أقلام واراءزوايا

العالم على أعتاب حرب عالمية ثالثة..! . بقلم : مصطفى الفقي

تنزيل (1)

عشت حياتي الأكاديمية رافضاً لنظرية التفسير التآمري للتاريخ، مع اعترافي بوجود المؤامرة في الأحداث المختلفة عبر مسيرة الحياة، ولكنني كنت أرى أنه لا يجب الركون إليها أو الاعتماد عليها، ذلك أن الأمر في هذه الحالة يؤدي بنا إلى حالة من الاستسلام للواقع وإلقاء اللائمة على مؤامرة مزعومة تحاك ضدنا، ولكني أعترف الآن خصوصاً بعد المشهد العربي في السنوات الخمس الأخيرة أن التفسير التآمري للتاريخ لم يكن كله أكذوبة خصوصاً على الصعيد السياسي، بل إن إعادة النظر في تلك النظرية أصبحت أمراً وارداً بل وحتمياً لذلك فإنني أفكر- مع كل العرب – في ما جري لنا وما يحدث على أرضنا ومستقبل المنطقة في العقود بل وربما في السنوات المقبلة، ولعلي أطرح الأفكار التالية للتحريض على الحوار مع الذات ومعرفة ما يدور حولنا:

أولاً: يرى غلاة المؤمنين بشيوع المؤامرة وتأثيرها المنتشر في التاريخ البشري كله أنها مادة يطرحونها بين حين وآخر للتدليل على سطوة فلسفة «الوجود المتآمر» في مراحل التاريخ المختلفة، وهم يرون أن سقوط الخلافة العثمانية كان مؤامرة لعب فيها مصطفى كمال أتاتورك ابن إقليم سالونيك (اليوناني حالياً) دوراً بارزًا، أما سقوط الكتلة الشيوعية أيضاً فكان مؤامرة دق فيها البابا يوحنا بولس الثاني أول مسمار عندما دعم حركة «التضامن» في بولندا وطنه الأصلي والتي كانت بقيادة الزعيم العمالي فاونسا، كما أن اغتيال الرئيس الأميركي جون كينيدي كان هو الآخر مؤامرة حيث جرى قتل قاتله في ذات يوم الاغتيال وتاهت معالم الجريمة حتى اليوم على رغم الجهود المضنية لمعرفة الفاعل، كما أن اغتيال أميرة القلوب ديانا لا زال هو الآخر مقيداً ضد مجهول، وما أكثر الأحداث الكبرى والجرائم التاريخية التي لم نعرف فاعلها حتى اليوم، وقس على ذلك عشرات الأمثلة بل ومئات الأحداث لمؤامرات خفية أدت إلى تغييرات جذرية في مراحل معينة من مسيرة العالم، ويستغل المتحمسون لدور المؤامرة في التاريخ هذه الأحداث لتأكيد الوجود المستمر لفكرة المؤامرة وتطبيقاتها، بينما يرى آخرون أنه رغم الاعتراف بهذه الأحداث وتأثيرها الكبير إلا أن التعميم خطأ كبير لأنه يوقعنا في شرك الاستسلام الدائم لقوى خفية ومؤامرات في الظلام ويأخذنا بعيداً عن أساليب المواجهة المطلوبة.

ثانياً: إني أظن ومعي عدد من الخبراء وأصحاب الرأي والمتخصصين في شؤون الشرق الأوسط والعالم العربي أن تنظيم «داعش» من حيث نشأته وتسليحه وتطوره والخدمات اللوجستية التي حصل عليها هو ابن شرعي لأجهزة الاستخبارات الغربية، خصوصاً الأميركية، فضلاً عن الدعم المادي الذي يلقاه ذلك التنظيم من بعض الدول العربية والإسلامية بدعوى مناصرة الثوار في سورية، وهنا لا بد من وقفة لنؤكد أن هذا الرأي ليس بعيداً عن الصواب فكل الشواهد تشير إلى أن ذلك التنظيم الإرهابي شديد الثراء ويمتلك إمكانيات ضخمة ويبيع النفط للأتراك وغيرهم ويمارس تصرفات دموية فيها كل مظاهر السيطرة، ولسنا نظن أن إسقاط الطائرتين الروسيتين المدنية التي أقلعت من شرم الشيخ والعسكرية التي هوت على الحدود السورية التركية يمكن أن يمر من دون ردود فعل عنيفة من جانب القيصر الروسي الجديد فلاديمير بوتين.

ثالثاً: لا يخالجني شك في أن الوطن العربي يتعرض لهزة عنيفة تستهدف تماسكه الإقليمي وتجانسه القومي وتسعى إلى تقويض دعائم الدولة فيه مستغلة أحداث ما سميناه «الربيع العربي» وتوابعه التي لحقت به وانتشار عدوى الثورة نتيجة وصول قوى جديدة إلى سدة الحكم وتزايد مشاعر الرفض العربي واستنكار ما يدور حولنا، حتى بدا المشهد وكأن مؤامرة كبرى تحاك ضدنا من أصحاب المصلحة في إضعاف العرب وتراجع دورهم وزوال تأثيرهم الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي. إنها مؤامرة بدأت بنظرية «الفوضى الخلاقة» التي بشرت بها كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية في إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، ولا شك في أن دول الجوار إسرائيل وإيران تملك كل واحدة منها أجندة خاصة في هذا السياق، وهي تسعى إلى إضعاف العرب واقتسام الغنيمة كل وفق أطماعه وغاياته.

رابعاً: إننا يجب أن ندرك على الجانب الآخر – نحن العرب – أن تراجع الإرادة العربية في ظل الظروف الحالية قد أدى هو الآخر إلى ظهور عوامل الضعف وبوادر التفكك في وقت تحيط فيه بكل دولة عربية أخطار كبيرة، فالسعودية تترصدها إيران سياسياً وتعبث في اليمن لخلق المتاعب في الجزيرة العربية، والعراق فيه ما يكفيه نتيجة سنوات طويلة من المعاناة والتوتر والقتال الدائم والصراع المستمر في ظل فتن طائفية وموجات إرهابية، إذ يكفي أن نتذكر أن الموصل وهي ثاني مدن العراق سقطت في أيدي تنظيم «داعش» بعد أن أنفقت الحكومة العراقية السابقة عشرات البلايين من أموال الشعب العراقي لدعم الجيش وتقويته، وتبقى هناك أسئلة تدور حول كثير من المواقف الغامضة والشخصيات التي لعبت أدواراً غير مفهومة، أما سورية فحدث ولا حرج فقد تمزقت أوصال الدولة ودفع ذلك الشعب العربي العريق فاتورة غالية قد لا يقوى على سدادها في المستقبل، وذلك في ظل الدماء والأشلاء والدمار مع تدخل إيراني وترصد تركي، والكل يريد أن يأخذ نصيبه من «كعكة الشام» وفقاً لأجندته السياسية الخاصة، وإسرائيل مراقب يقظ تتابع ما يجري في سعادة وتدرك أنها الرابح الأول في المنطقة، أما مصر أكبر الدول العربية فهي تمر بظروف صعبة حيث الحرب في سيناء ومحاولة استنزاف الجيش المصري في معارك طويلة ضد الإرهاب على الحدود الشمالية الشرقية لمصر وعمليات العنف والاغتيال والتفجيرات لا تزال مستمرة في ربوع «مصر المحروسة» مع توتر على الحدود الغربية حيث يجري تهريب السلاح في شكل متواصل من ليبيا إلى مصر، بل وتبدو في الأفق محاولة لفتح جبهة جديدة على الحدود الجنوبية لمصر في ظل تطور موضوع سد النهضة الإثيوبي وتحالف آديس أبابا والخرطوم في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها مصر، بينما تتعرض تونس لضربات إرهابية متتالية وتواجه ليبيا عملية تمزيق مروعة حيث وصلت قواعد التنظيم الإرهابي «داعش» إلى مدينة سرت وغيرها من بقاع الدولة الليبية الواسعة.

خامساً: يستخدم المتآمرون على العالم العربي العامل الديني في حرب الطوائف داخل الأقطار العربية المختلفة مركزين على الاختلافات الدينية بل والمذاهب داخل الدين الواحد لتأكيد الانقسام والتفرقة حتى تضيع معالم التوحد والتماسك اللذين يتمتع بهما الشعب العربي، فمنذ متى كان العرب يتحدثون عن الفوارق بين الشيعة والسنّة؟ ومنذ متى كانت الطوائف غير الإسلامية في العراق هي محل استهداف بهذه الطريقة؟

إننا أمام مشهد مختل ولم تعد الطائفية مرضاً لبنانياً ولكنها أصبحت داءً عربياً، ولا زالت قبضة التآمر الدولي تحكم دورها في ضغوط مستمرة على العواصم العربية بحيث أصبح الشرق الأوسط ساحة جديدة للمواجهة بين الشرق والغرب وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد ولكن بصيغة مختلفة، فالولايات المتحدة الأميركية لا زالت ترى في المنطقة العربية مجالاً للنفوذ الممتد بينما الروس على الجانب الآخر ينظرون أيضاً إلى الأهمية الاستراتيجية للمنطقة ولا يريدون أن يفقدوا ما كانوا يتمتعون به في «سورية الأسد»، كما أن الدولة المصرية كلما حاولت الانطلاق تلقت ضربات موجعة تدمر الاقتصاد والسياحة والاستقرار مثلما حدث نتيجة سقوط الطائرة الروسية التي أقلعت من مطار شرم الشيخ منذ أسابيع قليلة وما نجم عن ذلك من حرب إعلامية ضد مصر في ظل أجواء عالمية كئيبة خصوصاً بعد المأساة الإرهابية الدامية التي حدثت في باريس يوم الجمعة 13 تشرين الثاني 2015 التي دقت ناقوس الخطر وكادت أن تكون تكراراً لما جرى في 11 أيلول عام 2001 ونحن نعرف جميعاً تداعيات ذلك الحدث الضخم وما نتج منه على امتداد ما يقرب من خمسة عشر عاماً مضت.

إننا نريد أن ندق ناقوس الخطر وأن نؤكد أن هذه لحظة يجب أن يستيقظ فيها الجميع إذ إن «زرقاء اليمامة» ترى أمامها في الأفق البعيد ما يمكن أن يثير القلق ويستدعي الانتباه لمشهد صعب يجعلنا نقف على أعتاب حرب عالمية ثالثة ولكنها حرب كونية من نوع جديد، فهي ليست حرباً في ميادين القتال ولكنها حرب دول وكيانات ومدن مع ضربات إرهابية متتالية لفتح جبهات مستمرة، ونحن دائماً ندفع الفواتير من ثرواتنا الطبيعية وإمكاناتنا البشرية وسلامة أوطاننا ووحدة أراضينا. إنه وقت نصرخ فيه بأعلى الصوت: انتبهوا أيها العرب قبل فوات الأوان!

 

Print Friendly, PDF & Email
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى