أقلام واراءزوايا

ما سر اهتمام أورروبا بالمهاجرين؟ … بقلم :رغيد الصلح

181884
يقول أحد المؤرخين الأوروبيين إن حجم موجة الهجرة المتدفقة على دول الاتحاد الأوروبي لا يضاهيه في التاريخ الأوروبي إلا الحجم الذي رسمه أفلاطون لحجم جيش الإمبراطورية الفارسية الذي هاجم الدولة الأثينية خلال القرن الخامس ما قبل الميلاد.
ولكن من المؤكد أن حجم الاهتمام العام في أوروبا بالهجرة الآتي أكثرها من بلاد المشرق في عصر ثورة المعلومات أكبر من حجم الاهتمام الذي ساد أوروبا إبان الغزوة الفارسية.
فالاهتمام بقضية المهاجرين يفوق اليوم أي قضية أخرى أوروبية.
من المؤكد أنه يفوق الاهتمام بقضية أوكرانيا ويفوق غيرها من القضايا ذات البعد القاري والدولي.
وفي غمرة هذا الاهتمام يكتشف القادة الأوروبيون أن الاتحاد الذي يضم اكثر دول القارة والذي ينوب عنها في التصدي للقضايا الدولية لا يملك سياسة موحدة أو حتى مشتركة بين دوله.
إن الاتحاد الأوروبي قد يفتقر إلى مثل هذه السياسة ولكنه يقدر ويعمل، على الأقل، على التوصل إليها.
بالمقارنة، فإن الدول العربية لا تفتقر إلى سياسة موحدة على هذا الصعيد، ولكن فضلاً عن ذلك فإنها لا تحتل نفس المكانة من الاهتمام التي تحظى به في الدول الأوروبية.
ولا يزال هذا الحال مستمراً حتى الآن رغم تفاقم مشكلة المهاجرين عبر المتوسط ورغم أن الكثرة الغالبة بينهم تأتي من المنطقة العربية.
علاوة على ذلك، فإن صلة الدول العربية بقضية المهاجرين لا تقوم على إنها المصدر الرئيسي لهم فحسب، ولكنها تأتي أيضاً من حيث أن الدول العربية تعتبر من المناطق الرئيسية في العالم التي تستهدفها موجات الهجرة.
فبين مطلع التسعينات وعام 2005 اجتذبت المنطقة 7 ملايين مهاجر فارتفع عدد المهاجرين فيها من 13 إلى 20 مليوناً، وارتفعت نسبة المهاجرين في الدول العربية من 18 إلى 26% من عدد السكان الإجمالي للمنطقة.
وفي نفس المدة تقريباً وصلت نسبة المهاجرين في عشر دول عربية منها لبنان والأردن وليبيا إلى 10% من مجمل عدد السكان.
واليوم قفزت نسبة المهاجرين إلى لبنان وحده إلى ما يقارب ربع عدد السكان.
هذا الواقع يفترض أن تكون الدول العربية في مقدمة دول العالم اهتماماً بالهجرة ومشكلاتها وأن يكون رأيها مسموعاً عند بحث قضايا المهاجرين والهجرات.
بالمقارنة مع ما تفرضه الوقائع نجد أن الدول العربية راهنياً تتصرف وكان قضايا الهجرة تعني الآخرين ولا تعنيها هي.
صحيح إن أصوات الحروب تطغي على كل شيء آخر، ولكن الحروب هي نفسها تفرض الاهتمام بالهجرة.
هذا ما فعلته أوروبا حيث يبحث الزعماء الأوروبيون وسط ضغوط الهجرة الكثيفة عددا من المشاريع لقضية المهاجرين ومن أبرزها المشاريع الثلاثة التالية:
1) أوروبا القلعة: والغرض من هذا المشروع ليس تنظيم وترشيد دخول المهاجرين إلى القارة الأوروبية بل صدهم وتشجيع أكبر نسبة منهم على مغادرة القارة.
ولقد تبنت الأحزاب اليمينية المتطرفة والنازيون الجدد هذه الأجندة.
كما تبنتها بعض الأوساط المؤيدة لإسرائيل والمتعاطفة مع حزب ليكود بصورة خاصة.
ويجدر بالذكر أن هذا المشروع لا يستهدف المهاجرين العرب فحسب، وإنما أيضاً أحزاب اليمين الأوروبي المعتدل والأحزاب الليبرالية واليسار.
وفي هذا المشروع ثغرات كثيرة منها انه يحرم أوروبا من مزايا الهجرة والمهاجرين، ويزيد الفوارق والفواصل بين أوروبا والدول العربية بينما يتبنى الاتحاد الأوروبي سياسة التقارب مع الدول العربية.
ويتناقض هذا النهج مع الخبرات التاريخية التي اكتسبتها دول من القارة وأقنعتها بخطأ سياسة إفقار الجيران.
إن هذه السياسة تساهم في تقوية الإرهاب ومنظماته العاملة في الدول المحيطة بأوروبا إذ تزود هذه المنظمات بالناقمين على الأوضاع الراهنة في الدول العربية.
فضلا عن ذلك فليس هناك من ضمانة بألا يخترق المهاجرون “القلعة” رغم كل التحصينات التي تقام ضدهم.
2 ) نظام الكوتا الإلزامية.
وهي سياسة لا تقف ضد الهجرة ولا معها كليا، بل تسعى إلى ضبطها وإبقائها ضمن سقوف ديموغرافية وسياسية واقتصادية.
والمشكلة هنا هي أن دول الاتحاد التي وافقت على هذا النظام لم تنجح في الاتفاق على توزيع الكوتا أي توزيع المهاجرين على الدول إياها.
3) سياسة الباب المفتوح، وتقترحها بعض الأوساط الأوروبية الليبرالية التي تدعو إلى التجارة الدولية الحرة، واستطراداً إلى حرية تنقل اليد العاملة بين البلاد التي تحتاج إليها.
وقد ألقت مجلة «الإيكونومست» الانجليزية في عددها الأخير (29/08/2015) ضوءاً على أسباب حاجة القارة الأوروبية إلى اليد العاملة من الدول المجاورة وخاصة العربية والافريقية فأشارت إلى شيخوخة القارة والى الحاجة إلى عنصر الشباب الذي يتوافر في المهاجرين، وانهم بانتقالهم إلى اوروبا سوف يتعرفون إلى طرق الكسب المشروع فتتحسن أحوالهم ويساهمون في انتعاش المجتمعات الأوروبية.
تبدي بعض الأحزاب الليبرالية نفسها تحفظها على هذه المقاربة إذ تتخوف أن تتحول اليد العاملة المهاجرة إلى «صادرات إغراقية» أي إغراق سوق البلدان المتقدمة باليد العاملة الرخيصة ومن ثم إلى الاستغناء عن العمال من سكان البلد الأصليين، أو إلى إجبارهم إلى التخلي عن العديد من الامتيازات التي تمكنوا من الحصول عليها عبر النقابات والأحزاب والجماعات المنظمة التي ينتمون إليها. ما ينقص المشاريع الجادة من بين المشاريع الثلاثة أو غيرها من المشاريع التي يبحثها الاتحاد الأوروبي هو مراعاة البعد الإقليمي العربي.
لقد كان اهتمام الاتحاد ولا يزال منصباً على حل المشكلات المشتركة بصورة ثنائية بين الاتحاد كجهة واحدة وبين الدول العربية ككيانات متفرقة تفتقر إلى التكافؤ مع التحاد الأوروبي.
ولقد آن الأوان لكي يراجع الاتحاد هذه السياسة وان يعمل على دعم مشاريع التكامل الإقليمي العربي.
إن تقدم هذه المشاريع سوف يسهم في تحويل الهجرة من البلاد العربية باتجاه أوروبا إلى هجرة بين الدول العربية نفسها.
ومثل هذا التحول يحتاج إلى دعم سياسي واقتصادي يملك الاتحاد الأوروبي الكثير منه.
حتى هذا التاريخ، وظفت أوروبا جل طاقاتها في تنمية علاقاتها مع كل دول عربية على حدة فكانت قضية المهاجرين احد أعراض هذه السياسة ونتائجها.
فهل تلجأ أوروبا إلى مقاربة جديدة تسعى من خلالها إلى تنمية مزدوجة للعلاقات العربية-العربية وللعلاقات العربية-الأوروبية معاً؟ إن حل قضية المهاجرين قد يكون فرصة مناسبة لاختبار هذه المقاربة لأنها اذا نجحت سوف تساهم إلى حد كبير في تحويل المتوسط إلى بحيرة سلام وازدهار.

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى