أقلام واراءزوايا

إسرائيل والمشرق العربى.. دروس للتاريخ … بقلم: جمال طه

images
ما يحدث فى العراق وسوريا -النطاق الأول لسياسة «تفكيك المنطقة»- مثير للدهشة، تدمير وتشريد وتمزيق لم يسبق لها مثيل، ولا بمعرفة المغول، والسبب.. هشاشة الأوضاع الداخلية -طائفياً وتنموياً- فى المجتمعات العربية، وسوء تقدير القادة لقوة إسرائيل، وقدرتها على التأثير داخل دولهم، وعدم إدراك طبيعة التوازنات الدولية التى لا تسمح بالمساس بوجودها، ناهيك عن عدم تقديرهم لمسؤولية الكلمة، بما أصدروه من تهديدات للاستهلاك المحلى، أثارت القلق، ودفعت إسرائيل لما رأته «دفاع أو رد عدوان».. أمريكا وإن كانت الأداة الظاهرة فى تفاعلات المنطقة، فإسرائيل هى المحرك.. واقع مرير ينبغى تفهمه، وتجنب أخطائه، لنوقف انهياراً قارَبَ القيعان؛ حرب أكتوبر 1973، دقت ناقوس الخطر لإسرائيل، وعرضت كيانها ووجودها للخطر.. لولا التفكك العربى، وضعف القدرة على الحشد، وسوء الإدارة الاستراتيجية.. لتحول شعار «إلقاء إسرائيل فى البحر» -الذى كان أيقونة الوطنية والقومية بدول المنطقة- إلى واقع عملى، فماذا ننتظر من ردود فعل إسرائيلية؟!.
■ ■ ■
العراق هو الوحيد الذى رفض الهدنة 1949، شارك فى حربى 1948 و1973، لم يعترف بإسرائيل، رفض جهود السلام، أبقى حالة الحرب، وعبأ المنطقة ضد اتفاق السلام 1979.. استخدمته أمريكا بعد الثورة الإيرانية لتحطيم الترسانة العسكرية التى شيدها الشاه.. خرج من حرب الثمانى سنوات بأكبر جيوش المنطقة (2 مليون مقاتل- 500 طائرة- 5000 دبابة- 3500 مدفع- صواريخ بعيدة المدى- قنابل كيماوية وجرثومية وبيولوجية- وميزانية مفتوحة للتصنيع الحربى…)، لذلك أصبح الهدف الأول لـ«التفكيك».. وضعه الاقتصادى كان سيئاً، استنفد أرصدته الاحتياطية، تجاوزت ديونه 90 مليار دولار، فوائدها 7 مليارات سنوياً، بخلاف 160 مليارا تعويضات لإيران.. الكويت بأرصدتها المتراكمة، واحتياطيها البترولى الضخم، كانت طُعماً شجعت أمريكا العراق على ابتلاعه.
إسرائيل قصفت مفاعل تموز النووى 1981، وهددت بضربة وقائية 1990، رد صدام بالتهديد بحرق نصف إسرائيل بالكيماوى.. خلال «حرب تحرير الكويت» 1991، استهدف تل أبيب وحيفا بـ 43 صاروخ سكود، لم توقع سوى قتيلين و231 جريحا، إصاباتهم طفيفة!! الصحفى الأمريكى سيمور يرش كشف فى كتابه «الإدارة الأمريكية العمياء» عن تدريبات مشتركة للقوات الخاصة الإسرائيلية والأمريكية فى فورت براغ وشمال كارولينا وإسرائيل تحضيراً للغزو.. «تايم» الأمريكية و«فورين ريبورت» البريطانية أكدتا سبتمبر 2002 تمشيط القوات الخاصة الإسرائيلية لمساحة 80 ألف كيلومتر مربع غرب العراق، لرصد المناطق التى استخدمت كقواعد صورايخ، لاستهدافها إذا ما تكرر القصف العراقى.. «نيويورك ديلى نيوز» الأمريكية، رصدت استعانة القوات الأمريكية، إبان غزوها للعراق 2003 بعملاء إسرائيل المزروعين ببغداد، وبخدمات قمر التجسس الإسرائيلى «أفق 4».. بعد الاحتلال تأسس بالسليمانية «بنك القرض الكردى» بتمويل يهودى لتسهيل شراء الأكراد لأراضى شمال العراق وإنشاء دولتهم المستقلة، على غرار ما تم بفلسطين.. «معاريف» أكدت أن أكثر من 70 شركة تجارية وصناعية إسرائيلية تعمل وتسوق منتجاتها بالعراق!! الموساد -وفقاً للتقارير الرسمية الأمريكية- قتل 350 عالمًا نوويًّا عراقيًّا، و300 أستاذ جامعى بمختلف التخصصات، بمساعدة القوات الأمريكية بعد رفضهم العمل بالولايات المتحدة.. تفكيك العراق كلف أمريكا تريليون دولار، و4000 قتيل، و30.000 جريح.
■ ■ ■
خطة تفكيك سوريا بدأت باندلاع الاضطرابات مارس 2011، انقسمت إسرائيل تجاه أسلوب التعامل معها إلى اتجاهين، الأول سياسى.. يرى الإبقاء على نظام الأسد لمحافظته على هدوء الجولان منذ 1974، وتجنبه الرد على الانتهاكات الإسرائيلية ضد قواعد ومخازن الأسلحة والصواريخ، وكوادر وأسلحة حزب الله، وقيادات الحرس الثورى الإيرانى.. وسقوط النظام يؤدى لفوضى، قد تدفع المتشددين للسلطة، وتؤدى لاستيلاء المتطرفين على مخزون الأسلحة الاستراتيجية.. الاتجاه الثانى وزارة الدفاع.. ترى أن سوريا لم توقّع معاهدات مع إسرائيل، مثل مصر والأردن، ودعمت حزب الله والقوى الفلسطينية الرافضة لنهج «أوسلو».. سقوط النظام يفسح المجال لنظام سنى، ينهى التحالف مع إيران، ويطرد حزب الله، وهو مكسب استراتيجى لإسرائيل.. لم يتم حسم الاختيار، لذلك تم التواصل مع كافة الأطراف المتصارعة، وتقديم المساعدات اللوجستية للسكان والتنظيمات الإرهابية على السواء «أدوية- أغذية- وقود- استقبال الجرحى للعلاج…».
الرؤية الاستراتيجية لإسرائيل تجاه الأزمة أميل لتقسيم سوريا، على أن يكون الشريط الحدودى الموازى لها منطقة آمنة يتمركز بها مقاتلو المعارضة «المعتدلة»، الذين تدربهم أمريكا، والدروز الذين تتجاوز أعدادهم 480 ألف نسمة، «هآارتس» أطلقت منتصف يونيو بالون اختبار لقياس رد الفعل بشأن احتمالات التدخل فى سوريا دفاعاً عن الدروز بعد تهديدات «النصرة».. الائتلاف الوطنى السورى المعارض سارع بالرفض، «الجيش الحر» أكد مشاركته فى حماية القرى الدرزية، و«النصرة» قررت التحقيق فى اعتداء أفرادها على الدروز بريف إدلب.. ورفض داخلى فى إسرائيل لتكرار تجربة التدخل دفاعاً عن المسيحيين والمارون جنوب لبنان منتصف السبعينات، خاصة أن بعض الدروز يحاربون فى صفوف الجيش السورى، وزعيمهم وليد جنبلاط ينفى صفة الإرهاب عن «النصرة»، الحكومة اضطرت لنفى التدخل، والاكتفاء باستعدادها لاستقبال اللاجئين.
عملية قرصنة الحاسب الخاص بـ«مندى الصفدى» أحد العاملين بمكتب نتنياهو، كشفت محاولاته تجنيد عملاء لبنانيين وسوريين، وتجميع معلومات تحدد أهدافاً سورية لتقصفها قوات التحالف، وفضحت علاقته بقادة «داعش»، وتنسيقه لتزويد «جبهة النصرة» بالسلاح الإسرائيلى، بصفقة لم تكتمل، لتمسك مسؤول الجبهة بالتوقيع داخل سوريا، ورفضه السفر إلى «براغ».
■ ■ ■
الأردن على النقيض، استوعب الدرس، الأزمة السورية تمسه، من خلال 1.3 مليون نازح سورى، و700 مواطن يقاتلون بصفوف «داعش»، وآلاف بـ«النصرة».. موقعه الجغرافى يتوسط المشرق العربى، وعلاقته التاريخية مع العشائر السنية، مكّنته من القيام بدور فعال فى حرب «داعش»، باصطياد أبومصعب الزرقاوى، أول قادتها، واختراق التنظيم على نحو ساعد فى إنجاح العديد من العمليات ضده، والمشاركة فى إنهاء التمرد السُنّى بالعراق 2006، وأخيراً فتح قواعده الجوية لطيران التحالف.
الأردن سمح لأمريكا بإنشاء معسكر البقعة 2006 /2007، لإعداد قادة جماعات تنفيذ مخطط الفوضى الخلاقة «عش الدبابير»، الذى تخرج منه البغدادى زعيم «داعش».. ومعسكر بمدينة «غور الصافى» بالأغوار الجنوبية محافظة الكرك 2012، لتدريب وتجهيز عناصر المعارضة التى تم دفعها لسوريا «معظمهم انضموا لـ«داعش»، الموساد شارك بمدربيه، بحكم خبرتهم وإجادتهم العربية.. تنسيق الجهود فى الحرب السورية يتم من خلال غرفة قيادة العمليات العسكرية «الموك» التابعة للبنتاجون قرب عمان، وتضم ضباطا من أمريكا وإسرائيل وجنسيات أخرى! واعتبارا من مايو نشرت أمريكا مدربيها على الحدود، فى إطار مشروع تشكيل «المعارضة المعتدلة».. الحدود الأردنية تزداد أهميتها نتيجة للمخاوف من تقييد تركيا للحركة عبر حدودها، بعد العمليات الإرهابية التى تعرضت لها مؤخراً، وردود الفعل الغربية تجاه نقض اتفاقات السلام مع الأكراد.. ومع اقتراب «داعش» و«النصرة» من الحدود يميل الأردن لتبنى الطرح الإسرائيلى بإنشاء منطقة عازلة للإغاثة الإنسانية بمحافظتى درعا والسويداء جنوب سوريا، بإشراف تحالف «الجبهة الجنوبية» الذى يتزعمه «الجيش الحر» الذى يحقق تقدماً فى عملية «عاصفة الجنوب» لاحتلال درعا، وإن كانت قوة «جيش الفاتح» بالمنطقة تضم «النصرة» و«أحرار الشام» المتشددتين، تهدد باختلاس التقدم لصالحها.
■ ■ ■
العراق وسوريا يتفككان، الأردن استوعب الدرس، واختار -تزيداً- ما رآه «الأضمن»، السادات اختار لمصر «الحرب أداة للسلام»، وذرع الثقة، التى لولاها لما واجهنا إرهاب سيناء بقوات وأسلحة تتجاوز القيود الواردة باتفاقيات السلام.. فمتى يعى الجميع الدرس؟!
عن المصري اليوم

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى