بشكل عام، فمنذ أن تولى أوباما رئاسة أمريكا، بدا واضحاً أنه يخصص أدنى قدر من طاقته العقلية والذهنية لما يتعلق بالشئون الخارجية، على العكس تماماً من تركيزه المقابل على الأوضاع الداخلية فى الولايات المتحدة، إلا أن هذا لا يعنى أنه يمتلك أفكاراً راسخة لا يمكن تغييرها بسهولة حول ما يحدث فى العالم».
ويواصل: «إن الشئون الخارجية، وكل ما يجرى فى العالم من حول أمريكا، مهمة فقط بالنسبة لأوباما من ناحية تأثيرها على ما يحدث «داخل» أمريكا، وهو يجمع من حوله فريقاً من المستشارين يؤكدون له وجهة نظره، القائمة على أن مهمته الأساسية هى تأمين شرعيته على المستوى الداخلى، ويخشون دائماً من أن يؤدى أى تحرك من أوباما على المستوى الخارجى، خاصة التورط فيما يحدث خارج الحدود، إلى تقليص هذه الشرعية الداخلية، وهو تفكير يحمل درجة من المنطق إلى حد ما، فلم يقل أحد أبداً إن السياسة الخارجية لأى دولة لا تؤثر على اتجاهات الرأى العام فيها، إلا أن المشكلة فى حالة أوباما، أن سياسته الخاصة تؤثر على المسار الذى تتخذه سياسة الولايات المتحدة بشكل عام، تلك السياسة الكبرى التى بدأت من قبله بكثير، ولن تنتهى سريعاً من بعده».
ويواصل: «كانت نتيجة تفكير أوباما أن شاهد العالم لأول مرة أمريكا وهى تسحب مواردها الاقتصادية من خانة الأمن والدفاع لصالح علاج مشاكل وأزمات داخلية فى الاقتصاد، كما ابتعد أوباما تماماً عن كل المعارك الحزبية التى يطالبه فيها منافسوه بالاهتمام بشئون الأمن القومى، وما يمكن أن يهدد أمن أمريكا، حتى لا تتأثر سياسته الداخلية، وظهر ذلك واضحاً فى إصراره على أن تتجنب أمريكا أى تدخل عسكرى خارج حدودها، أو أى تدخل خارجى عموماً يمكن أن يكلفها الكثير من الناحية الاقتصادية، والواقع أن أوباما، كما ظهر واضحاً من عشرات الأمثلة خلال فترة ولايته، لا يمكنه التوفيق بين هذه المطالب المتعارضة، من دون أن يقع فى فخ الظهور بمظهر الضعفاء، هو باختصار لا يريد أن يؤدى أى تدخل منه فيما يحدث فى العالم، أو أى نقاش محتدم حول أزمات الأمن القومى التى تهدد أمريكا فى عهده، إلى تبديد الوقت والمال والجهد اللازمة لتنفيذ أجندته الإصلاحية الداخلية الطموحة، بالتالى هو يسعى لسحب أمريكا من الساحة الدولية قدر استطاعته، فى الوقت الذى يسعى فيه لتفادى الانتقادات الحادة الموجهة إليه من قبل الديمقراطيين بسبب ذلك».
ويواصل: «ومن وجهة نظر الرئيس الأمريكى، فإن الرأى العام الداخلى فى بلاده يدعم توجهه فى السياسة الخارجية بشكل لا يقبل الجدل، وهو يؤمن تماماً أن غالبية الأمريكيين يساندونه فى ضرورة أن تتخذ بلادهم موقفاً أكثر مهادنة وتواضعاً، وأن تميل لاتخاذ موقف تصالحى مع القوى الدولية الأخرى فى العالم من حولها، ولم يتردد أوباما فى أن يوضح أكثر من مرة أن على أمريكا أن تكون أكثر «تكيفاً» وتقبلاً لوجهة نظر منافسيها أو حتى أعدائها المحتملين عبر الحدود. موضحاً أن واشنطن لا بد أن تأخذ مصالح ورغبات غيرها فى الاعتبار، هذا هو الأسلوب الذى يؤدى من وجهة نظره إلى إمكانية تحويل الأعداء إلى أصدقاء، أو، على أسوأ تقدير، إلى «غير» أعداء».
ويتابع: «هو فى أعماقه لا يعتقد أن الصراع جزء من واقع السياسات الدولية، وهو بالفعل يؤمن تماماً أن التعاون الدولى الصادق والحقيقى أمر ممكن، لو استطاعت الأطراف المتصارعة أن تستمع لبعضها وتتواءم مع مصالح بعضها البعض، كما أنه يمتلك «وصفة» خاصة لتحقيق ذلك التعاون الدولى المنشود، وهو، على العكس من الأسلوب الأمريكى التقليدى والمعتاد الذى يقوم على الترويج الصريح لنشر الديمقراطية فى الدول الأخرى، أو الأدوات والآليات الاقتصادية المشتركة بين أمريكا والدول الأخرى، وإنما يقوم على التوافق المتبادل للمصالح على الطريقة الأمريكية، فمثلاً، حتى فى حالات العلاقات العدائية مع دولة أخرى، فإن من الممكن لأمريكا أن تسعى لمد جسور الحوار، وأن تظهر بادرة أو إشارة على إمكانية وجود توافق أو استعدادها لأن تكيف نفسها على واقع ما، بشرط أن يقابل ذلك توافق، أو موافقة مماثلة للمصالح الأمريكية من الجانب الآخر، وهو ما اتبعه أوباما فى ملفات عديدة على رأسها مكافحة الإرهاب والحد من انتشار الأسلحة والتغير المناخى، وهو يتوقع أن تكون النتيجة النهائية لتلك السياسة هى زيادة التوافق العالمى، والحد من الصراعات فيه، تحت القيادة الأمريكية فى ثوبها الجديد».
ويواصل الكتاب: «هذا التفكير يسير يداً بيد، مع وجهة نظر أوباما بأنه من مصلحة أمريكا من الناحية الاستراتيجية أن تنسحب من التورط الخارجى فى الدول الأخرى، ليس فقط لأن الدائرة المقربة من حوله تريد تحويل اهتمام السياسة الخارجية الأمريكية من شئون الدفاع والأمن القومى والأولويات العسكرية الخارجية إلى الشئون الداخلية، ولكن لأنه هو نفسه يرغب فى رؤية هذا التحول، وسعى بالفعل للحد من الميزانية والقوة العسكرية الأمريكية، وأدوات تدخلها الخارجى خلال فترة وجوده فى الحكم، كان يستهدف بتحركاته الحد من النفقات، والتقليل من التزامات وتعهدات أمريكا الخارجية، وتجنب مزيد من التدخل العسكرى الأمريكى المباشر، لأن هذا كله سوف يؤدى لتحرير جزء من الموارد الداخلية وطاقات البلاد لتوجيهها نحو إنعاش الاقتصاد الداخلى وإتمام عمليات «بناء الدولة» من الداخل، كما يحلو له أن يسميها».

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى